صراع القطبين في مصر

الثلاثاء 2013/08/27

مشكلة الثورة المصرية الأولى هي أنها لم تكن ثورة مؤسسات. بمعنى أن الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك قامت بها جموع الشعب المصري، ولم تشارك فيها مؤسسات الدولة انتهاء بالقوات المسلحة، ومرورا بالشرطة والقضاء والإعلام. صحيح أن الجيش المصري اشترك في إزاحة مبارك، ولكن تلك الإزاحة كانت تهدف- بالأساس- إلى الحفاظ على قوام الدولة، وعلى جسم النظام، وإن تم الإطاحة بالرأس.

الفارق يكاد يكون هائلا بين ما حدث في 25 يناير 2011، وما حدث في 30 يونيو 2013. فالمؤسسات التي تقوم على أعمدتها الدولة المصرية، والتي تحوي في قطاعها الحكومي فقط ما يقرب من ستة ملايين ونصف المليون موظف انتقلت من حيز الحياد في 2011، إلى دائرة المشاركة الفاعلة في 2013.

لم يكن بمقدور أحد إسقاط الإخوان المسلمين في مصر دون مشاركة مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة. ما حدث في 2011 كانت احتجاجات شعبية عفوية، لم تتطور لتصبح ثورة بالمعنى المفهوم والعميق لها بسبب عزوف تلك المؤسسات عن المشاركة فيها، لكن محاولات الأخونة المستمرة التي تعرضت لها جميع الأجهزة والمؤسسات في مصر، طوال عام من حكم الإخوان المسلمين، دفعها إلى أن تتصدر المشهد في 2013، وهو ما جعل مهمة الإطاحة بالنظام أكثر سهولة عن ذي قبل.

إن ما حدث مؤخرا في مصر يمكن اختصاره على أنه جولة جديدة من الصراع، بين مؤسسات الدولة والإخوان المسلمين، وهو الصراع الذي لم يتوقف منذ قيام حسن البنا بإنشاء الجماعة عام 1928.

ظلت تلك المؤسسات تنظر إلى جماعة الإخوان بعين الريبة والحذر منذ ثلاثينيات القرن المنصرم، وبدأت العلاقة بينهما تتحول إلى صراع فعلي مع بداية الأربعينيات عندما انهار تحالف حسن البنا مع القصر، وأقدمت الحكومة على حل الجماعة واعتقال جميع قياداتها، أعقبها سلسلة اغتيالات متبادلة، بدأت باغتيال محمود فهمي النقراشي رئيس الحكومة وقتذاك، ومقتل حسن البنا المؤسس الأول للجماعة.

ثم جاءت حكومة الثورة، بقيادة جمال عبد الناصر، لتصدر قراراً بحل الجماعة مرة أخرى، وتلقي القبض على أكثر من 400 من قياداتها، بعد محاولة التنظيم السري اغتيال عبد الناصر (في حادثة المنشية الشهيرة) أثناء إلقاء خطاب له بالإسكندرية.

كانت علاقة مؤسسات الدولة المصرية بجماعة الإخوان المسلمين في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، يحيطها التوجس الدائم من تطلعات الجماعة للحكم. لكن هذا لم يمنع النظام من استغلال فزاعة الإخوان والتلويح بها للغرب طوال الوقت من جانب، واستخدام الجماعة نفسها في ملء المساحة الشاغرة بين معارضة مدنية تعاني من الضعف والترهل، وبين تحقيق الديمقراطية كأساس للحكم، من جانب اّخر.

30 يونيو لم يكن يوما عاديا في هذا الصراع المزمن.

الفارق الآن ينحصر في انتقال صورة الإخوان الحقيقية التي كانت المؤسسات تحتفظ بها داخل أروقة الحكم إلى الشارع، وإدراك قطاعات واسعة من الشعب المصري أن الديمقراطية في أدبيات الإخوان، لا تزيد عن كونها سلّما للصعود إلى السلطة، يمكن سحبه بعد ذلك، حتى لا يتمكن أحد من استخدامه هو الآخر للصعود من بعدهم.

لم يحتج انتقال التأييد الشعبي من جماعة الإخوان المسلمين إلى القوات المسلحة المصرية، التي عانى الشعب نفسه من إدارتها السيئة للمرحلة الانتقالية الأولى، إلا عاما واحدا فقط في الحكم. ولم يستغرق سقوطهم، بعد 80 عاماً من العمل الدؤوب للوصول إلى السلطة، إلا 80 ساعة فقط، وهي الحقيقة التي تؤرق الآن جميع النشطاء والأحزاب السياسية المدنية في مصر. لا يريد هؤلاء أن يروا طرفا لا يؤمن بالديمقراطية، يزيح طرفاً آخر، لا يؤمن بالديمقراطية أيضا، لكي يجلس مكانه على مقعد السلطة، وكأن قدر مصر هو أن تكون كرة تنس صغيرة يتلقفها مضربين، أحدهما بيد العسكر، والآخر في قبضة الإخوان.

المعارضة المدنية في مصر كالطفل الصغير، الذي يتبنى الديمقراطية وينادي بحقوق الإنسان، بينما يقف حائرا بين عملاقين يتصارعان على طموحاته ومقدراته، فلا هو امتلك الشعبية أو الشرعية التي تمكنه من مزاحمة هذين العملاقين، ولا استطاع أن يفرض شروطه عليهما، في الوقت الذي نجح الأول في الوصول إلى السلطة من خلال تبني شعارات هذا الطفل وفشل، واستطاع الثاني أن يزيح الأول عن السلطة، أيضا من خلال تبني شعاراته ونجح.

مشكلة الثورة المصرية الثانية، الآن، هي مشاركة تلك المؤسسات، على عكس الثورة الأولى التي عزفت عن المشاركة فيها. فظهور صور الفريق أول عبد الفتاح السيسي في لباس مدني أثار هاجس عودة العسكر مجددا إلى المشهد، والانتقال من مرحلة سيطرتهم على مؤسسات الدولة في الخفاء، إلى مرحلة سيطرتهم عليها في العلن.

القوى المدنية لا تريد عودة أي من الإخوان أو الجيش إلى الحكم مرة أخرى، والجيش لا يريد عودة الإخوان إلى الحكم كذلك، ولكن ماذا يريد من القوى المدنية؟ الإنصاف يقتضي أن نشير إلى تعهدات الفريق السيسي المستمرة بأنه سوف يسمح بانتخابات حرة ونزيهة، وأن الشعب هو من سيختار حكامه في المرحلة القادمة، ولكن هل سوف يُترجم هذا إلى إجراءات فعلية على الأرض، وهل سيعود الجيش إلى ثكناته مرة أخرى؟

8