صراع الليبرالية والمحافظة بين الفاتيكان وكاثوليك أفريقيا

تعتبر أوروبا، تاريخيا، معقل المسيحية الكاثوليكية والمركز الرئيسي الذي يتواجد به أكبر عدد من الكاثوليك في العالم، لكن اليوم تغيرت المعطيات إذ انتقل الثقل نحو الأميركيتين، فيما تبرز القارة الأفريقية كمنافس قوي، ففي الوقت الذي يتراجع فيه عدد الكاثوليك في أوروبا، فإن أفريقيا على العكس من ذلك يتزايد فيها عددهم بمعدل يعد الأسرع في العالم؛ وبشكل يقلق بابا الفاتيكان، البابا فرانسيس، المحسوب على التيار الليبرالي، حيث يبدو قادة الكنائس الأفريقية أكثر تشددا في القضايا الجدلية وبالأخص في مجالات الزواج والإجهاض وأساليب منع الحمل والمثلية الجنسية.
الأربعاء 2016/12/28
فرانسيسكو المنفتح

كيب تاون – يفضل البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، أن يستخدم لغة ترضي الجميع، وينظر إليه على أنه ليبرالي يفضل عدم إصدار الأحكام على الناس والمواقف. وعلى الرغم من أن البابا يدعم العقيدة الكاثوليكية فإنه في نفس الوقت يشجع النقاش المفتوح.

وحظي أسلوب البابا فرانسيس المنفتح باحترام بالغ من جانب أولئك الذين يشعرون بأن الكنيسة الكاثوليكية أخذت تفقد التواصل مع العالم الحديث، غير أنه أثار أيضا قدرا كبيرا من الانتقادات خاصة داخل القارة الأفريقية التي يسودها التيار المحافظ.

وفي الأوساط الأفريقية المسيحية، يختلف الكثير من قادة الكنائس علنا مع المنهاج الليبرالي للبابا فرانسيس؛ من هؤلاء الأب ماثيو بوندوبو، رئيس أكبر أبرشية كاثوليكية في جمهورية أفريقيا الوسطى، الذي قال إن “الكنيسة ليست نتاجا لصنع رجل واحد”.

وينتمي نحو ثلث سكان جمهورية أفريقيا الوسطى، البالغ عددهم 8ر4 ملايين نسمة إلى المذهب الكاثوليكي. ويجادل الأساقفة الأفارقة بأن موقفهم ليس تقليديا أو محافظا، بل إنهم فقط يتمسكون بقوة بما جاء في الإنجيل. ويؤكد بوندوبو أنه “لا يمكن تغيير العقيدة، ولا حتى البابا فرانسيس يمتلك السلطة لتغييرها، لأنها التعاليم الأصلية للديانة”.

وكانت جمهورية أفريقيا الوسطى، التي يمزقها الصراع، من بين الدول التي زارها البابا فرانسيس في أول جولة أفريقية يقوم بها، والتي شملت أيضا كينيا وأوغندا وذلك في نوفمبر 2015. وزار البابا هذه الدول لتناول قضايا مهمة مثل الفقر والعنف المنزلي والتسامح الديني. غير أنه كان هناك سبب آخر لاختيار أفريقيا كمقصد للجولة التي ستتكرر في عام 2017، وهو أن آراء زعماء الكنائس الأفريقية أصبح لها وزن كبير داخل الكنيسة الكاثوليكية.

بينما عدد الكاثوليك في أوروبا يتناقص باطراد فإن أفريقيا على العكس يتزايد فيها عددهم بمعدل يعد الأسرع في العالم

أفريقيا الكاثوليكية

بينما يتقلص عدد الكاثوليك في أوروبا باطراد، فإن أفريقيا على العكس من ذلك يتزايد فيها عددهم بمعدل يعد الأسرع في العالم. ففي عام 2014 بلغ عدد الكاثوليك في أفريقيا نحو 214 مليونا، وذلك وفقا للنشرة السنوية للفاتيكان، بما يمثل 17 بالمئة من إجمالي عدد الكاثوليك في العالم.

ويتوقع مركز بيو الأميركي للأبحاث أن يرتفع هذا الرقم ليصل إلى أكثر من 350 مليونا بحلول عام 2050، ويرجع السبب في ذلك أساسا إلى التزايد السكاني.

ويبدو أن الفاتيكان قد أدرك هذا الاتجاه وزاد من عدد الكرادلة الأفارقة الممثلين في “مجمع الكرادلة”، وهو هيئة استشارية للبابا، من 11 كاردينالا إلى 14 منذ انتخاب فرانسيس عام 2013. وهذا التغيير محدود في حد ذاته ولكنه يحمل مغزى أكبر، حيث أنه من المرجح أن يزيد من نفوذ الكنائس الأفريقية في الفاتيكان.

معارضة الإجهاض

ثمة مجالات كثيرة تتفق فيها آراء زعماء الكنائس الأفريقية مع البابا فرانسيس، خاصة في ما يتعلق باتجاهاته الإنسانية حيال قضايا مثل العدالة الاجتماعية والتغيير المناخي. غير أن الفجوة في وجهات النظر تظهر عندما يدعو فرانسيس للمزيد من دمج المجموعات المهمشة اجتماعيا مثل المثليين والمطلقات في المجتمع.

وأشار استطلاع للرأي أجرته عام 2014 شركة يونيفجن الإعلامية الأميركية، وشارك فيه أكثر من 12 ألفا من أتباع المذهب الكاثوليكي في 12 دولة، إلى وجود تباين شديد بين وجهات النظر الغربية والأفريقية.

