صراع النفوذ في بحر الصين الجنوبي يشعل حرب تصريحات

الثلاثاء 2015/11/10
التحذير من اندلاع نزاع في بحر الصين الجنوبي

كوالالمبور - أسباب الخلاف بين الولايات المتحدة الأميركية والصين عديدة، وجلها أسباب غير مباشرة تعنى بالتجارة والسيطرة على الأسواق المهمة والانتشار العسكري في العالم. لكن أزمة الجزر الصينية في بحر الصين أدت أخيرا إلى مواجهة بين الصين والولايات المتحدة تصدرها كل من وزير الدفاع الأميركي والرئيس الصيني، اللذين استغلا فرص تحركاتهما الميدانية لإطلاق التصريحات.

إشكال بحر الصين يتلخص في أن الجزر الاصطناعية التي تقوم الصين بإنشائها في البحر تقول عنها الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول المطلة على بحر الصين بأنها “أخذت مساحة كبيرة على حساب المجال البحري لتلك الدول” وهي ماليزيا وإندونيسيا وفيتنام وبروناي. وتعتبر جزر سبراتلي وسكاربره وباراسيل من أهم المجمعات البحرية التي أنشأتها الصين في مساحات موغلة في البحر، وقالت الصين عنها إنها “جزر سيادية ولا تشكل عائقا أمام الملاحة الدولية وقد جعلت أيضا لتسهيل تلك الملاحة وإرشاد السفن”.

هذه الجزر فتحت أبواب صراع بارد بين أميركا والصين دفعت بمسؤولي الدولتين إلى القيام بجولات دبلوماسية في المنطقة لضمان حلفاء، وقد استتبعت هذه الجولات بالكثير من التصريحات، قال فيها وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر "إن ما تفعله الصين هو خطأ وسوء تقدير قد يؤديان إلى صراع في المنطقة"، وقد رد رئيس الصين شي جين بينغ مؤكدا أن "الجزر الصينية وجدت لأغراض مدنية ولن تترك الصين مجالا لأي صراع".

الجزر الصينية ستؤدي إلى صراع

قال أشتون كارتر وزير الدفاع الأميركي في كلمة صحفية له “إن الولايات المتحدة ستباشر عمليات حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي من جديد”، لكنه لم يعط جدولا زمنيا لأي من مثل هذه التحركات.

أشتون كارتر: ولد سنة 1954 وقد شغل منصب وكيل وزارة الدفاع الأميركية من أكتوبر 2011 إلى ديسمبر 2013، والآن يتولى منصب وزير الدفاع في إدارة الرئيس باراك أوباما.

وجاءت التصريحات التي أدلى بها كارتر خلال منتدى دفــاعـي فـي مكتبـة رونـالد ريغان الرئــاسية في كاليفورنيا في ختام جولة بآسيا حيث طاف في حاملة طائرات أميركية تعمل في بحر الصين الجنوبي وأنحى باللوم في زيادة التوترات في المنطقة على العمليات التي تقوم بها بكين لبناء جزر اصطناعية في البحر.

وفي أكتوبر تحدت مدمرة أميركية مزودة بصواريخ موجهة للحدود الإقليمية جزيرة صناعية صينية في أرخبيل سبراتلي بما يسمى دورية لضمان حرية الملاحة. وقال كارتر في إشارة لهذه العملية “فعلنا ذلك من قبل في كل أنحاء العالم وسنفعلها من جديد”.

وتطالب الصين بالسيادة على معظم بحر الصين الجنوبي الذي تمر عبره تجارة عالمية تزيد قيمتها عن خمسة تريليونات دولار سنويا. ولفيتنام وماليزيا وبروناي والفلبين وتايوان مطالب متعارضة أيضا. وقال كارتر إن “الصين استصلحت مساحات من الأرض أكبر من أي دولة أخرى في تاريخ المنطقة كلها”.

