صراع المناصب يصيب الأحزاب المصرية في مقتل

تشهد الأحزاب الرئيسية في المشهد السياسي المصري، مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات البرلمانية المقبلة التي من المزمع إجراؤها نهاية السنة الجارية، ارتفاعا لمنسوب التوتر داخلها مع تنامي جملة من الصراعات حول المواقع. وتكشف الصراعات القائمة، التي لا تُستثنى منها الأحزاب المرتبطة بالإخوان، عن تداخل في المصالح بين السياسيين وعدد من أصحاب المال النافذين الذين يبحثون عن مواقع برلمانية لهم يضمنون من خلالها مصالحهم في المستقبل، ممّا يوحي بإقبال مصر على صائفة سياسية ساخنة على جميع المستويات.
الثلاثاء 2015/05/05
مشاغل المصريين المتعلقة بالمعيشة بعيدة كل البعد عن الصراعات السياسية الضيقة

تشهد الحياة الحزبية في مصر، ظاهرة تصدع في بنيان عدد من الأحزاب السياسية، التي كانت بعض القوى تراهن على دورها في تحريك المياه الراكدة، ومواجهة فلول الإخوان والحزب الوطني المنحل، في الانتخابات البرلمانية المقبلة.

وفي الوقت الذي تُبذل فيه المساعي للاندماج بين الأحزاب الصغيرة لخلق كيانات حزبية كبيرة، تشهد الساحة تناميا واضحا في مظاهر الصراع داخل البيت الحزبي الواحد، فقد سارع البعض بالاستقالة، وهناك من يصارع خصومه في معركة البقاء.

وعلى الرغم من أن ظاهر الخلافات ومبرراته التي تقدم للرأي العام، تشير إلى أنها ترجع لتباين وجهات النظر في قيادة الأحزاب المتنازع عليها، إلا أن المتابع يكتشف أن خلف كل صراع حربا شرسة يقودها رجال أعمال، درجوا على خلط المال بالسياسة منذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ويسعون للسيطرة على مفاصل النظام السياسي الراهن، تارة عبر امتلاك وسائل إعلام لتوجيه المشهد الجماهيري، وأخرى من خلال الهيمنة على قيادات الأحزاب، تمهيدا للسيطرة على مجلس النواب.

صراع المال والسياسة

يعدّ حزب الوفد الليبرالي، أبرز تلك الأحزاب التي تعيش خلافات وأعرقها، حيث تشهد أروقته منذ أيام معركة محتدمة، بين رئيسه السيد البدوي، السياسي المخضرم ورجل الأعمال، ومناصريه من أعضاء الهيئة العليا من جانب، وتحالف يقوده من خلف الستار رجل الأعمال صلاح دياب، عضو الهيئة العليا السابق بحزب الوفد، وفؤاد بدراوي، المنافس التقليدي على رئاسة الحزب وحلفائهما من ناحية أخرى.

وبلغ الصدام داخل أروقة الحزب قمته، باجتماع معارضي البدوي أخيرا لبدء حملة جمع توقيعات تستهدف إقالته من منصبه، بذريعة الإضرار بمصالح الحزب، والتنقل بين التحالفات الانتخابية، بصورة تُضعف موقفه الحزب في الانتخابات المقبلة، إلى جانب سوء إدارة الودائع المالية والأصول، وهو ما قابله البدوي بالدعوة إلى اجتماع الهيئة العليا للحزب مساء الجمعة الماضية، واتخاذه قرارا بتجميد عضوية 8 من أبرز قيادات الحزب، بينهم عصام شيحه عضو الهيئة العليا للحزب، وبدراوي السكرتير العام السابق، وياسين تاج الدين القيادي بالحزب.

