صراع المناصب يفقد الأحزاب المغربية بوصلتها

جل الأحزاب المغربية فشلت في استقطاب انتباه الرأي العام وخصوصا الشباب، بسبب تعاطيها السلبي وغير العملي مع قضايا المواطن الحقيقية سواء التشغيل أو الصحة والتعليم والسكن.
الثلاثاء 2019/05/21
توترات وأزمات عمّقت الهوة بين الأحزاب وبين المواطنين

يصف المراقبون الوضع الحزبي في المغرب بالمترهل والفاقد للبوصلة السياسية، حيث تتصارع الأحزاب في ما بينها، كما تشهد انقسامات داخلية أثّرت على مستوى تواصلها مع المواطن، خصوصا تلك المصطفة في موقع المعارضة.

الرباط- تعيش الساحة الحزبية في المغرب على وقع توترات وأزمات تؤثر على عمل الأحزاب، وعمّقت الهوة بينها وبين المواطنين. ويصعد على سطح هذا المشهد ما يحدث في حزب الأصالة والمعاصرة الذي فشل رئيسه حكيم بنشماس في ضبط اجتماع لانتخاب رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر الرابع للحزب، بعدما انتفض عليه معارضوه.

وجاء في بلاغ للأمانة العامة أنه بالنظر إلى الصعوبات والعقبات التي اصطدمت بها جهود ومساعي بلورة صيغة توافقية لهيكلة اللجنة التحضيرية، وبينما شرع الأمين العام في مباشرة مسطرة فتح باب الترشيحات بشأن رئاسة اللجنة، عمد البعض إلى خلق بلبلة أفضت إلى إعدام كل الشروط الموضوعية والسليمة لمواصلة أشغال الاجتماع، بما في ذلك التطاول على اختصاصات الأمانة العامة للحزب.

لكن اللجنة التحضيرية للمؤتمر الرابع لحزب الأصالة والمعاصرة، كان لها رأي آخر عندما قالت في بلاغها، إن بنشماس انسحب من اجتماعها، بعد فشل مبادرته لاختيار رئيس بالتوافق. وأضافت أنه عاد بعد فشل التوافق إلى اقتراح انتخاب رئيس للجنة التحضيرية لمؤتمر حزبه. ودعت إلى الانصياع للنتائج بعدما تقدم سمير كودار، القيادي في الحزب من مدينة آسفي، والذي نال تصويت الأغلبية الساحقة من أعضاء اللجنة.

يعلّق على هذا الجدل أمحمد مالكي، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري، مشيرا إلى أنه جلّ الأحزاب تستنكف عن تطبيق قانون الأحزاب (الصادر في 2006) والالتزام به في سياستها الداخلية، وفي علاقتها بغيرها من الفاعلين. قليل منها يحترم شرعية مواثيقه وتشريعاته التأسيسية والداخلية، وكثير منها يفسرها حسب الحاجة والضرورة، والنادر منها يحتكم إلى هيئات حزبية للتحكيم نزيهة وشفافة حين يقع الاختلاف، ويشتد عوده، ويفتح الباب على الفتنة والانشقاق.

أصواتهم لا تصل آذان الأحزاب
أصواتهم لا تصل آذان الأحزاب

أمام هذه المعيقات القانونية والسياسية والتنظيمية التي يمر منها ثاني أكبر حزب بالمغرب توقع متابعون عزل الأمين العام للحزب حكيم بنشماس والمزيد من التشرذم بين قيادات الحزب ما سيؤدي لا محالة إلى انفجاره من الداخل، مؤكدين أنه إذا لم تكن هناك تنازلات قوية من جميع الأطراف فلن يمر المؤتمر الرابع في ظروف جيدة وربما يتم تعطيل هياكله إلى أجل غير محدد بعدما تم تحديد وقت انعقاده نهاية السنة الحالية.

ولا يقتصر الأمر على حزب الأصالة والمعاصرة بل ينتقل إلى أحزاب أخرى، يقول المحلل السياسي محمد اشتاتو، إنها خسرت مصداقيتها بعد أن أصبحت تتطلع فقط إلى تموقع جيد في الانتخابات.

ويؤكد عزيز أخنوش، رئيس التجمع الوطني للأحرار المشارك في الحكومة، أن حزبه سيكون له السبق في هذا الاستحقاق بل ذهب إلى حد تأكيده أن رئاسة الحكومة ستكون من نصيبه. في المقابل ردّ الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة سعدالدين العثماني، بالقول إن “حزبه لا يفكر في الانتخابات التشريعية القادمة المزمع تنظيمها عام 2021، بالقدر الذي يفكر في خدمة البلد”.

وأضاف العثماني، خلال كلمة له افتتحت اجتماع اللجنة الوطنية لحزب العدالة والتنمية بمقره المركزي بالرباط، أنه “في الوقت الذي يفكر فيه البعض بانتخابات 2021، نحن نفكر في كيفية خدمة بلدنا، وكيف سنواجه الإشكالات التي تواجه المواطنين والمواطنات، أكثر مما نفكر في انتخابات مقبلة”.

