صراع الفصائل الكبرى يكرس تحول خارطة الهيمنة في إدلب

الأربعاء 2017/08/09
نزيف الحرب السورية لا يتوقف

إدلب (سوريا) – شكّلت صراعات الفصائل لحسم المواقف وتنحية الفصائل الصغيرة وابتلاعها حدثاً متجدداً في أكثر من منطقة في سوريا، لكن ما شهدته إدلب في منتصف الشهر الماضي من مواجهات واسعة بين "حركة أحرار الشام" و"هيئة تحرير الشام"، كانت له دلالات واضحة بشأن تحوّل خارطة القوى بين الطرفين والتي ستكون لها تداعياتها المستقبلية.

ولم يكن صراع "التحرير والأحرار" مستغربا، فالاختلاف الأيديولوجي بين الطرفين بات واضحا بعد أن أبدى "الأحرار" تراجعاً عن تطبيق المشروع الإسلامي والاتجاه نحو المحليّة ورفع علم الثورة والعمل بمرجعية قانونية "القانون العربي الموحد"، إلا أن هذا الصراع كان الأوسع والأقسى، امتدت فيه المعارك إلى جبل الزاوية وريف إدلب الشمالي ومناطق حدودية، واستخدمت خلالها الأسلحة الثقيلة في القتال لتصبح بعدها “الهيئة” القوّة المسيطرة على إدلب.

لم تستطع حركة "أحرار الشام" المصنّفة كتنظيم معتدل، مقارنة بـكل من “داعش” و”النصرة”، الصمود أكثر من ثلاثة أيام في المواجهات الأخيرة مع "الهيئة" الفصيل المسلح الذي تشكّل إثر اندماج مجموعة من الفصائل أهمها “فتح الشام/النصرة”، على الرغم من كونها إحدى أكبر الحركات الإسلامية المسلحة وامتلاكها لترسانة سلاح ضخمة.

ومثّلت هذه المواجهة معركة وجود بالنسبة إلى “الهيئة”، وتحديدا “النصرة” التي تسعى إلى توسيع مناطق نفوذها والتمركز في منطقة جغرافية حيوية تأهباً لأي مواجهة محلية مدعومة إقليمياً أو دولياً، واستباقاً لتنفيذ اتفاق مناطق “خفض التوتر” المتفق عليه في آستانة، وبذلك أصبحت “النصرة” لاعباً أساسياً في إدلب بعد انكسار “حركة أحرار الشام” وإبعادها نحو سهل الغاب وجبل الزاوية.

إدلب تعيد للأذهان مشكلة هذه المعارضة مع مسألة الهوية وغياب المشروع الوطني الواضح واصطفافها مع الفصائل المسلحة

وأدى الانهيار السريع لحركة أحرار الشام، التي تضمّ في حدود 15 ألف عنصر مقابل نحو 10 آلاف عنصر لـ”النصرة” في الشمال، ونجاح “النصرة” في بسط سيطرتها على حوالي 70 بالمئة من محافظة إدلب، إلى جانب معبر باب الهوى الحدودي والمنطقة الحدودية مع تركيا قبل التوصل إلى اتفاق بين الطرفين للتهدئة وإطلاق سراح المحتجزين من الطرفين، وانسحابهما من معبر باب الهوى وتسليمه لإدارة مدنية، إلى ارتفاع حدّة التوقعات بشان تفكك حركة “أحرار الشام”، والذي يمكن ردّه إلى المشكلات التي تعاني منها هذه الحركة وعجزها عن التوفيق بين الهوية الإسلامية والمشروعية الثورية، فاعتدالها “النسبي” لم يجعلها مقبولة لا محليّاً ولا دوليّاً.

وسيكون التخلّص منها مصلحة دولية تحت ستار الحرب على الإرهاب، أما أبرز مشكلات الحركة فهو احتضانها لـ”جبهة النصرة” وتقويتها، قبل وبعد انفصالها عن داعش، وموقفها البراغماتي من الهجمات المتتالية التي شّنّتها “جبهة النصرة” منذ العام 2014 على بقية الفصائل، والسلسلة الطويلة من الانقسامات والصراعات الداخلية بين الفريق المحسوب على قوى الثورة، وبين الفريق المحسوب على التيار الجهادي بقيادة هاشم الشيخ “أبو جابر” والذي بلغ ذروته مع تشكيل هذا الفريق “جيش الأحرار” منتصف العام 2015 وخروجه من الحركة نهائياً في فبراير 2017، لينضم إلى “هيئة تحرير الشام”.

وشهدت حركة أحرار الشام التي شهدت انضمام خمسة فصائل إليها في مطلع 2017 سلسلة من الانشقاقات لصالح “الهيئة”، وبلغ عدد المجموعات المنشقّة 15 مجموعة آخرها “لواء العاديات” أحد أكبر ألوية الأحرار.

ويعود سبب الانشقاقات حسب أبي منذر الشامي قائد لواء “قاطع البادية” الذي انشقّ بكافة سراياه المؤلّفة من مئات المُقاتلين “إلى هشاشة التأهيل العقائدي عند الأحرار، يقابله عمقا عقائديا عند عناصر هيئة تحرير الشام”.

وسيضع “الحركة” في مصاف النهاية ويؤهّل “النصرة” إلى كسب الفصائل “المُعتدلة” علّها تتخطّى عقبة تصنيفها إرهابية تحت ظلّ المُسمّى الجديد “هيئة تحرير الشام”.

ولكن إدلب التي صارت ملجأ لجميع المسلحين الذين تركوا جبهات القتال بالقوة أو بالمصالحات، ولمعظم “المجاهدين” القادمين من خارج سوريا، تحوّلت إلى البؤرة الأساسية للإرهاب بوجودها تحت سيطرة “النصرة”، وسيحدد مصيرها بشكل كبير مسار الحرب في سوريا، بعد أن تحوّلت معظم الجبهات إلى جيوب صغيرة نسبياً يستكمل جيش النظام مع حلفائه السيطرة عليها.

وتعيد إدلب التي تمثّل رمزا لما تبقى من “الثورة” بالنسبة إلى أطياف كثيرة من المعارضة، للأذهان مشكلة هذه المعارضة مع مسألة الهوية وغياب المشروع الوطني الواضح واصطفافها مع الفصائل المسلحة، الذي وإن ساعدها على تحقيق جزء بسيط من المكاسب في مواجهة قوات النظام وحلفائه، دفعها نحو الخسارة الكبيرة في الداخل والخارج خصوصا بعد تمدّد الفصائل الجهادية التي ابتلعت سوريا وتركتها تحت نزاع المصالح والمنافسات الخارجية.

7