عصام شيحه: رئيس الوفد يضر بمصلحة الحزب والوطن وينفرد بالقرار ونسعى إلى سحب الثقة منه

وأكد مراقبون لـ”العرب” أنّ الصراع الحقيقي يقوده رأس المال من أجل السيطرة على أكبر الأحزاب، رغبة في تشكيل الأغلبية البرلمانية، والحصول على جملة من الحقائب الوزارية، فصلاح دياب رجل الأعمال المعروف، ومالك عدد من وسائل الإعلام الخاصة، سعى من خلال التسخين الجديد داخل جدران حزب الوفد إلى حماية مصالحه، ويقف حاليا خلف دعاوى إقالة البدوي وسحب الثقة منه.

وشدّد بدوي خلال خطابه على أنه الرئيس الوحيد للحزب، الذي ترأس الوفد منتخبا لدورتين متتاليتين (منذ تأسيسه في عهد الزعيم الراحل سعد زغلول)، مؤكدا أن خصومه لا يتجاوز عددهم 20 شخصا، يحشدهم (على حد قوله) خاسرون في الانتخابات السابقة، في إشارة إلى فؤاد بدراوي، ومحمود أباظة رئيس الحزب السابق، مشككا في قدرتهم على سحب الثقة منه لتمتعه بتأييد أغلبية ساحقة.

وقال عصام شيحه، عضو الهيئة العليا لحزب الوفد لـ”العرب”، “إن الصراع داخل الوفد ليس صراعا لحسابات شخصية، لكنه بين وفديّين يتمسكون بتقاليد الحزب ولائحته ويحرصون على مستقبله، وبين رئيس الحزب الذي لا يحسن استغلال سلطاته، ويسيء تفسير اللائحة، فيقوم بفصل الأعضاء تعسفيا، لمجرد الاعتراض على قراراته، ومنذ انتخابه رئيسا للحزب عام 2010، لم يقدم للهيئة العليا أي تقارير مالية بشأن ودائع الحزب، وبذلك يدير الحزب بمنطق أنه أحد فروع شركاته، وهو ما لا نقبله”.

وأضاف شيحه إنّ رئيس الحزب يصدر قرارات عشوائية ويتنقل بين التحالفات والقوائم، فقد شارك في قائمة “في حب مصر”، ثم اتهمها أنها صنيعة الأمن، لافتا إلى أنّ حزب الوفد شأن وطني، وما يحدث يسيء للحزب والتجربة الديمقراطية، مضيفا بالقول “لن نسمح للبدوي باختطاف الحزب، وسنواجه فصله لـ116 عضوا من أعضاء الحزب، بالعمل على سحب الثقة منه، ولن نلجأ للقضاء للشكوى، فالقرار السياسي بالفصل من عضوية الحزب، سنواجهه بإجراء سياسي، وقد بلغ به الأمر حد الاستعانة بشركة أمن خاصة لمنع أعضاء الحزب المعارضين له من دخول المقر”.

وحذّر خبراء سياسيون من أنّ اشتعال الصراع في أكبر الأحزاب الليبرالية في مصر، سوف ينعكس سلبا على حظوظه في الانتخابات التشريعية المقبلة، ويثير مخاوف بلوغ الصراع ذروته باللجوء للعنف، حيث سبق وأن شهدت انتخابات الحزب عام 2006 تبادلا لإطلاق النار، بين أنصار المتنافسين على رئاسته، نعمان جمعة ومحمود أباظة، ما أسفر عن إصابة 23 شخصا من أعضاء الحزب، وعدد من الصحفيين العاملين بالجريدة الناطقة باسمه.

ظاهرة حزبية عامة

لا يعدّ حزب الوفد، الوحيد الذي يشهد خلافات حادة بين قياداته، بل هناك أحزاب أخرى كذلك تعيش حالة من الختوتر مثل المصريين الأحرار والدستور، وهما ينتميان للتيار الليبرالي أيضا، إلى جانب حزب التجمع اليساري، وهي الأحزاب الرئيسية على الساحة السياسية بعد ثورتي 25 يناير و30 يونيو، ولا تخلو الأحزاب ذات المرجعية الدينية كذلك من الخلافات الناجمة عن تباين مواقف قياداتها من جماعة الإخوان.

