صراع الهيمنة الأميركي الروسي يدخل مرحلة الحوار المباشر

لم ينشغل الروس بالأزمة الأوكرانية ليقلصوا من اهتمامهم بالأزمة السورية. ولم تدفع الأزمتين الروس والأميركيين للجلوس إلى طاولة المفاوضات من قبل، سعيا إلى اتفاق على تقاسم النفوذ في المنطقتين. ولذلك وعلى عكس التحليلات الرائجة، فإن الرئيس بوتين يبدو أنه يحقق انتصارا في كل من أوكرانيا وسوريا، حيث هزم الأميركيين رغم المضايقات الاقتصادية الغربية على بلاده.
السبت 2015/09/26
هل يترك أوباما الساحة لبوتين

نيويورك - بلغ التقاطع الروسي الأميركي درجته القصوى التي تجعل فيما يبدو من الصعب الرجوع إلى الطريقة “السلمية” السابقة، وبالأخص بعد بروز ووضوح أطر السياسة الإستراتيجية الأميركية لتطويق روسيا بمنظومة صواريخ متطورة إلى جانب إضعافها اقتصاديا عبر حظر خانق بتعلة تدخلها في أوكرانيا.

وفي محاولة لتهدئة التوتر بين المعسكرين، يعقد الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، اجتماعا نادرا وجها لوجه الاثنين القادم على هامش الدورة السبعين للجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك.

ويستعد الجانبان لذلك اللقاء في وقت تشهد فيه واشنطن زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ الحليف الاستراتيجي لبوتين، وسط توتر أيضا بين الطرفين.

وبعد تردد، وافق البيت الأبيض بشأن لقاء الأضداد هذا، كما وصفه البعض، الذي يأتي وسط توتر غير مسبوق بين البلدين على خلفية عدة اضطرابات بدءا بالأزمة الأوكرانية وانتهاء بصراع خفي بين المعسكرين وسط الأزمة السورية.

وهذا اللقاء سيكون الاجتماع الرسمي الأول بين الرجلين منذ يونيو 2013 على هامش قمة مجموعة الثماني في أيرلندا الشمالية. فمنذ ذلك الحين، منعت تسريبات الموظف السابق لوكالة الأمن القومي الأميركي المقيم في موسكو حاليا إدوارد سنودن عقد أي قمة بينهما.

ورافقت الإعلان سلسلة من الانتقادات من جانب البيت الأبيض للرئيس الروسي، حيث سلطت الضوء على انعدام الثقة بين البلدين.

ديمتري بيسكوف: اللقاء سيركز على الأزمة في سوريا وكيفية محاربة الإرهاب

ويتناقض القرار بعقد اللقاء مع سياسة أميركية تقوم حتى الآن على معاقبة بوتين على دوره في النزاع بأوكرانيا وأدت إلى فرض عقوبات دولية خانقة على بلاده.

ما يحصل في أوكرانيا سيطغي على المحادثات مع ارتفاق منسوب التحرشات العسكرية بين موسكو والناتو في شرق أوروبا، فقد شدد جون إيرنست المتحدث باسم البيت الأبيض على أن “الموضوع الرئيسي على أجندة الاجتماع ينبغي أن يكون أوكرانيا”.

ومع أن أوباما لن يبدي “عداء ظاهرا” خلال اللقاء نظرا لطبيعة البروتوكول في مثل هكذا ظروف، إلا أن إيرنست مضى يصف روسيا بأنها قوة إقليمية ذات اقتصاد أصغر بقليل من اقتصاد أسبانيا وهي تعليقات من شأنها أن تثير غضب بوتين والكرملين.

ويرى متابعون أن اللقاء فرصة لبحث متابعة تنفيذ بنود اتفاق مينسك الموقع في فبراير الماضي ومدى التزام موسكو بالوفاء بالتزاماتها خصوصا فيما يتعلق بدعم الانتخابات المحلية في أوكرانيا الشهر المقبل وصولا إلى السحب الكامل للقوات العسكرية الروسية إلى حدودها بحلول نهاية العام الحالي.

الروس في دبلوماسيتهم لن يتأثروا بتصريحات الأميركيين، بحسب المراقبين، فالتباعد بين مواقف البلدين هو سيد الموقف ويظهر ذلك عندما يؤكد الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن اللقاء المرتقب سيركز على الأزمة في سوريا وكيفية محاربة الإرهاب هناك ولاسيما تنظيم داعش.

واعتبر مسؤول أميركي رفيع، لم يكشف عن هويته، في تصريحات لـ“بي بي سي” أن ما يحصل الآن خطوة جيدة نحو تأسيس تقارب بين البلدين في ظل الأوضاع الراهنة في أوكرانيا وسوريا.

ويقول المسؤول إنه بالرغم من “خلافاتنا العميقة مع موسكو، يرى الرئيس أن من عدم المسؤولية ألا نبحث ما إذا كان بوسعنا تحقيق تقدم من خلال الانخراط مع الروس على مستوى رفيع”.

وفي كل الأحوال، بات مستقبل الأزمة السورية مرتبطا بصفقة روسية أميركية، وفق المحللين، فمستقبل الشرق الأوسط برمته بات رهنا لمثل هذه الصفقة الكبرى والشاملة التي تزداد إلحاحا بفعل التطورات الأخيرة في العراق المتمثلة بالتمدد الداعشي الذي وصل إلى حدود روسيا.

محللون: مستقبل الأزمتين الأوكرانية والسورية بات مرتبطا بصفقة روسية أميركية عاجلا أم آجلا

ورغم أن الاستراتيجية العسكرية الأميركية تعترف بجهود موسكو في مكافحة الإرهاب، إلا أنها تؤكد في الوقت ذاته بأن روسيا لا تحترم سيادة جيرانها (أوكرانيا) وهي مستعدة لاستخدام القوة لتحقيق أهدافها.

ومع إعلان موسكو عن إجراء مناورات عسكرية بحرية في شرق المتوسط في وقت لاحق من هذا الشهر، يعتقد الأمين العام لحلف الشمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ أنه من الضروري أن تكون الخطوة الأولى لروسيا الآن هي الجلوس مع الولايات المتحدة وكذلك توضيح نواياها في الحرب الدائرة بسوريا.

ويتوقع البعض أن تشهد العلاقة بين البلدين حالة من التوتر الإضافي بعد لقاء بوتين وأوباما على عكس ما يتوقع الدبلوماسيون من أن هناك انفراجة في الأفق وعودة الهدوء في التعاطي مع الأزمات الدولية التي باتت تدار تحت غطاء الحرب الباردة.

ولعل المواقف التي ترى فيها واشنطن وموسكو إمكانية لتزايد الصراع بينهما الذي يعتبرانه حتى الآن مستبعدا قد تكون أخطر مما يعتقد كثيرون. فهي تشجع على التنافس المتزايد لتحقيق التوازن الأمثل للقوى قبل أي مواجهة محتملة مع التشبث بفكرة أن صراعا فعليا مستبعد جدا، وبالتالي تقليل حوافز ضبط النفس لتجنب المخاطر.

وتدهورت العلاقات بين الطرفين بشدة بعد ضم موسكو شبه جزيرة القرم في مارس العام الماضي. فقد أدى هذا التحرك إلى فرض الولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى عقوبات على موسكو وسط اتهامات بأنها تلهب المشاعر الانفصالية في شرق أوكرانيا من خلال إرسال قوات وأسلحة إلى المنطقة.

5