وأضاف أن الولايات المتحدة “تشعر بقلق عميق” من حجم استصلاح الأراضي واحتمال إضفاء الطابع العسكري هناك بشكل أكبر مما قد يؤدي إلى زيادة “خطر حدوث سوء تقدير أو صراع”. وقال إن الولايات المتحدة ترد على تحركات الصين بوضع “أفضل وأحدث عتادها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ وتستثمر في مجالات الفضاء والدفاع الصاروخي والحرب الإلكترونية”.

وانتقد كارتر روسيا لتطويلها أمد الحرب الأهلية السورية على الرغم من قوله إن من الممكن أن تلعب روسيا دورا بناء في إنهاء هذه الحرب. وقال كارتر إن من بين التحديات الأخرى التي تواجه الولايات المتحدة “استفزازات” روسيا بما في ذلك في أوروبا والشرق الأوسط وقال إنها خرقت سيادة أوكرانيا وتحاول ترهيب دول البلطيق.

ويجمع منتدى ريغن حول قضايا الدفاع الوطني سنويا عشرات الشخصيات من مجال الدفاع في الولايات المتحدة بمن فيهم مسؤولون سياسيون من المعسكرين الجمهوري والديمقراطي لمناقشة السياسة الأميركية في هذا المجال. واستغل كارتر هذا المنتدى لمهاجمة تحركات روسيا العسكرية الأخيرة.

وقال “في البحر والجو والفضاء وفي الفضاء الافتراضي، انخرط الروس في أنشطة مستفزة” مضيفا “أن الأكثر إثارة للقلق تهديد موسكو بحرب نووية، ما يثير التساؤل حول التزام القادة الروس بالاستقــرار الاستـراتيجي واحتـرامـهم للمعايير المناهضة لاستخدام الأسلحة النووية، وهل كانوا يحترمون الحذر العميق الذي أبداه قادة العصر النووي إزاء إشهار الأسلحة النووية؟”.

أشتـون كـارتـر: أميركـا تشعر بقلق عميق من نشاط الصين التوسعي في بحر الصين وهذا تصعيد ينبئ بصراع إقليمي مسلح

وأوضح الوزير الذي كان يتحدث إثر جولة استمرت ثمانية أيام التقى خلالها العديد من نظرائه في دول منطقة آسيا والمحيط الهادئ “إن الولايات المتحدة تشاطر القلق الكبير الذي يشعر به الجميع تقريبا في المنطقة إزاء وتيرة وحجم أنشطة ردم البحر في بحر الصين الجنوبي”.

وأضاف أنه قلق إزاء “آفاق العسكرة المتزايدة وإزاء ما تنطوي عليه هذه الأنشطة من مضاعفة خطر الحسابات الخاطئة أو النزاع بين الدول التي لديها مطالب في هذه المنطقة”.

وأكد وزير الدفاع الأميركي أن “السلوك الذي تسلكه الصين إزاء المساحات التي استحوذت عليها في بحر الصين لا يمكن بأي حال من الأحوال قراءته بشكل إيجابي أو إيجاد منافذ لتفهم ما يحدث، الأمر وببساطة هو غزو لمساحات ليس من حق الصين الاستحواذ عليها”.

بكين متمسكة بالحلول السلمية ولا مجال للحرب

قال الرئيس الصيني شي جين بينغ “إن الصين تصر دائما على ضرورة حل النزاع في بحر الصين الجنوبي سلميا من خلال المفاوضات”. وصرح شي قائلا “تحتاج الصين أكثر من أي دولة أخرى إلى أن تكون حركة الملاحة في بحر الصين الجنوبي حرة وسلسة، وعلى الرغم من أن بعض الجزر الصغيرة التي للصين سيادة عليها يحتلها آخرون فإنها ملتزمة دائما بحل المشكلة من خلال المفاوضات السلمية”.

شي جين بينغ: ولد سنة 1953 وانضم إلى الحزب الشيوعي الصيني سنة 1974 وهو الرئيس السابع لجمهورية الصين الشعبية ويرأس اللجنة العسكرية للحزب.

