صراع بين الدولة المدنية والدولة الدينية في تونس

الجمعة 2014/02/14
الحكومة الإسلامية المستقيلة تركت وضعا ملغما لحكومة الكفاءات

تونس - تقود أجهزة ومؤسسات الدولة المدنية التونسية “معركة شرسة” ضد ما بات يعرف في تونس بـ”الدولة الدينية” ممثلة في الجماعات الإرهابية والخلايا النائمة لتنظيم القاعدة وكذلك أئمة المساجد الذين يعارضون الدستور الجديد ويطالبون بتطبيق الشريعة وإقامة دولة الخلافة.

خلال الفترة الأخيرة كثفت الأجهزة الأمنية ووحدات الجيش من عمليتها “النوعية” في ملاحقة الجماعات الإسلامية المتشددة وفي التصدي إلى الإرهاب ونجحت في إقناع التونسيين أنها قادرة على خوض معركة من أجل أمنهم.

وكان من نتائج تلك العمليات القضاء على عدد من الإرهابيين الخطيرين وفي مقدمتهم العناصر التي تقف وراء اغتيال المناضل اليساري شكري بلعيد وذبح عدد من الجنود في جبل الشعانبي وهي أحداث هزت المجتمع التونسي من الأعماق باعتبار أنها تمثل أخطر الأعمال الإرهابية التي شهدها المجتمع التونسي في تاريخه الحديث.

وتقول الأجهزة الأمنية أن هناك غياب إرادة سياسية واضحة لمكافحة الإرهاب في إطار خطة مدروسة ما جعلها “تواجه مصيرها” مع الإرهابيين لوحدها حتى أن العديد من الأمنيين نظموا وقفات احتجاجية مطالبين بتوفير التجهيزات اللازمة للتصدي لمقاتلي التنظيمات المتشددة والمسلحة المدربين على “فنون” قتال عالية إضافة إلى أن أغلبهم “انتحاريون” مستعدون لتفجير أنفسهم في أية لحظة.


مواجهة دينية – مدنية


لكن الأخطر من غياب الإرادة السياسية في مرحلة انتقالية تبدو هشة ومضطربة هو أن الدولة المدنية وجدت نفسها في مواجهة “دولة دينية” يمثلها أئمة المساجد وعدد من الأحزاب السياسية وعشرات الجمعيات السلفية التي تنشط تحت غطاء “الجمعيات الخيرية”.

وفي الوقت الذي تسعى فيه المؤسسات والأجهزة إلى “ترسيخ طابعها المدني” مسنودة بتاريخ عريق يعود إلى منتصف القرن التاسع عشر وبدعم من القوى الوطنية والديمقراطية تعمل الدولة الدينية على “تلميع″ صورة الإرهابيين لدى الرأي العام من خلال استغلال الأئمة لمنابر المساجد وعدد من وسائل الإعلام وكذلك من خلال استغلال الجمعيات السلفية لنشاطها في الأحياء الشعبية وفي الجهات المحرومة حيث تروج إلى أن “دولة الطاغوت تشن حربا على المؤمنين” مشددة على أن من قتل منهم هم “شهداء”.

ولم يتردد عدد من أئمة المساجد في وصف العناصر الإرهابية التي قتلتهم الأجهزة الأمنية خلال الأيام القليلة الماضية بـ”الشهداء” ما أثار استياء التونسيين الذين باتوا يتوجسون من سطوة أئمة المساجد على المشهد العام بالبلاد.

فقد اعتبر خميس الماجري، وهو واحد من شيوخ السلفيين المتشددين أن كمال القضقاضي الذي لقي حتفه على أيدي قوات الأمن والمتهم باغتيال المناضل اليساري شكري بلعيد “شهيد”.

وتعكس “فتوى” الماجري في الواقع موقفا عاما يتبناه السلفيون بصفة خاصة وغالبية أئمة المساجد بصفة عامة حيث “تضج” المساجد بخطاب ديني يحرض على العنف والكراهية ولا يتردد في وصف رجال الأمن والسياسيين والمفكرين بـ”الطواغيت”.

