صراع المحاور هل ينهي الأزمة في ليبيا أم يعقدها

بعثت خارطة الطريق التي أعلنت عنها الأمم المتحدة الأمل في صفوف فئات واسعة من الليبيين وفتحت الباب أمام العودة إلى طاولة المفاوضات بين مكونات مختلفة أيديولوجيا وسياسيا زادها المبعوث الأممي غسان سلامة تفاؤلا بإعلانه عن اقتراب التوصل إلى حل للأزمة السياسية في أولى مشاوراته. لكن مهما بدا من أمل لدعم روح الاستقرار في ليبيا، فإن صراعا بدا في الأفق تغذيه سياسة المحاور التي تطبع العديد من الفاعلين في الملف الليبي، تبعث على التساؤل عن مستقبل ليبيا ما بعد تعديل اتفاق الصخيرات وخطط الاستفتاء على الدستور وغيرها من النقاط الأساسية لخارطة الطريق.
الاثنين 2017/10/02
حوار جاد

تونس - الملف الليبي بتعقيداته وأطره الضيقة واختلاف القائمين عليه، داخل البلاد وخارجها، يتجه نحو خطوة إيجابية تقف عندها الأمم المتحدة على أرضية للتسوية بعد الإعلان عن خطة مبعوثها الأممي غسان سلامة ومباشرتها في تونس.

لكن الواقف عند التحليلات المنطقية والأخبار المتواترة عمّا يحصل في بعض المناطق في الداخل الليبي، يصطدم بمشهد ثان يتميز بالضبابية وتواصل العنف، في دلالة على صعوبة المهمّات التي سيقف عندها الليبيون لإيجاد أرضية موحدة للتفاهم ربما تجمعهم. ليبيا تتجه إلى حل لأزمتها، خطوة باركها ويباركها الليبيون بجميع أطيافهم وشرائحهم ممن تعرقوا بأرضية هذا البلد الذي دمّرته الصراعات والتجاذبات السياسية والحكومات المتصارعة.

الانطلاق المنطقي نحو بناء أرضية للتسوية في تونس والذي بدأ فعليا بقيادة المبعوث الأممي غسان سلامة يجده بعض المحللين منطقيا لجمع الفرقاء الليبيين ومحاورتهم والبناء على مواقفهم لفهم المشهد العام الذي تسير فيه مختلف هذه المكونات. هذا منطقي! لكن المنطقي أيضا أن يكون جميع الفاعلين الدوليين على نفس النسق والوتيرة من أجل إيجاد مخرج للأزمات الكثيرة في البلد، والبحث في ما إذا كان هناك صراع خفي في كواليس الأمم المتحدة أو لدى بعض القوى الدولية المتصارعة حول ليبيا أو بدرجة أولى من إيطاليا “الوصية على أمن الليبيين”، التي استبقت نتائج الجلسات الأولى للمفاوضات في تونس بعقد لقاءات مع قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر.

مشهد مفتوح

بدا المشهد استنكاريا ضبابيا ومفتوحا على كل سيناريوهات التأويل. أسئلة عديدة تطرح في اتجاه كهذا، وأطروحات تساغ على ضوء التوجه الذي يسير فيه الرجل “القوي” بمنطقة الشرق في ليبيا خليفة حفتر. ولئن بدا بحث حفتر عن تدعيم نفوذه أكثر دوليا بعد بروز أنباء حول نيته تولي الرئاسة في ليبيا، فكيف يمكن فهم الأسباب التي أدت إلى تراجعه عن الاتهامات التي وجهها سابقا لإيطاليا حول دعمها لحكومة الوفاق بقيادة فايز السراج؟

الانطلاق المنطقي لتحليل هذه الرؤية يجد مبررا في فرضية أن حفتر بدأ يدرك جيدا تغير قواعد المعادلة في ليبيا، وأن الوقت لا يسمح بالانتظار أكثر لحين انطلاق الجولة التفاوضية حول الحوار الوطني الشامل بين الليبيين. مسألة ربط المحاور ودعم الأطراف المساندة لمستقبل حفتر كسياسي في ليبيا بدأ العمل لها بالموازاة مع المفاوضات

الجارية في تونس.

ربما لن تسمح جميع المسوغات التي ظهرت بعد لقاء روما بتبديد خوف الليبيين من قرارات غير معلنة قد تصدر عن القائد العام للجيش في وقت لاحق. الحرب على الإرهاب ومحاولة تطويق الهجرة السرية وتتبعها في المحاور التي ينشط فيها الفارون إلى إيطاليا وغيرها من البلدان الأوروبية، كلها عوامل لأرضية تفاهم يفترض أن تكون بين جميع الليبيين وإيطاليا. حفتر ليس ممثلا لكل الليبيين، من هذا المنطلق ربما تبدو المعادلة غير مستساغة لدى الغالبية الواسعة منهم.

عبدالحكيم ارحومة: تخليص ليبيا أمنيا يكون بتوحيد المؤسسة العسكرية وإدماج مكوناتها

حفتر الذي التقى خلال زيارته إلى إيطاليا بقائد أركان الجيش الإيطالي الجنرال كلاوديو غرازيانو ووزير الداخلية ماركو مينيتي، طلب تزويده بمروحيات وطائرات دون طيار لمراقبة حدود ليبيا الجنوبية والتصدي للهجرة غير الشرعية. يقول حفتر “قدمت خطة انطلاقا من مبدأ أن ليبيا ليست نقطة الوصول بل هي معبر للمهاجرين الراغبين في الوصول إلى أوروبا”. هنا يزداد الخوف أكثر لدى بعض المراقبين للملف الليبي من أن يكون حفتر وراء مشروع واسع لبسط نفوذه على محاور أخرى من ليبيا.