وفيما يبدو أنه تصريح موجه للولايات المتحدة، أضاف أن الصين ترحب بأن يكون “لدول من خارج المنطقة” “تأثير إيجابي” على السلام والتنمية في آسيا.

وأضاف “نرحب بمشاركة دول من خارج المنطقة في إقرار السلام والتنمية في آسيا وأن تضطلع بدور فعال. وفي الوقت الحالي القضية الأكثر إلحاحا التي تواجه الحكومات المختلفة للدول الآسيوية هي ضمان تحقيق نمو مستدام وسريع، إذ يتطلب ذلك بيئة سلمية ومستقرة، وهذا هو العامل المشترك الأكبر بين دول المنطقة”. وأضاف الرئيس الصيني قائلا “يجب أن تدرك الدول من خارج المنطقة هذا الأمر وتحترمه وتقوم بدور بناء في هذا الاتجاه”.

وللصين مطالب متداخلة مع فيتنام والفلبين وماليزيا وتايوان وبروناي في بحر الصين الجنوبي الذي تمر عبره تجارة بحرية يبلغ حجمها خمسة تريليونات دولار سنويا. وأثارت عمليات استصلاح الأراضي التي تقوم بها الصين قلقا في المنطقة بشأن نواياها.

وفي الأسبوع الماضي أبحرت سفينة حربية أميركية على بعد 12 ميلا بحريا من جزيرة صناعية صينية في أرخبيل سبراتلي المتنازع عليه. وقال الرئيس الصيني جين بينغ إن الصين لن تلجأ “على نحو متهور إلى استخدام القوة في بحر الصين الجنوبي وذلك وسط اضطرابات بشأن بناء بكين لجزر في تلك المياه المتنازع عليها”.

وتوترت علاقات الصين مع عدة دول في جنوب شرق آسيا ولا سيما الفلبين وفيتنام باعتبار أن لهما مطالب أيضا بالسيادة في بحر الصين الجنوبي بسبب لهجة بكين الحازمة على نحو متزايد بشأن المطالب الإقليمية في المنطقة.

وأثارت خطوة الصين في العام الماضي لتعزيز إنشاء جزر صناعية تقول إن معظمها لأغراض مدنية انتقادات قوية من جانب واشنطن.

وقال شي جين بينغ في ندوة أمنية رفيعة المستوى بأن الصين سعت لتفادي وقوع صراع حقيقي بينها وبين الدول التي تعلن علاقتها بمصالح في بحر الصين، وأكد جين بينغ “أن تلك الدول لم تتحرك الآن من تلقاء نفسها بل إن الأمر نسق في دوائر خارج المنطقة بأسرها” وأشار مراقبون إلى أن الرئيس الصيني هنا يقصد الولايات المتحدة الأميركية.

وقال جين بينغ “لن نلجأ مطلقا على نحو متهور لاستخدام القوة حتى في قضايا السيادة ونبذل قصارى جهدنا لتفادي وقوع صراعات غير متوقعة”.

وأكد جين بينغ أن الجزر الصينية “لن تؤثر على حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي” وقال “إن الفنارات التي استكملت حديثا في أرخبيل سبراتلي بدأت بالفعل في تقديم خدمات ملاحية لكل الدول”.

شي جين بينغ: لن تلجأ الصين على نحو متهور إلى استخدام القوة في بحر الصين ونحن متشبثون بالحلول السلمية والحوار

وأضاف “سنواصل حل النزاعات والخلافات مع الأطراف المعنية بشكل مباشر من خلال التشاور الودي ونحن ملتزمون بالعمل مع الأطراف المعنية للحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليميين”.

وتقول الولايات المتحدة إن القانون الدولي يحظر المطالب الإقليمية حول الجزر الصناعية التي شُيدت على جزر مرجانية غارقة وإن القوات الأميركية ستبحر أو تطير أينما يسمح القانون الدولي بذلك.

