صراع المناصب يعمق أزمة المسار الانتقالي بالسودان

الحكومة السودانية تجد نفسها في مأزق صعب لعدم قدرتها على اعتماد الولاة المدنيين نتيجة الخلافات التي نشبت بين قوى الحرية والتغيير حول بعض الأسماء التي رشحتها.
الاثنين 2020/07/06
بين مطالب الشارع وأجندات الساسة بون شاسع

المسار الانتقالي في السودان يتعقد أكثر فأكثر في ظل انعدام الثقة، وسعي كل طرف للاستئثار بالحصة الأكبر من السلطة، وسط نظرة يغلب عليها الكثير من التشاؤم حيال مستقبل هذا البلد.

الخرطوم- كلف رئيس الحكومة السودانية عبدالله حمدوك، الولاة العسكريين بالاستمرار في مناصبهم إلى حين الاتفاق على تعيين ولاة مدنيين، ما يبرهن على اشتداد الصراع بين مكونات الثورة على المناصب السياسية والإدارية التي تبدو ظاهرة في عدم توافق قوى الحرية والتغيير على الأسماء المرشحة لشغل المناصب الولائية، إلى جانب تأزم مفاوضات السلام مع الجبهة الثورية.

وعلمت “العرب”، أن الجبهة الثورية علقت اجتماعاتها مع قوى الحرية والتغيير بشأن التوافق حول نسب مشاركتها في المجلس التشريعي، وعُقدت اجتماعات خلال الأيام الماضية مع رئيس الحكومة، ورئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، ورئيس وفد التفاوض الحكومي الفريق محمد حمدان دقلو، وتلقت وعودا بحسم مطالبها، ما يؤدي إلى حلحة الجمود في مفاوضات السلام منذ وصول وفدها إلى الخرطوم.

وعقد حمدوك اجتماعا موسعا، مساء السبت، مع ولاة الولايات (المحافظات) بحضور وزير شؤون مجلس الوزراء، السفير عمر بشير مانيس، تناول الأوضاع في الولايات المختلفة وناقش الاستقالات التي تقدم بها بعض الولاة في ظل وجود أزمات متفاقمة تعاني منها بعض مناطق الهامش جراء عدم حسم الملفات المتعلقة بحل جذور المشكلات التي تواجهها وغياب التوافق حول ملف الترتيبات الأمنية كمقدمة لاستقرار الأوضاع.

وجاء الاجتماع في وقت شهدت فيه مدينة “نيرتتي” بمحلية غرب جبل مرة بولاية وسط دارفور اعتصاما للمواطنين دخل يومه السابع لمطالبة مسؤولي الولاية وتياراتها السياسية بضرورة إيجاد حلول عاجلة جراء عدم الاهتمام بأوضاعهم وتطهير المدينة من فلول نظام عمر البشير، حيث ما زالوا يهيمنون عليها.

وأرسل حمدوك وفدا رسميا، الأحد، ضم مدير المخابرات الفريق ركن جمال عبدالمجيد، وعضو مجلس السيادة محمد التعايشي، وعددا من الوزراء للنظر في مشكلات المعتصمين الذين اشترطوا وصول وفد من المركز للتفاوض حول مطالبهم.

عمر دقير: التمديد للولاة العسكريين مرتبط بمفاوضات السلام
عمر دقير: التمديد للولاة العسكريين مرتبط بمفاوضات السلام

ما يضفي أهمية على التوصل إلى اتفاق بشأن الولاة المدنيين في أقرب فرصة، أن مدينة حلفا بولاية كسلا (شرق السودان) التي تشهد اندلاع اشتباكات بين قبيلتي بني عامر والنوبة، تجددت فيها الاشتباكات بين القبيلتين، السبت، وقتل مواطن وأصيب ثمانية آخرون، وتم حرق منازل عدة قبل أن تحتوي قوات الشرطة الموقف.

يرى مراقبون أن الحكومة تجد نفسها في مأزق صعب، لأنها غير قادرة على اعتماد الولاة المدنيين نتيجة الخلافات التي نشبت بين قوى الحرية والتغيير حول بعض الأسماء التي رشحتها من ضمنها والي ولاية كسلا، إلى جانب أن التحالف الحكومي لم يشرك الجبهة الثورية في اختيار الولاة، حسب اتفاق الطرفين منذ شهرين، ما يؤدي إلى رفض بعض الأسماء من قبل الحركات المسلحة التي لديها نفوذ بمناطق الهامش.

