صراع العبادي ضد المالكي يهدد حزب الدعوة العراقي بالانقسام

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي يحاول تقديم نفسه للعراقيين باعتباره رجلا للإصلاح ورمزا للوفاق، يقف أمام خيار صعب بين أن يتمسك بانتمائه الحزبي ويفقد مصداقيته أمام الشارع المتحفّز لمزيد من الاحتجاج، وبين التخلّص من ظل سلفه نوري المالكي الذي تحوّل إلى عبء ثقيل عليه، وعقبة كأداء أمام إصلاحاته.
الأربعاء 2015/09/09
تعايش العبادي والمالكي معا تحت سقف حزب الدعوة أصبح صعبا

بغداد - توقّعت مصادر عراقية مطّلعة أن يعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي قريبا انسحابه من حزب الدّعوة الإسلامية الذي يقوده سلفه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وذلك تنفيذا لنصائح عدد من مستشاريه والمقربين منه يرون في المالكي عبئا على العبادي نظرا لصورته السلبية لدى غالبية الشعب العراقي، وعائقا أمام إنجاز إصلاحات حقيقية تقنع الشارع المتحفّز لمواصلة احتجاجاته وتصعيدها.

إلاّ أن ذات المصادر قالت إنّ العبادي الذي يحتاج إطارا حزبيا داعما له، قد يلجأ بدل الانسحـاب مـن الحزب الـذي يحظى بـدعم قسم هام من الشارع الشيعي، إلى قيـادة جنـاح منشـق بمسـاعدة شخصيـات توصـف بالمعتـدلة وغير المتعصبـة طائفيـا وغير الملـوثة بالفسـاد.

وأكّدت المصادر ذاتها وجود قناعة لدى الدائرة المقّربة من العبادي باستحالة المضي في عملية الإصلاح دون التحرّر من قيود حزب الدعوة بصورته الحالية، ومن سطوة كتلة دولة القانون البرلمانية، اللذين يقودهما المالكي ويوظفهما في الضغط على رئيس الوزراء الحالي لتقييد إصلاحاته وتوجيهها بعيدا عن المساس بشخص المالكي المطلوب للمحاسبة من عدّة أطراف وفي عدّة ملفات تتراوح بين المسؤولية عن استشراء الطائفية والفساد وإضعاف المؤسسة العسكرية والأمنية والتسبب في سيطرة تنظيم داعش على مساحات واسعة من البلاد.

ومن جهتهم يرى محلّلون سياسيون أنّ العبادي الذي أبان في أكثر من مناسبة على اختلافات كبيرة في الرأي مع زعيم حزبه نوري المالكي يمتلك اليوم فرصة ذهبية للتخلّص من سطوة الرجل ذي النفوذ السياسي والإعلامي والمالي الكبير، فضلا عن استناده على دعم ميليشيات مسلّحة.

وتتمثل فرصة العبادي، حسب هؤلاء، في الدعم الشعبي له في مقابل النقمة المتزايدة على المالكي الذي قاد البلاد بين سنتي 2006 و2014 وخلّفت سياساته آثارا مدمّرة مست بشكل مباشر حياة المواطن العادي من انعدام الأمن إلى سوء الخدمات وتراجع مستوى العيش.

الفوضى الأمنية تستشري في بغداد
بغداد - أقدم أمس مسلحون على اختطاف وكيل وزير العدل العراقي عبدالكريم فارس بعدما اعترضوا سيارته في شمال شرق العاصمة بغداد.

والحادثة هي الثانية من نوعها في ظرف حوالي أسبوع بعد اختطاف عمال أتراك من موقع لبناء ملعب رياضي في مدينة الصدر على يد مسلّحين يرجّح انتماؤهم إلى ميليشيا حزب الله الشيعية.

وتكشف الحادثتان عن مقدار تغوّل الجماعات المسلّحة في مقابل تراجع هيبة الدولة التي باتت عاجزة عن حماية موظفيها، فضلا عن المواطنين والرعايا الأجانب.

ويربط متابعون للشأن العراقي تزايد النشاط المسلح للميليشيات خارج جبهات الحرب ضدّ تنظيم داعش، باستدعاء قادة تلك التشكيلات المسلّحة لمقاتليهم من الجبهات للتفرّغ لتصفية حسابات داخلية وتعطيل عملية الإصلاح المتجهة نحو محاسبة سياسيين نافذين.

وحملت عملية الاختطاف الجديدة أمس مجدّدا بصمات الميليشيات التي تتنقّل في سيارات رباعية الدفع وبأزياء موحّدة دون أن تتعرّض لها قوات الأمن.

