صراع القروش

العرب وحدهم يديرون صراعات مريرة عبر عشرات السنين من البيع والشراء بالقضايا العادلة والشعارات الوهمية.
الجمعة 2020/01/03
دقة في مراعاة الحقوق

خبر وحيد من الأخبار النادرة المتصلة بما يتوقعه العالم من السنة الجديدة 2020 تكنولوجيا، يكاد لا يغادر ذهن المرء حين يطّلع عليه. يقول الخبر إن مديرة مركز “يو إس إف” لأخلاقيات البيانات التطبيقية راشيل توماس حذّرت من ظاهرة علمية خطيرة، مذكرة بأنه وعندما استخدمت شرطة بالتيمور تقنية تمييز الوجوه للتعرف على المواطنين الذين احتجوا على مقتل المواطن الأميركي الأسود فريدي غراي الذي راح ضحية عنف الشرطة، “كان لذلك تأثيرٌ مخيفٌ على الحقوق المدنية”. وهذا ما سيجعل من العام الجديد بعد انتشار هذه التكنولوجيا عاماً حافلا بخرق الحقوق.

انظر إلى الدقة في مراعاة الحقوق إياها.

الحقوق المدنية والتقدم التكنولوجي فائق السرعة أمران يجب أن يشغلا بال الجميع في عالم العام الجديد. لأن ممحاة الحدود الفاصلة ما بين أخلاقيات العلم وبين حرية التطور العلمي باتت غير مضمونة النتائج. وبمقارنة أوضاع الكوكب المنشطر المسمّى الأرض، نجد أن الصعود الرهيب نحو الأعلى في سلالم القيم يقابله هبوط حاد متسارع هو الآخر نحو الهمجية. مساران يتلاقيان في النهاية مخلّفين رعباً لا مثيل له، يعصف بالحضارة الإنسانية نحو المجهول.

أخبرني مؤرخ عجوز قارب المئة، ذات يوم، أن جميع منجزات البشر ما هي إلا اقتران تامٌ لصيق بوحشيتهم. لأن الغرض منها بالدرجة الأولى ضبط الوحشية بإكراهٍ مماثل.

ما الذي يتسابق عليه البشر إذن؟ الحد من الهمجية أم تطوير طرق إخفائها؟ لا شيء يذكّر بهذا سوى المسلسل الأكثر شهرة على مستوى العالم “صراع العروش” والذي اختتم آخر أجزائه في العام الذي ودعناه، تاركا المشاهدين يتفكرون في صراعاتهم.

من أجل كرسيّ أم من أجل المزيد من النفوذ والسيطرة أم من أجل الثارات والانتقام أم من أجل ماذا؟ لم يعد أحد يصدّق اليوم أن هناك من ينوي نشر التنوير وحمائم السلام بين البشر، فقد ختم الإنسان أعماله الصالحة ولم يعد لديه ما يقدمه إلا فكرة التجارة ذاتها، الكسب والمزيد من الكسب، بغض النظر عن الحقوق وما وراء الحقوق.

وفي الوقت الذي نرى فيه الخلق يشعرون بالقلق على حقوق الملامح التي يمكن الاطلاع عليها من دون إذن أصحابها، نرى العرب وحدهم يديرون صراعات مريرة عبر عشرات السنين من البيع والشراء بالقضايا العادلة والشعارات الوهمية، دينية كانت أم قومية أم اجتماعية، بهدف الفوز بالأرصدة والرفاهية والسيارات والحفلات وإلى آخر السلسلة الطويلة من العيش الرغيد، لهم وحدهم بالطبع. ومهما بلغت قيمة ما يتحاربون عليه من المال فهي لن تتجاوز كونها “صراع قروش” دموي لا “صراع عروش” مجيد.

24