في أوغندا رفض 64 بالمئة من الكاثوليك، المشاركين في الاستطلاع السماح بإجراء عمليات الإجهاض، حتى لو كانت حياة الأم في خطر جراء الحمل. وفي الكونغو قال 56 بالمئة إنهم يعارضون الإجهاض بشدة، بينما رفض الإجهاض في إيطاليا التي ينظر إليها كحصن للكاثوليكية، حيث تحتضن الفاتيكان، 13 بالمئة فقط.

وأوضح جون بابتيست أوداما، كبير أساقفة أوغندا، قائلا “إن الناس يقتلون الأطفال من خلال الإجهاض، فليس في وسع أحد أن يملي مصير هؤلاء الأطفال الرضع؛ إن ذلك عملية قتل”. بينما قال كبير الأساقفة إيجناتيوس كايجاما، رئيس “مؤتمر الأساقفة الكاثوليك لنيجيريا”، التي تعد أكبر الدول الأفريقية كثافة سكانية ويبلغ عدد مواطنيها الكاثوليك نحو 20 مليونا، إن الإجهاض واستخدام وسائل منع الحمل هما من “الخطايا المهلكة” لأنهما يتساويان مع القتل.

ولا يختلف الموقف كثيرا في جنوب أفريقيا، التي تعد أكثر دولة تقدمية في القارة الأفريقية، حيث نجد أن الكاردينال ويلفريد فوكس نابير يستخدم حسابه على تويتر بحماس لشن حملة ضد الإجهاض. وكتب نابير، في تغريدة على تويتر في نوفمبر الماضي، يقول إن “الإجهاض جريمة ضد مستقبل الإنسانية، وهو خطيئة تستوجب العقاب الإلهي”.

وكان البابا فرانسيس منح في 20 نوفمبر 2016 الكهنة الكاثوليك صلاحية “غفران ارتكاب الإجهاض”، وذلك لأول مرة في تاريخ الكنيسة التي تعتبره خطيئة كبرى. وقال البابا فرنسيس في وثيقة نشرتها إذاعة الفاتيكان باسم البابا تحت عنوان “رحمة وبؤس” بمناسبة انتهاء سنة اليوبيل المقدس إنه “لا يوجد أي حكم أو شريعة يمنعان الله من معانقة ابنه العائد إليه مقرًّا بأنه أخطأ لكنه عازم على البدء من جديد. إن التوقف عند الشريعة يعني جعل الإيمان والرحمة الإلهية بلا جدوى”.

من أنا لأحكم؟

في أحد أكثر تصريحاته تسامحا مع المثلية، رفض البابا فرانسيس بابا الفاتيكان تهميش وإدانة المثليين جنسيًا إذ قال “إذا كان الشخص مثليًا لكنه مؤمن بالله وبإرادته، فمن أكون أنا حتى أصدر حكما مسبقا بشأنه”.

في المقابل، أشار استطلاع الرأي الذي أجرته يونيفجن إلى وجود معارضة أشد بين الكاثوليك الأفارقة تجاه زواج المثليين، ففي أوغندا عارض هذا الزواج 99 بالمئة، وبلغت نسبة المعارضين في الكونغو 98 بالمئة، بينما قال ما نسبته 66 في المئة في إيطاليا إنهم ضد هذه النوعية من الزواج.

وتسبب الكاردينال الغيني روبرت ساره في إثارة ضجة أثناء اجتماع المجلس الكنسي عام 2015 عندما قال إن المثلية تتساوى مع الإرهاب. ويعد هذا الكاردينال أحد أكثر زعماء الكنائس الأفريقية تمسكا بالتقاليد الكنسية وجرأة في التعبير عن رأيه. وعينه البابا فرانسيس عام 2014 في منصب بارز داخل “الكوريا الرومانية”، وهي الجهاز الإداري والتنفيذي والاستشاري الذي يساعد البابا على إدارة مهامه المختلفة. ونقلت وكالة الأنباء الكاثوليكية عن روبرت ساره قوله إن المثليين “وحوش جهنمية ذات أصل شيطاني”.

بينما قال أوداما في اتفاق مع رأي روبرت ساره إن السماح بالمثلية يتساوى مع “انتحار البشرية”. ووصف كايجاما في تصريح أدلى به مؤخرا بأن زواج المثليين “يدمر المجتمع ويقوضه”.

قد يكون البابا، الذي قال في أحد تصريحاته، “الجرأة البابوية تجلب الحياة ولا تجعل من حياتنا المسيحية مجرد متحف للذكريات”، بحاجة إلى أن يخفف من نغمة رسائله الليبرالية ليسترضي الكاثوليك الأفارقة، وليتفادى وصفه بأنه “يركز أنظاره على أوروبا”، وهو تعبير استخدمه الأساقفة الأفارقة أثناء انعقاد اجتماع المجلس الكنسي في أكتوبر 2015 لوصف أولويات الفاتيكان. وكان البابا مدركا تماما خلال الجولة الأفريقية التي قام بها العام الماضي للمخاطر التي تواجهه.

والتزم الحبر الأعظم الصمت أثناء زيارته لأوغندا إزاء قضية المثلية، على الرغم من أن المثليين في هذه الدولة الواقعة شرقي أفريقيا والذين يتعرضون لاضطهاد بالغ كانوا يأملون في أن يتحدث البابا ضد قوانين أوغندا الصارمة والمناهضة للمثلية، وهي القوانين التي لقيت إدانة دولية واسعة النطاق.

وبات العدد المتزايد بشكل سريع من الكاثوليك في أفريقيا يتحدث بصوت لا يستطيع فرانسيس أن يتجاهله.

7