صراع جيو-استراتيجي.. سوريا آخر مركز للتأثير الروسي في الشرق الأوسط

الجمعة 2013/12/06
روسيا تخشى عودة المجاهدين من سوريا إلى داغستان وشمال القوقاز من أجل إقامة دولة إسلامية

الباحث السوري- الروسي محمود حمزة، سلّط خلال محاضرة، ألقيت في معهد موسكو للعلاقات الدولية، الضوء على السياسة الخارجية لروسيا والصراع الدولي الجيو-استراتيجي على الأرض السورية التي تعدّ آخر مركز واضح للتأثير الروسي في الشرق الأوسط.

شهدت العلاقات الروسية السورية مرحلة ركود في فترة التسعينات واستمرت كذلك حتى 2005، عندما شطبت 80 بالمئة من الديون البالغة عشرة مليارات ونصف مليار يورو. وتشكّل الآن التبادلات التجارية بين سوريا وروسيا 3 بالمئة من التجارة الخارجية السورية وبلغ حجم التبادل التجاري قبل الثورة أقل من مليار دولار. وتؤكد هذه الحقائق أن التعاون الروسي السوري كان ضعيفا ومحدودا قبل الثورة ويثبت ذلك أيضا قلة زيارات كبار المسؤولين من البلدين.

وقد أعرب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في بداية الثورة في مصر عن أن روسيا لا ترحّب بهذه الأحداث ويقصد الثورات العربية. ولكن لماذا حدث تحول جذري في الموقف الروسي حيال الوضع في سوريا؟

تفسير ذلك أن التدخل المباشر الأميركي الغربي في عدة دول ضرب المصالح الروسية من ذلك تقسيم يوغوسلافيا وكذلك دخول أفغانستان وظهور حركة طالبان السنية المتشددة وقبلها تأسيس منظمة القاعدة الإرهابية واحتلال العراق وإخراج الشركات الروسية منه وأخيرا استخدام الغرب لقرار مجلس الأمن حول ليبيا، الذي امتنعت روسيا عن التصويت عليه، في إسقاط نظام القذافي خسارة روسيا لمليارات الدولارات نتيجة فقدان الشركات الروسية لعقود اقتصادية مهمة.

بعد تلك المحطات المؤلمة في سياسة روسيا الخارجية بدأت الانتفاضة الشعبية في سوريا في مارس- آذار 2011 فقررت روسيا بشكل قطعي الدفاع عن نظام الأسد لأن حساباتها الجيو– إستراتيجية، تقول إن إسقاط نظام الأسد يعتبر مقدّمة لإسقاط النظام الإيراني ويشكّل ذلك خسارة إستراتيجية كبرى لروسيا.

ووفقا لرأي الرئيس بوتين سوريا هي المعركة الأخيرة في صراع عالمي وممتد لعدة عقود بين الدول العلمانية والإسلامية السنية بدأت أولا في أفغانستان مع طالبان ثم انتقلت إلى الشيشان ومزقت عددا من الدول العربية.

وقد اتخذت روسيا قرارها الإستراتيجي بالدفاع عن النظام السوري معتبرة إياه حلقة مهمة في حلفها مع الهلال الشيعي الذي يضم إيران ونظام الأسد وحزب الله وحكومة المالكي. واعتبر الروس أن معركة دمشق هي معركة موسكو لأن انتصار الثورة في سوريا يعني برأيهم وصول الإسلاميين المتشددين إلى السلطة وستكون لذلك انعكاسات إقليمية ودولية خطيرة. فمن جهة سيأتي دور النظام الشمولي الأوتوقراطي في إيران، واحتمال انهيار حكم الشيعة في العراق.

وسيتبع ذلك انتقال المد الإسلامي إلى دول آسيا الوسطى والقوقاز التي تعتبر قنبلة موقوتة. ومن يتابع الأحداث اليومية في روسيا يرى أن المتشددين الإسلاميين من "حزب التحرير الإسلامي" وغيره مستمرون في صراعهم اليومي مع السلطات في جمهورية داغستان ومناطق إسلامية أخرى في روسيا وحتى في موسكو أحيانا.

عشرات المليارات من أموال عائلة الأسد والحاشية المحيطة به نقلت إلى روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا وتأسست شركات عديدة في تلك الدول تقوم باستثمار تلك الأموال

ويتساءل بعض المراقبين لماذا يستمر الروس في دعم الأسد؟ والجواب برأيهم هو: إن الروس شديدو الاهتمام ببقاء الأسد، ليس حبا لشخصه أو لعائلته وإنما لكونه – حسب الرؤية الروسية- آخر حاكم علماني في العالم العربي لا يعتبر حليفا للإدارة الأميركية، أو مؤيدا للحركات الإسلامية المتطرفة التي تهدد السيطرة الروسية على مناطقها الشرقية. والأسد هو آخر مركز واضح للتأثير الروسي في الشرق الأوسط، ورغم أنه انخرط في المحور الإيراني الشيعي في العقد الأخير، جعلته الحرب الدائرة أكثر خضوعا لرحمة موسكو. إن الأسطول الروسي يستعمل ميناء طرطوس السوري باتفاق إيجار بعيد الأمد وهو اليوم موطئ القدم العسكري لروسيا في البحر المتوسط. إن لروسيا والأسد مصلحة مشتركة في حماية الشريط الساحلي، كما يشهد على ذلك الإمداد بصواريخ "ياخونت" المضادة للسفن.

