صراع السياسات والأيديولوجيات في المناهج الدراسية العربية

الثلاثاء 2013/10/29
مخاوف من خلط الايديولوجي بالسياسي في المناهج التعليمية

لندن- لا تمثل الصورة الفوتوغرافية للشاب خالد سعيد، التي ظهرت حديثا على صفحات كتاب التاريخ المقرر على الصف الثاني الابتدائي في مصر، حدثا هاما في تاريخ الثورة المصرية، بقدر ما تحمله في جوهرها من نقلة نوعية كبيرة في ديناميكية التعليم في العالم العربي بأثره.

فالصفحة التي أنشأت على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" لتخليد ذكرى مبرمج الكومبيوتر، الذي كان يبلغ من العمر 28 عاما عندما هاجمه اثنان من رجال الشرطة أمام منزله بمدينة الإسكندرية، وانهالا عليه ضربا حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، لعبت دورا كبيرا في الإطاحة بنظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، وقيام احتجاجات شعبية ضخمة، كانت تهدف في بدايتها للتعبير عن رفضها لمقتل سعيد على أيدي رجال الشرطة، بعد أن نشر مقطع فيديو يظهر بعضا منهم وهم يتقاسمون كمية من المواد المخدرة، التي كانوا قد صادروها من مجموعة من المجرمين.

حافظت المناهج الدراسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لفترات طويلة على ولائها تجاه الأنظمة الدكتاتورية، التي سيطرت على مقاليد السلطة، ورسخت لدعوات تاريخية تؤسس للوطنية العربية القائمة على أسس ومعتقدات عسكرية.

وخلال مراحل مختلفة من القرن العشرين بدأت المناهج الدراسية في المنطقة العربية، وخاصة تلك التي تتناول التاريخ أو الحقوق المدنية، تتبنى رؤى السياسيين وأنظمة الحكم المتعاقبة، حتى أصبح "الكتاب الأخضر"، الذي يحتوي على نظريات وتصورات الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي التي تتسم بعدم الجدية، على سبيل المثال، في ليبيا، هو المرجع الرئيسي لطلبة العلوم السياسية.

صورة خالد سعيد على كتاب التاريخ .. نقلة نوعية

في هذا السياق يرى كمال مغيث خبير تطوير المناهج الدراسية أن "المدارس كانت تمثل الأوعية التي يجري بداخلها ترسيخ الأيديولوجية وتسويق رؤى القوة العسكرية الحاكمة".

وبعد عام 2011، الذي مثل نقلة نوعية كبيرة في تاريخ المنطقة العربية، وجد المجتمع العربي نفسه أمام حالة من التمرد طالت كذلك طلبة المدارس، الذين دأبوا في تعبيرهم عن هذه الحالة في العبث بالصور الفوتوغرافية للقذافي، وزين العابدين بن علي، في ليبيا وتونس، وتمزيق شعاراتهم المعلقة على حوائط مدارسهم.

غير أن حالة انعدام الاستقرار الذي شهدتها دول "الربيع العربي" لم تمنع البرلمان الليبي، في المقابل، من إقرار اللغة الأمازيغية لقبائل "التابو" و"التواريغ" باعتبار أن هذه اللغة تمثل هوية الأقليات داخل المجتمع الليبي، كما لم تمنع من قبلها طرح قصة خالد سعيد على طلبة المرحلة الابتدائية في مصر.

لكن توجهات سلطة الحكم في الوطن العربي لم تتوقف فقط على القضايا الداخلية، التي ساهمت في تشكيل خريطة القوى داخل المجتمعات العربية، بل امتدت أيضا لتشمل علاقات هذه المنطقة بمحيطها وبامتداداتها التاريخية القريبة.

فقد جاءت تركيا على رأس الدول التي تم استهدافها في المناهج الدراسية العربية، وشرع واضع المناهج الدراسية في المنطقة إلى تشويه حقائق كثيرة ضمن المتغيرات العنيفة التي شهدها الشرق الأوسط، إبان هيمنة الدولة العثمانية خلال مطلع القرن العشرين عليه.

ويقول محمد نصيري، الدبلوماسي في جامعة الدول العربية، أن الجامعة عكفت على تشكيل لجنة خاصة لبحث الوضع التاريخي للعرب في تركيا، ولشكل حياة الأتراك والعثمانيين في الوطن العربي، وكيفية تصحيح هذه التصورات المغلوطة عن حياتهم. على الجانب الآخر، نجد أن الحكومة التونسية انتهجت نفس السياسات في قرارها بتشكيل العديد من اللجان، التي كانت مهمتها تتلخص في محو صور الاستبداد، التي تسربت إلى حجرات الدراسة في عهد الرئيس بن علي، في الوقت الذي يتناول فيه الطلبة السوريون في مخيمات اللجوء خارج حدود سوريا مناهج دراسية، تظهر الرئيس بشار الأسد وعائلته في صورة الطغاة والمستبدين.

لكن نجاح تيار الإسلام السياسي في الوصول إلى السلطة في شمال أفريقيا مثل نقطة تحول المنطقة إلى بداية مرحلة جديدة من العبث بمناهج التعليم العربية، في صراع الإيديولوجيات المتعاقبة على المنطقة.

ورصدت بعض منظمات المجتمع المدني في مصر، على وجه التحديد، إخلاء الكتب المدرسية من صور الناشطة في مجال حقوق المرأة في خمسينيات القرن الماضي، درية شفيق، أثناء حكم الرئيس السابق محمد مرسي، لأنها فقط لم تغط شعر رأسها.

لكن مسار تدريس المناهج شهد تعديلا ملحوظا في بعض الدول الكبرى في المنطقة، بعد سقوط نظام الإخوان المسلمين في مصر، التي أصدر وزير تعليمها الجديد، محمود أبو النصر، قرارا يحظر على المعلمين في المدارس الحكومية الحديث عن السياسة، وما تبعه بعدها من قرارات تحظر الشيء نفسه في السعودية، وهو ما يؤسس لمرحلة جديدة من وضع المناهج الدراسية، التي قد تشكل عقل الأمة العربية لعقود قادمة.

17