إزاء الخطر الذي بات يهدد مدنية الدولة أطلقت القوى الوطنية والديمقراطية صيحة فزع تحذر من أن “مدنية الدولة” في خطر بعد أن تحول “الخطاب الديني إلى خطاب إرهابي” لا يستنكف من “الدفاع عن الإرهابيين وتكفير كل من يدعو إلى التصدي إليهم أو محاربتهم”.

وتقول تقارير إن “التكفيريين” الذين باتوا يمثلون دولة داخل الدولة تقف وراءهم قوى سياسية وجمعيات تتوفر على إمكانيات مالية هامة إضافة إلى قدرات تنظيمية ولوجستية ما جعلهم يشكلون قوة ذات سطوة تتحرك بحرية حتى أنها باتت تهدد قيم مجتمع متسامح يرفض العنف بجميع أشكاله.

ويرى المتابعون للشأن التونسي أن حكومة حركة النهضة الإسلامية المستقيلة “تركت وضعا ملغما” لحكومة الكفاءات التي يرأسها مهدي جمعة بعد أن زرعت الآلاف من كوادرها في مؤسسات الدولة والمجتمع.

ويضيف المتابعون أن “سياسة التلغيم” تمثل اليوم عائقا حقيقيا أمام الحكومة الجديدة في فرض هيبة الدولة المدنية التي تجد صعوبات حقيقة في إدارة الشأن العام وتسيير دواليب الدولة وفق “منطق الدولة” في ظل هيمنة واسعة للجماعات الإسلامية على مفاصل المجتمع وخاصة على منابر المساجد.

فقد أظهرت بيانات إحصائية أن أغلب مساجد تونس هي خارج سيطرة الدولة وأن الخطاب الديني التحريضي والتكفيري “يتناقض تماما” مع الخطاب السياسي الذي يدعو إلى نبذ العنف والتعايش.

وتؤكد البيانات أن حوالي 500 مسجد توجد اليوم خارج سيطرة وزارة الشؤون الدينية، وأن حوالي 1000 مسجد تحت وصاية حزب النهضة و50 مسجدا تابعا لحزب التحرير السلفي الذي يرى أن الحكم المناسب لتونس هو إقامة دولة الخلافة. ووجدت دعوات التكفير والتحريض على العنف في ظاهرة انتشار الصحف والمواقع الإلكترونية والبرامج التلفزيونية والإذاعية إضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي رافدا أساسيا للترويج وتلميع صورة الإرهابيين يضاف إلى منابر المساجد.

لكن الأخطر من ذلك هو أن “الدولة الدينية” التي يقودها أئمة المساجد والجماعات المتشددة ترفض الدستور الجديد وتعتبره “دستورا علمانيا يتناقض مع الشريعة الإسلامية”.


نظام الخلافة


ويطالب المتشددون بالتخلي عن النظام الجمهوري وبإقامة “نظام الخلافة” بل يطالبون أيضا برفض “الانتخاب” كآلية من آليات الديمقراطية وبتغيير النشيد الوطني وعلم البلاد وتعويضه براية سوداء.

وفي مواجهة “خطر الدولة الدينية” تحرك خلال الفترة الأخيرة الفاعلون السياسيون والاجتماعيون والمدنيون من أجل “إنقاذ الدولة المدنية” مشددين بالخصوص على تطبيق الفصل السادس من الدستور، الذي ينص على أن “الدولة راعية للدين كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي. تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدسات ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وبالتصدي لها”. ويقول مراقبون إن “المعركة” بين الدولة المدنية والدولة الدينية في تونس هي “معركة طويلة” ولن تقدر حكومة مهدي جمعة على وضع حد لها خاصة بعد أن تغلغلت الجماعات الإسلامية المتشددة في المجتمع ووجدت في منابر المساجد ما يساعدها على “التبشير” بأفكارها ودعواتها.

غير أن المراقبين يلاحظون طبيعة مدنية الدولة التونسية من جهة وخصوصية المجتمع التونسي المنفتح على الحداثة من جهة أخرى هي عوامل تقف حجر عثرة أمام نزعة المتشددين في إقامة دولة دينية.

7