لكن مهما بدا من جدل حول مستقبل الرجل عسكريا، فإن التعديل المطروح على اتفاق الصخيرات، خصوصا المادة الثامنة منه، من شأنه أن يبدد الخوف من تزايد نفوذ الرجل عسكريا وربما يسمح بضبط إيقاعه على مسألة الرئاسة أكثر من أي شيء آخر.

وفيما تسير مفاوضات تعديل اتفاق الصخيرات بنسق يصفه مراقبون بالإيجابي في تونس جاءت غالبية وجهات النظر للعديد من الفاعلين السياسيين داعمة لمنطق سير الخارطة، فيما أجمعت الغالبية على ضرورة إنهاء المأساة التي تعيشها ليبيا منذ سنوات، ويأتي على رأسها “تخليصها من مشكلة الإرهاب والوصول إلى مصالحة وطنية حقيقية”.

وذهب رئيس التغيير سابقا جمعة القماطي إلى أن خارطة الطريق هي أهم حدث يحرك الملف الليبي منذ توقيع اتفاق الصخيرات باعتبار أنها تطرح خطوات محددة وجدولا زمنيا لمعالجة الأزمات السياسية. ويقول القماطي “إن خارطة الطريق تعكس رغبة وإرادة دولية جديدة في أن تكون الأمم المتحدة هي الطرف الوحيد الذي يدير الملف بقيادة ليبية، مما يضع حدا لأي مبادرات أخرى جانبية قد تربك المشهد السياسي الليبي”. وبدوره يثني عضو مجلس النواب عزالدين قويرب على خطة المبعوث الأممي سلامة بقوله “إن عملية فتح الاتفاق السياسي متوقعة خاصة بعد استماع سلامة لشرائح مختلفة في المجتمع الليبي تطالب بتعديل هذا الاتفاق”.

ويرى المتحدث أن الاجتماعات الحالية في تونس بقيادة أممية بين مجلس الدولة ومجلس النواب تسير بشكل جيد حتى الآن، متوقعا “تغلب الأطراف السياسية على جميع العراقيل من خلال استمرار النقاش في جولات تعديل الاتفاق”.

فيما ذهب رئيس لجنة تاورغاء مصراتة المشكّلة لعودة النازحين يوسف الزرزاح إلى أن “من”أهم شروط العودة الأمن وشعور النازح بأنه لن يتعرض للثائر وعودة الثقة بين الجار وجاره، ودون مصالحة لن يلتئم جرح الليبيين”، واصفا في الوقت ذاته خطوات المبعوث سلامة بأنها “تسير في الاتجاه الصحيح من أجل ليبيا”.

عمليا، هناك مستوى جاد من المرونة والقبول بالحوار تبديه مجمل هذه المكونات لجهة قبولها بما يسعى سلامة إلى تطبيقه عبر محاور خطته، لكن الرؤية على الأرض والميدان لا تزال تبعث على الخوف في ظل صراع مطبق لبعض الميليشيات الإسلامية على الأرض والسلاح المنتشر في أجزاء واسعة من البلاد، وهو ما يتطلب من المجتمعين في تونس النظر برؤية تكون أكثر واقعية.

مواقف إيجابية

فيما تبدو المواقف متماهية وجد مستبشرة لمنطق سير أعمال خطة الأمم المتحدة بتونس يلوح المشهد ضبابيا على الأرض. فقد حذرت الهيئة العامة للسياحة بحكومة الوفاق الوطني الليبية من أن تطيح المعارك الدائرة بمدينة صبراتة (شمال غرب) بجهود منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) لحماية مواقع التراث العالمي الليبية المهددة بالخطر. وعلى الجانب الآخر أعلنت الشرطة في مدينة بنغازي (شمال شرقي ليبيا) أنها عثرت على مقبرة جماعية تحوي نحو 80 جثة مجهولة الهوية بالمنطقة الأثرية المحيطة بمنارة سيدي خريبيش شمالي المدينة.

والخميس الماضي أعلن ممثل بارز للإدعاء أن متشددي تنظيم داعش كونوا جيشا في الصحراء يتألف من ثلاث كتائب على الأقل بعد أن فقدوا السيطرة على معقلهم في سرت العام الماضي. وفي هذا الإطار يرى المحلل العسكري عبدالحكيم ارحومة أن تخليص ليبيا أمنيا لا يكون إلا بتوحيد المؤسسة العسكرية وإطلاق عملية إدماج أفراد التشكيلات المسلحة الذين تنطبق عليهم شروط الانضمام للمؤسسة العسكرية. ارحومة يقول “إن القضاء على الإرهاب في ليبيا يحتاج إلى مؤسسة عسكرية فاعلة تستطيع مواجهة التنظيمات المتشددة حال وجودها وحماية الأراضي الليبية المترامية الأطراف، مما يتطلب سرعة الإفراج عن توريد الأسلحة إلى ليبيا”.

ثنائية العنف على الأرض والمفاوضات الجارية في البلد الجار تونس تحكم المشهد الليبي، والذي رغم تعقيداته وصيغ الحوار التي فرضت تدخل أكثر من مبعوث أممي هناك، فإن مراقبين يثنون على حنكة غسان سلامة في الخروج بليبيا من أتون العنف وإيجاد أرضية للتفاهم بين جميع المكونات في الداخل والخارج.

7