ولكن بكين تنفي إضفاءها الطابع العسكري على بحر الصين الجنوبي وحذرت من أنها لن تتغاضى عن انتهاك مياهها الإقليمية باسم حرية الملاحة.

عجز القوى الإقليمية عن التوافق يفشل تسويات أزمة بحر الصين

أعلن وزير الدفاع الماليزي هشام الدين حسين أن رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) لن تصدر إعلانا مشتركا في ختام منتدى إقليمي لوزراء الدفاع لعدم توصلهم إلى توافق في الآراء بخصوص التوسع الصيني في بحر الصين والذي قامت فيه القوات الصينية ببناء عدد من الجزر وسط البحر وقرب المياه الإقليمية لبعض الدول.

وقال هشام الدين حسين في مؤتمر صحفي “اتخذت رابطة دول جنوب شرق آسيا القرار لأنه لم يتحقق توافق في الآراء ولذلك لم يوقع إعلان مشترك”.

وألغي البيان المشترك في المنتدى الذي تستضيفه ماليزيا بسبب خلافات بين الصين والولايات المتحدة حول الإشارة إلى الخلاف على السيادة في بحر الصين الجنوبي في الوثيقة.

البيان المشترك في منتدى ماليزيا حول بحر الصين تم إلغاؤه بسبب خلافات بين الصين وأميركا

وتحضر الولايات المتحدة الاجتماع أيضا وتريد أن يشمل البيان إشارة إلى بحر الصين الجنوبي لكن مسؤولا أميركيا كبيرا قال إنه علم بعدم صدور بيان في نهاية الاجتماع.

وقال مسؤولون إن الولايات المتحدة واليابان تضغطان من أجل الإشارة إلى المخاوف المتعلقة ببحر الصين الجنوبي في بيان سيصدر عن وزراء دفاع دول آسيا والمحيط الهادي في ماليزيا رغم معارضة الصين لأي ذكر للمياه المتنازع عليها.

وشارك في اجتماع الأسبوع الماضي وزراء دفاع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) العشر بالإضافة إلى وزراء من دول مثل الولايات المتحدة واليابان والصين والهند وأستراليا. وعقد الاجتماع لأول مرة عام 2006 وهو منتدى لتعزيز السلام والاستقرار الإقليميين.

وقد أعرب رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي عـن اعتـزامه إثـارة القضايـا المتعلقـة ببحر الصـين الجنـوبي في اجتمـاعـات دوليـة في الأسـابيـع المقبـلة بمـا في ذلك اجتمـاع الـدول الأعضاء في مجموعـة العشريـن واجـتمـاع رابطـة دول جنـوب شرق آسيـا (آسيان).

وقال آبي في خطاب له في طوكيو “سيادة القانون يجب تطبيقها لجعل البحر مفتوحا وحرا وسلميا” مؤكدا على أهمية التعاون الدولي لضمان تطبيق سيادة القانون في الشؤون البحرية، بحسب وكالة كيودو اليابانية.

وتأتي تصريحات آبي وسط تصاعد التوتر في بحر الصين الجنوبي بعدما مرت في أواخر الشهر الماضي مدمرة أميركية تحمل صواريخَ موجهة على بعد 12 ميلا بحريا من جزيرة صناعية أقامتها الصين في جزر سبراتلي المتنازع عليها. وأثار مرور المدمرة غضب بكين، التي أعربت عن معارضة شديدة “للتحركات التي تهدد السيادة الصينية”.

كما دعت بدورها مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيدريكا موغيريني الصين ودول جنوب شرق آسيا إلى تسوية مطالبها بالسيادة في بحر الصين الجنوبي واحترام القانون الدولي. وقالت في مؤتمر صحفي عقب اجتماع لوزراء خارجية دول أوروبية وآسيوية “نعارض أي محاولة لتأكيد مطالب السيادة باستخدام الترويع أو القسر أو القوة أو أي تصرفات أحادية الجانب من شأنها أن تزيد الخلاف”.

12