وبشهادة جميع المتتبعين فشلت جل الأحزاب المغربية في السنوات الأخيرة في استقطاب انتباه الرأي العام وخصوصا الشباب، بسبب تعاطيها السلبي وغير العملي مع قضايا المواطن الحقيقية سواء التشغيل أو الصحة والتعليم والسكن.

ويحمّل مراقبون مسؤولية ما يعتمل داخل قطاع العقار من فساد إلى حزب التقدم والاشتراكية الذي كان وصيّا عليه من داخل الحكومة في ولايتين متتابعتين، رغم الميزانيات المرصودة لتطوير القطاع والقضاء بشكل نهائي على دور الصفيح.

وطالب عزيز الدروش، القيادي بحزب التقدم الاشتراكية المنظمات والجمعيات الحقوقية والمهتمة بحماية المال العام، الوقوف إلى جانبه من أجل الضغط على رئاسة النيابة العامة لإجراء تحقيق مع كل من المعفيين رئيس الحكومة السابق عبدالإله بن كيران ونبيل بن عبدالله الوزير السابق لإعداد التراب الوطني والإسكان والتعمير وسياسة المدينة حول تبديد 45 مليار درهم كانت قد خصصتها الحكومة لمحاربة دور الصفيح والقضاء عليها.

وحتى يُخرِج حزبه من دائرة التنظيمات الفاشلة، ويجمل دوره داخل البلد ذهب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية إلى التأكيد بالقول “إننا نرى واقع بعض الدول التي لم تعد هيئات الوساطة تقوم فيها بدورها، نتيجة انهيارها، مما أدى إلى الفوضى والتسيب، ولم تعد هناك إمكانية الحوار الجدي، ونحن لا نريد لبلدنا أن تصل إلى هذه المرحلة”.

لكن هناك من يقول إن حزب العدالة والتنمية مستفيد من ترهل أحزاب المعارضة وعدم وصول خطابها إلى كتلة انتخابية واسعة، ما يسهل عمليا تواجد هذا الحزب ذي التوجهات الإسلاموية داخل المشهد. وأكد مراقبون أن خطاب العدالة والتنمية يتراوح بين المظلومية والتقية ما يجعل قواعده متشبثة به ووفية له في الاستحقاقات الانتخابية، رغم السياسات المجحفة في حق المواطن المغربي والتي مررها الحزب في ولايتين حكوميتين، وعدم وقوفه أمام تغوّل بعض اللوبيات في قطاعات عديدة مؤثرة على حياة الناس كالمحروقات.

على مستوى التحالفات هدد حزب التقدم والاشتراكية بالخروج من الحكومة ما اعتبره متابعون انقلابا في خط تعاطي الحزب الشيوعي سابقا مع حليفه سعدالدين العثماني الذي كان سريعا في الرد عندما قال مؤخرا إن “من يريد الانسحاب من الحكومة فليذهب”، ليتراجع الحزب عن تهديدات أمينه العام مؤكدا أنه ملتزم ببرنامج الحكومة وبميثاق أغلبيتها التي هو جزء منها، مشددا على ضرورة مواصلةِ حرصه المسؤول والجدي على الإسهام في الدفع بعجلة الإصلاح والإنجاز نحو أقصى الدرجات الممكنة.

مراقبون يحملون مسؤولية ما يعتمل داخل قطاع العقار من فساد إلى حزب التقدم والاشتراكية الذي كان وصيّا عليه من داخل الحكومة في ولايتين متتابعتين، رغم الميزانيات المرصودة لتطوير القطاع والقضاء

وكونه يصطف مع المعارضة، دخل حزب الاستقلال على خط أزمة الأساتذة المتعاقدين كوسيط لنزع فتيل التوتر بين الحكومة وهذه الفئة. لكن يرى مراقبون أن هذه الخطوة جاءت لتجميل وجه الحزب الذي يعيش بدوره تحولات قاسية على مستوى قيادته، مستدلين بما قاله عبدالسلام اللبار، رئيس فريق الاستقلال بمجلس المستشارين، بأن حزبه لا يثق بنوايا وزارة التربية الوطنية والحكومة بخصوص مبادرة حزب الاستقلال لاحتواء أزمة الأساتذة الذين فرض عليه التعاقد.

ونظرا إلى ما تمر به الحياة الحزبية بالمغرب وتجدد الدعوات إلى اعتمال مبادئ الديمقراطية والتداول الحر على مناصب المسؤولية، كان لحزب جبهة القوى الديمقراطية، رأي في الموضوع عندما دعت أمانته العامة كافة الفرقاء السياسيين والقوى الحية إلى تنفيذ رزمة من الإصلاحات السياسية، وفي مقدمتها إصلاح المنظومتين الانتخابية والحزبية، قصد تأهيل المؤسسات السياسية الوطنية لتضطلع بمهامها الدستورية كاملة.

وفي ظل هذه الوضعية الداخلية يرى امحمد مالكي، أن الديمقراطية كانت الفريضة الغائبة في الحياة الحزبية المغربية اليوم بعد كانت ظلت السمة المشتركة بين كل ألوان الطيف السياسي الحزبي.

6