وأكد رئيس حزب المؤتمر السوداني، عمر الدقير، أن تمديد عمل الولاة العسكريين يرتبط بعدم انتهاء مفاوضات السلام التي تشهد حراكا للوصول إلى تفاهمات نهائية، بالتالي فحمدوك لديه تخوفات من حدوث فراغ في بعض الولايات التي تقدم بعض ولاتها باستقالات لم يجر البت فيها حتى الآن.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، أن المفاوضات ما زالت تراوح مكانها بسبب الخلاف على نسب تمثيل الحركات المسلحة في المجلس التشريعي، وجرت نقاشات عديدة أخيرا في محاولة للتوصل إلى حل يرضي الجبهة الثورية وقوى الحرية والتغيير، وقد تكون هناك نتائج إيجابية لتلك المباحثات قريبا.

وقال دقير، وهو أحد القيادات البارزة في قوى الحرية والتغيير، فإن الوصول إلى تفاهمات سياسية مع الجبهة الثورية يقود إلى التوقيع على اتفاق سلام، والاستقرار على تعيين الولاة الجدد، وسيكون ملف الترتيبات الأمنية بحاجة إلى عمل فني ستتولاه لجان من المقرر أن تذهب إلى جوبا، مقر الوساطة، للتباحث بشأنها.

ويرى متابعون أن هناك أزمة ثقة بين قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية ما قد يزيد من صعوبة مهمة اختيار الولاة المدنيين، وأن الحركات المتفاوضة لديها يقين أن الرغبة في الهيمنة حاضرة في القوى السياسية بالمركز، وإصرار قوى الحرية والتغيير على الاستئثار بالنسبة الأكبر من المجلس التشريعي لا يختلف كثيرا عن حزب المؤتمر الوطني المنحل الذي اشترط سابقا الاستحواذ على مؤسسات الدولة السيادية.

الجبهة الثورية علقت اجتماعاتها مع قوى الحرية والتغيير بشأن التوافق حول نسب مشاركتها في المجلس التشريعي، وعُقدت اجتماعات خلال الأيام الماضية مع رئيس الحكومة

وأوضح المتحدث باسم الجبهة الثورية، أسامة سعيد، أن الجبهة ذهبت إلى الخرطوم بصحبة وفد التفاوض وفي جعبتها ست قضايا محورية تسعى لإنجازها وتعتبر أن التوافق حولها هو الحل الوحيد للوصول إلى السلام، على رأسها نسب تمثيل الحركات في المجلس التشريعي، ووجدت الجبهة تجاوبا من قبل الحكومة ومجلس السيادة حول مقترحاتها، غير أنها اصطدمت باعتراضات قوى الحرية والتغيير.

وأشار في تصريح لـ”العرب”، إلى أن الجبهة الثورية واجهت مواقف متشددة على مطالبها من قبل الحزب الشيوعي، وأخرى مرنة من غالبية أعضاء اللجنة المركزية للتحالف، ما دفع الوفد إلى تعليق المفاوضات مع التحالف، والعودة مرة أخرى إلى الحكومة باعتبارها الممثل الرئيس الذي تتفاوض معه الحركات بنص اتفاق جوبا.

ولفت إلى أن وصول وفد الجبهة الثورية إلى تفاهمات بشأن القضايا المحورية التي ذهب بها إلى الخرطوم يدفع بشكل مباشر إلى التوقيع على اتفاق سلام في أقرب فرصة، والفشل يعني انهيار عملية السلام برمتها، متوقعا أن تتلقى الجبهة الثورية ردا على مطالبها التي تقدمت بها إلى السلطة الانتقالية الاثنين أو الثلاثاء.

تبرهن الخلافات على أن الفترة المقبلة قد تشهد صراعا من نوع آخر بين مكونات الثورة السودانية على المناصب السياسية، وأن حكومة حمدوك التي وعدت بإنجاز مطالب القوى السياسية خلال 15 يوما من تاريخ مظاهرات 30 يونيو ستجد نفسها في موقف حرج لأنها لن تستطيع الوفاء بتعهداتها، ما يدفع الشارع إلى التحرك.

اقرأ أيضا:

الإثنيات في دارفور.. من صراع البقاء إلى التطلع للسلطة

2