صراع الشرعيات أهم من مواجهة الوباء في تونس

الحكومة الموجودة، أيّا كانت صفتها، ملزمة بالبدء بالإصلاحات سريعا وإلا فإن مصير البلاد سيكون مثل ما يجري مع لبنان.
الجمعة 2021/04/30
معركة لا تهتم للأزمة الصحية

لم يعد من الوارد في المدة القريبة الحديث عن تهدئة بين رؤوس السلطة الثلاثة في تونس تحت أيّ عنوان بالرغم من الدعوات الكثيرة إلى هدنة لأجل أن تتفرغ البلاد إلى معركة مصيرية مع الوباء تحت قيادة متماسكة، وآخر تلك الدعوات صدرت عن رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد.

كل ما يظهر من الصورة أن البلاد تقاوم الوباء بالحد الأدنى من الجهد، وأن السياسيين المهتمين بمعركة الصلاحيات تركوا مهمة إدارة المعركة إلى صغار الموظفين في وزارة الصحة، خاصة في وجود وزير محدود القدرة على التواصل وعاجز عن جلب اهتمام الناس إلى التحذيرات التي تطلقها الوزارة صباحا ومساء.

أحيانا يحضر هشام المشيشي رئيس الحكومة اجتماعات اللجنة الصحية المكلفة باتخاذ القرارات، ويكون دوره الرئيسي تعطيل سعيهم إلى إقرار الإغلاق التام لتطويق الانتشار السريع للفايروس. ورفض المشيشي للإغلاق ليس قناعة، ولكن الرجل واقع تحت ضغوط كثيرة، ضغط من رجال الأعمال الذين يرفضون وقف أنشطة القطاع الخاص التي تكلفهم خسائر أثبت تجربة كوفيد – 19 السنة الماضية أن الحكومة لن تعوض لهم كما يشتهون.

وضغط آخر من العاملين في قطاعات المقاهي والمطاعم الذين تظاهروا لمنع أيّ إغلاق يحولهم آليا إلى عاطلين بالرغم من وعود حكومية بمنحة لمساعدتهم على مواجهة مصاريف شهر رمضان.

يضاف إلى كل هذا ضغط سياسي قاده معارضو الحكومة وكذلك رئيس الجمهورية قيس سعيد ضد الإغلاق. كل خطوة من الحكومة تتم معارضتها والهجوم عليها في الإعلام بمنطق أنا ومن بعدي الطوفان، وفي الوقت نفسه لدينا رئيس حكومة ضعيف ومرتبك ويؤثر السلامة ويتجنب المواجهة، وهذا ما يفسر تراجعه قبل أسبوعين عن حظر تجوال من السابعة مساء إلى الخامسة صباحا.

والنتيجة هنا أن المعركة المصيرية في مواجهة كورونا دخلت ضمن معركة الصلاحيات بين رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان، بدل أن تدفع الجميع إلى الوحدة وإظهار تماسك الدولة ومؤسساتها وتجميع إمكانياتها وقدراتها للوقوف صفا واحدا ضد الخطر الزاحف بقوة كما تفعل كل دول العالم.

وفيما عدا تصريحات رئيس الحكومة التي تتطرق لموضوع كورونا بسبب أسئلة الصحافيين أو كجزء من أجندته اليومية، فإن بيانات وخطب بقية المسؤولين تتعامل مع موضوع كورونا كعنصر ثانوي من باب رفع العتب، ودليل ذلك بيان مجلس شورى حركة النهضة الأخير، والذي وضع نقطة كورونا كآخر عنصر وفي سياق الحجاج مع حركة الرئيس سعيد، بالتأكيد على أن الأولوية الآن هي “مقاومة الجائحة التي يذهب ضحيتها العشرات من التونسيين يوميا والتصدّي لآثارها الخطيرة، مع تركيز الاهتمام على مشاغل المواطنين الحقيقية وعلى اتخاذ الإجراءات الضرورية لإنقاذ الوضع الاقتصادي والمالي الحرج”.

والمفارقة أن الرئيس سعيد نفسه تكاد خطاباته تخلو من الحديث عن معركة الوباء إلا في سياق الاستعارات السياسية من باب اللمز والغمز في الخصوم.