ولا يخفى على أحد الدعم الكبير الذي قدمته روسيا للنظام السوري سياسيا (في جميع النشاطات مع دول العالم) ودبلوماسيا في المحافل الدولية (3 مرات استخدمت الفيتو) وإعلاميا (كرست وسائل الإعلام الروسية الناطقة بالروسية والعربية لخدمة النظام السوري وتشويه صورة المعارضة السورية وتصوير الأحداث على أنها صراع بين نظام علماني شرعي وبين جماعات إسلامية إرهابية) وعسكريا (زيادة الصادرات العسكرية من الأسلحة المتطورة ومن الذخيرة والمعدات العسكرية) واقتصاديا (شراء النفط).

وقد وصلتنا تسريبات عن نقل عشرات المليارات من أموال عائلة الأسد والحاشية المحيطة به إلى روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا وتأسست شركات عديدة في تلك الدول تقوم باستثمار تلك الأموال (أقام محمد مخلوف خال بشار الأسد عدة أشهر في فندق بموسكو وأشرف على هذه العمليات المالية بنفسه وكذلك قام بعقد صفقات عسكرية واقتصادية).


روسيا والمعارضة السورية


كانت الأجواء مناسبة جدا لتعاون فعال بين المعارضة وروسيا في بداية الاحتجاجات. وعندما جاءت وفود المعارضة السورية في السنة الأولى إلى موسكو أكدت جميعها على احترامها لمصالح روسيا وبأنها – أي المعارضة- راغبة في استمرار علاقات الصداقة بين شعبي البلدين. ودعت القيادة الروسية إلى دعم مطالب الشعب السوري المشروعة في الحرية والديمقراطية والعدالة. ونعرف جميعا كيف كانت المعارضة السورية محرومة من حرية العمل السياسي على مدى خمسة عقود ونعرف أيضا كيف تعامل الأسد الابن مع قياديي إعلان دمشق الوطنيين الديمقراطيين. وبعد بدء الثورة شهدت الساحة السياسية السورية في الداخل والخارج حركة نشيطة وبدأت تتبلور تيارات وتجمعات معارضة وثورية. ولكن المعارضة اصطدمت بعقبات موضوعية وذاتية أضرت كثيرا بمستقبل نشاطها.


عن مؤتمر جنيف 2


لطالما دعت المعارضة السورية قبل الثورة إلى الإصلاحات السلمية والتدريجية ولم تفكر يوما في استخدام السلاح لولا وحشية النظام وفرضه على الثوار حمل السلاح دفاعا عن النفس أولا وتطور إلى هدف إسقاط النظام ثانيا.

ولا يرفض عاقل في سوريا الحل السياسي والسلمي لوقف إراقة الدماء، بشرط أن يكون حلا عادلا يلبي تطلعات الشعب السوري. ولكن الذي نراه هو عدم جدية النظام في الذهاب إلى الحل السياسي، ويتضح ذلك من خلال عدم اعتراف النظام حتى اليوم بالمعارضة وبالتالي فعن أي حل سياسي يجري الحديث ومع من سيتم الحوار؟

بعد أن نجحت أميركا وروسيا في فرض اتفاقية نزع السلاح الكيميائي السوري اعتبرت القوى الدولية أن مهمتها الرئيسية انتهت تقريبا لأنها حققت الأمن للدول الجوار وخاصة إسرائيل، علما أن الشعب السوري انتفض ليس من أجل اتلاف السلاح الكيمائي وإنما من أجل الحرية والكرامة.

ويبدو أن العالم غير مهتم لمآسي الشعب السوري وطموحاته المشروعة. تعتقد المعارضة الوطنية الديمقراطية بأن جنيف1 لم يتحقق منه شيء ولم يعترف النظام به رسميا ولا إيران أيضا، فماذا سينتج عن جنيف2، اللهم إلا إذا اتفقت الدول العظمى على إزاحة بشار الأسد وإجراء تغيير شكلي في النظام يحفظ مصالح روسيا وإيران والدول الأخرى مثل إسرائيل. خاصة وأن أميركا وإيران وجدا لغة مشتركة وبدأ على ما يبدو عهد جديد في توزيع المهمات وتقاسم النفوذ في منطقة الشرق الأوسط بقيادة إيران ومجموعة 1+5.


روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي تبحث عن دور غائب

7