عاطف مغاوري: الأزمات ناجمة عن النشأة المشوهة لغالبية القوى السياسية

وفي منتصف سبتمبر الماضي، فاجأ أحمد سعيد رئيس حزب المصريين الأحرار الوسط السياسي بإعلان استقالته، من رئاسة الحزب، الذي أسسه ويرعاه ماليا رجل الأعمال نجيب ساويرس، وجاءت استقالة سعيد كاشفة لذروة الصراع داخل الحزب. وعلى عكس الوفد، قالت مصادر مطلعة لـ”العرب” إن استقالة سعيد جاءت اعتراضا على سلبه جزءا كبيرا من صلاحياته.

ولم تنته الخلافات في حزب المصريين الأحرار، باستقالة رئيسه، وتكليف عصام خليل القيادي بالحزب قائما بأعمال الرئيس، بل استمرت بإعلان الحزب الاندماج مع حزب الجبهة الديمقراطية، وتشكيل مجلس أمناء لقيادة الحزب، حيث أقام أعضاء من الحزب دعوى قضائية، تطعن في سلامة إجراءات تعديل اللائحة لتوفيق الاندماج، ومازال السجال القانوني قائما.

وفي حزب الدستور، الذي أسسه محمد البرادعي نائب رئيس الجمهورية السابق، استقالت هالة شكرالله، رئيس الحزب المنتخب مؤخرا، مع أنّها فازت في انتخابات الحزب باكتساح، وأرجعت استقالتها إلى اقتراب نهاية ولايتها، معلنة أنها لن تنافس في الانتخابات المقبلة على رئاسة الحزب، لتقدم نموذجا على تداول القيادة. لكن الحزب كان قد شهد خلافات حادة بين عدد من أعضائه، حول الموقف من بعض القضايا السياسية، والتي غلّبت فيها قيادات الحزب منهج المعارضة لنظام الرئيس عبدالفتاح السيسي.

كما تشهد بعض الأحزاب ذات المرجعية الدينية المؤيدة لجماعة الإخوان، خلافات حادة، بين إصلاحيين يدعون إلى التبرؤ من الإخوان ومن جرائمهم، وقيادات حزبية تصر على مواصلة دعم ما يسمي بـ”تحالف دعم الشرعية”، فقد تشكلت جبهة أطلقت على نفسها اسم “تمرد الجماعة الإسلامية”، لمواجهة القيادات الداعمة للإخوان، والعمل على عقد جمعية عمومية طارئة لحزب البناء والتنمية الممثل للجماعة، لاتخاذ إجراءات تنقذ الحزب من براثن وجيوب الإخوان.

وتشهد أروقة حزب التجمع اليساري، تباينا حادا في وجهات النظر، بشأن تحالفات وقرارات الحزب، والتي أسفرت عن انشقاق عدد من القيادات وتأسيس حزب جديد باسم “التحالف الشعبي الديمقراطي”، بقيادة عبدالغفار شكر.

وقال عاطف مغاوري، نائب رئيس الحزب لـ”العرب”، إنّ التباين في وجهات النظر داخل الحزب، لم يصل إلى حدّ الصراع، والحزب مازال يتخذ قراراته وفق الآليات الديمقراطية”.

وأضاف إن حالة الانشقاق وتأسيس أحزاب جديدة تكررت في معظم الأحزاب، مثل حزب الوفد، والحزب العربي الناصري، الذي انشق عنه حمدين صباحي وعدد من قياداته وقاموا بتأسيس حزب الكرامة، مشيرا إلى أن تعديل قانون الأحزاب بما يسمح بحرية تكوين الأحزاب، ساهم في تخفيف حدة الصراعات داخل الأحزاب وإزالة الاحتقان داخلها.

وأوضح مغاوري أنّ أزمة الأحزاب تعود إلى نشأتها المشوهة والتي شهدت خللا واضحا وواجهت مخاضا عسيرا، كما أنّ رفض بعض قيادات الأحزاب تطبيق الديمقراطية، ساهم في تعميق الأزمة، لذلك فعلى الجميع مراعاة المصلحة العليا للبلاد، وإدراك خطورة اللحظة الراهنة.

6