فيما يوظف داعمو الحكومة كورونا للضغط على قيس سعيد لوقف معركة الصلاحيات يقول معارضون إن الحل في استقالة الحكومة لكونها فاشلة رغم معرفتهم أن إقالة الحكومة في المعركة ستعني ترك البلاد للمجهول

لا أحد يلعب دور القائد الرمزي في معركة كورونا، والناس تشعر أن الدولة غير معنية بالمعركة وليست لديها خطط ولا خطوات واضحة للمساعدة، فضلا عن جهد متعثر في شراء اللقاحات والتسريع بتلقيح ما حصلت عليه إلى حد الآن من كميات، خاصة في ظل قطاع صحي حكومي مرهق بسبب خسارة العشرات من أبنائه في المعركة، وهروب البعض إلى القطاع الخاص وهجرة الكثيرين بسبب محدودية إمكانيات المواجهة.

ويمكن لأيّ ملاحظ أن يقيس درجة الاهتمام بالمعركة مع الوباء من خلال متابعة تصريحات السياسيين وحضورهم في البرامج الحوارية في وسائل الإعلام. الملاحظة الأبرز في رصد هذا الحضور أن مسألة كورونا تأتي دائما عنصرا ثانويا في الحديث، فضلا عن توظيفها في سياق المعركة السياسية.

وفيما يوظف داعمو الحكومة (حركة النهضة وقلب تونس) مسألة كورونا للضغط على الرئيس سعيّد من أجل وقف معركة الصلاحيات، يقول المعارضون إن الحل في استقالة الحكومة لكونها فاشلة وعاجزة، بالرغم من معرفة هؤلاء أن إقالة الحكومة في المعركة ستعني آليا ترك البلاد للمجهول خلال ذروة الوباء، خاصة أن تشكيل حكومة جديدة قد يمتد لأشهر بسبب الخلافات السياسية الحادة.

وبدل البحث عن الوحدة في مواجهة كورونا، فإن دعوة أحزاب الحكومة إلى تحويل التعديل الوزاري إلى أمر واقع دون انتظار أداء القسم أمام رئيس الجمهورية يعطي بوضوح إشارة القطيعة مع سعيّد ودخول مرحلة جديدة قوامها وجود شرعيتين منفصلتين كأمر واقع.

وتعني هذه الخطوة الاستغناء عن رئيس الجمهورية في إعطاء الشرعية الرمزية للوزراء والحكومة ذاتها والتصرف كأنه غير موجود، وهي خطوة تبدو مبررة بسبب تمسك الرئيس برفض التعديل أو التأشير على احتراز مؤسسة الرئاسة بشأن قائمة الوزراء الجدد المعنيين بشبهات الفساد.

لكن ذلك لا يخفي وجود نية للاستمرار في التحدي من خلال تعيين مستشارين لدى رئيس الحكومة في وزارتي الخارجية والدفاع، ما يوحي بالتحسب لمرحلة القطيعة مع مؤسسة الرئاسة وتحييد الوزيرين الحاليين المحسوبين على الرئيس سعيّد.

ويستفيد الحزام الحزبي لحكومة المشيشي من لقاءات رئيسي الحكومة والبرلمان مع السفراء الأجانب للغمز بوجود دعم خارجي للحكومة، خاصة بعد برمجة زيارة للمشيشي إلى الولايات المتحدة ولقائه مع صندوق النقد الدولي لمناقشة صيغ استمرار الصندوق في منح تونس القروض مع التقيد بالإصلاحات الهيكلية الضرورية.

والمفارق هنا أن هذه الإصلاحات التي يفترض أن تتم وفق حوار وطني واسع برعاية رئيس الجمهورية باتت تتم بشكل مباشر مع الحكومة وبموافقة من اتحاد الشغل، خاصة ما تعلق بمسألة رفع الدعم عن المواد الأساسية، والزيادات الشهرية في أسعار المحروقات، وهو ما يعني أن الدوائر المالية الدولية ليس لديها وقت لتنتظر انتهاء معركة الصلاحيات بين الرؤوس الكبيرة، وأن الحكومة الموجودة، أيّا كانت صفتها، ملزمة بالبدء بالإصلاحات سريعا وإلا فإن مصير البلاد سيكون مثل ما يجري مع لبنان.

والسؤال الآن: كيف سيتصرف الرئيس في مواجهة نوايا حكومية لاعتماد سياسة الأمر الواقع وإدارة الشأن العام دون الرجوع إليه، هل سيقبل بالعزلة عن مؤسسات الحكومة كأمر واقع أم سيمرّ إلى خطوات تصعيدية مثل حل البرلمان، ومواجهة خصومه عبر المحكمة العسكرية في ملفات فساد أو في قضايا الارتباط بالخارج، مثلما ألمح إلى ذلك في خطابه الأحد قبل الماضي، استجابة لدعوات حزامه السياسي.

9