وقال ضابط برتبة عقيد في الشرطة إن “مسلحين يرتدون ملابس سوداء ويستقلون ثلاث سيارات خطفوا وكيل وزير العدل”.

وأوضح أن المسلحين اعترضوا سيارة فارس لدى مرورها في منطقة البنوك ولدى محاولة السائق المناورة بها والإفلات منهم، قاموا بإطلاق النار وأصابوه بجروح، قبل أن يقتادوا الوكيل إلى جهة مجهولة.

وتنتشر على نطاق واسع عمليات الخطف في بغداد، وتتنوع أسبابها بين طلب فدية وخلفيات سياسية وطائفية. وتعد “البنوك” منطقة ذات غالبية شيعية، وتحظى فيها الفصائل المسلحة التي تقاتل إلى جانب القوات الأمنية ضد تنظيم داعش، بنفوذ واسع.

إلا أن تزايد نفوذ تلك الفصائل يثير المخاوف من تغوّلها وتحولّها إلى قوة منفلتة ومتجاوزة لسلطة الدولة خصوصا بعد تورّط هذه التشكيلات الطائفية في عمليات خطف وسرقة وقتل على الهوية.

إلاّ أنّ الفرصة الأكبر للعبادي تتمثل في دعم مرجعية النجف له ووقوفها وراء إصلاحاته ودعوتها له إلى “الضرب بيد من حديد”، وعدم استثناء “رؤوس كبيرة” من عملية المحاسبة، الأمر الذي فهم على أنّه إشارة واضحة إلى سياسيين نافذين مثل نوري المالكي.

وذهب البعض حدّ تفسير موقف المرجعية الشيعية العراقية العليا في دعمها للعبادي باعتباره “تمرّدا” على سلطان مرجعية قم الإيرانية، ورفضا لتطبيق نموذج ولاية الفقيه المعتمد في إيران.

وفيما أظهرت طهران دعما صريحا لنوري المالكي باستقبـاله من طرف المرشد الأعلى علي خامنئي بمجرّد إطاحته من منصب نائب رئيس الجمهورية وظهور اسمـه في تقـرير بـرلماني على رأس المسـؤولين عن سقوط مدينة المـوصل بيد تنظيم داعش، بدا أن علاقـة العبـادي بطهران آخذة في الفتور.

وكانت مصادر موثوقة تحدّثت عن مشادّة كلامية حادّة حدثت بين العبادي وقائد فيلق القدس ضمن الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني خلال اجتماع للهيئة السياسية للتحالف الوطني الشيعي اقتحمه سليماني دون إذن، الأمر الذي أغضب العبادي ودفعه إلى سؤاله عن صفته التي أتاحت له حضور الاجتماع.

ومنذ الأشهر الأولى لاستلام العبادي رئاسة الحكومة بدا أنّ ثقة طهران فيه أقلّ كثيرا من ثقتها بسلفه نوري المالكي، حتّى أنّ الدوائر السياسية والدينية الأكثر تشدّدا في إيران وصفت العبادي برجل أميركا في العراق، بعد تصريح له طالب فيه جميع دول الجوار بلا استثناء باحترام سيادة بلاده.

كما لم تخف الدوائر ذاتها توجّسها من إظهار العبادي نيته إصلاح علاقات بلاده بمحيطها العربي بعد أن وصلت مستوى خطرا من التردي في عهد سلفه نوري المالكي.

وبدأت خلافات العبادي مع سلفه وزعيم حزبه، حزب الدعوة الإسلامية، تلقي بظلال من الشك على مستقبل الحزب الذي يتصدّر مشهد العملية السياسية في العراق بكل عيوبها ومساوئها، حيث ورد في تقرير لوكالة العباسية نيوز قول معلقين سياسيين في بغداد بأن الحزب المذكور لم يعد حزبا موحدا في الوقت الراهن وإنه معرض للانقسام إلى جناحين في أي لحظة، حيث سيقود الجناح الأقوى في المرحلة المقبلة حيدر العبادي عضو المكتب السياسي، فيما يقود الجناح الثاني الذي سيضعف كثيرا في المستقبل القريب نوري المالكي.

وأورد التقرير قول الباحث في الشؤون الدينية حسان الحيدري أستاذ الفقه الشيعي في جامعة الكوفة سابقا، والمقيم حاليا ببيروت، إنه لا يستبعد انشقاق العبادي عن حزب الدعوة قريبا، مؤكدا أن متابعاته لأوضاع الحزب في المرحلة الراهنة تؤكد أن العبادي في طريقه إلى الخروج من الحزب أو الانشقاق عنه خاصة وأن فئات واسعة من المحتجين طالبته بمغادرته خلال تظاهراتها الشعبية.

3