صراع سياسي في العراق ملامحه الفوضى

وصل الأمر بالمتظاهرين حول المنطقة إلى تحدي الأجهزة الأمنية والدخول إلى المنطقة شديدة التحصين واقتحام مبنى البرلمان العراقي. إذ يعتبر هذا الحدث أهم الرسائل التي يمكن أن يبعث بها زعيم التيار الصدري الشيعي مقتدى الصدر إلى الحكومة وإلى العالم، مفادها أنه الرجل القادر على التحكم في نبض الشارع واستعماله كورقة للضغط لإجبار العبادي على المضي قدما في تغيير حكومته وسياستها تجاه العديد من القضايا.
الاثنين 2016/05/02
النواب الجدد

بغداد- اقتحام مبنى البرلمان العراقي المحصن داخل المنطقة الخضراء كان بمثابة الرسالة القوية التي بعث بها الزعيم الشيعي مقتدى الصدر للحكومة والنواب العراقيين بعد أن فشل البرلمان في التصويت على التعديل الوزاري الذي طالب به المعتصمون التابعين للتيار الصدري منذ أسابيع.

وقد رفع المحتجون شعارات قوية في وجه الحكومة والعملية السياسية وإيران التي تتدخل في الشؤون السياسية العراقية عبر بوابة الهيمنة الطائفية. وتعد الشعارات الموجهة ضد إيران أمرا استثنائيا، والاستثناء هنا ليس متعلقا بطائفة المتظاهرين في حد ذاتها، بل في السياق الذي تأتي فيه تلك الشعارات من أتباع رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، وهو سياق عراقي عام يتسم بالطائفية الشديدة والمتوترة منذ الاحتلال الأميركي للعراق سنة 2003.

ويطرح مقتدى الصدر الذي يحظى بشعبية واسعة لدى فقراء الشيعة نفسه بديلا للإصلاح في العراق الغارق في أعمال العنف والفوضى وخاصة الفساد، الذي تشير الأرقام إلى تفشيه بشكل مكثف داخل الدواوين والإدارات العراقية.

ويؤكد أحمد علي، الباحث في معهد الدراسات الإقليمية والدولية في الجامعة الأميركية في العراق، أن “الصدر يحظى بشعبية واسعة لدى الطبقات الشيعية الشعبية ويستخدم هذه الميزة لترسيخ نجاح حركته”.

السياسيون العراقيون يعيشون رفاهية فيما تعاني الغالبية العظمى من العراقيين فقرا وبطالة

تفشي الفساد

وتؤكد تقارير وكالة الشفافية الدولية أن العراق لا يزال إلى الآن، ومنذ 13 سنة في مقدمة الدول الأكثر فسادا في العالم، حيث كشف تقرير أخير للوكالة أن 29 بالمئة من العراقيين اعترفوا في استطلاع للرأي بأنهم قدموا رشاوى لمسؤولين أمنيين وقضاة وإداريين كبار، كما تتفشى هذه الظاهرة في دوائر تسجيل العقارات والصحة والضرائب والخدمات كالماء والكهرباء وغيرها.

وأكد عدد من الخبراء أن ضعف الدولة وأجهزتها وعدم تمكنها من القيام بدورها في تقديم الخدمات العمومية للمواطنين، يعد من الأسباب الرئيسية وراء انتشار ظواهر الفساد الملتصقة عضويا بالمسؤولين السياسيين الكبار في الدولة، خاصة في ظل حديث تقارير صحافية وتسريبات عن أموال طائلة اكتسبها نوري المالكي وبعض وزرائه في فترة حكمهم للعراق التي اتسمت بالعنف والسياسة الطائفية المتشددة.

وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي هلال الطعان، إن من بين أسباب تفشي الرشوة في دوائر الدولة في العراق، الفوارق الكبيرة في سلم الرواتب والامتيازات.

ويعتبر الصدر زعيم إحدى الحركات الشيعية الأكثر أهمية في العراق، الرجل الأكثر وضوحا في ما يخص الموقف من الاحتلال الأميركي، رغم ما يعاب عليه أحيانا بخصوص مراوحة موقفه من التدخل الإيراني بحسب مناوراته السياسية مع باقي الفرقاء، فقد سبق أن انتقد الصدر بشدة مؤسسات الحكم التي يشارك فيها بعدد هام من النــواب، لكنه موجود فيها بالرغم من ذلك.

ومن المعروف عن مقتدى الصدر أنه زعيم لميليشيا مسلحة تابعة له تسمى “جيش المهدي”، وسرعان ما خاضت هذه الميليشيا معارك ضد القوات الأميركية في النجف في أغسطس 2004 أدت إلى مقتل ما لا يقل عن ألف من أنصار الصدر، الذي اعتبرته وزارة الدفاع الأميركية في العام 2006 من أكبر التهديدات التي تعيق استقرار العراق.

الميليشيات الشيعية تحيط بالأزمة لحلها طائفيا

وتوارى الصدر عن الأنظار في أواخر العام 2006 ولم يعرف مكان إقامته حتى عودته إلى حي الحنانة في النجف، حيث مقر إقامته في بداية العام 2011، ليتبين لاحقا أنه أمضى أكثر من أربعة أعوام في مدينة قم الإيرانية لمتابعة دروس في الحوزة الدينية. لكن جيش المهدي الجناح العسكري للتيار الصدري، خاض معارك قاسية مع القوات الأميركية والحكومية العراقية ربيع العام 2008 في البصرة ومدينة الصدر، قبل أن يأمر مقتدى الصدر في أغسطس 2008 بحل هذه الميليشيا من دون أن يتخلى عن تأكيد معاداته “للاحتلال الأميركي”.

ويتمتع الصدر بشعبية واسعة في أوساط فقراء الشيعة وخصوصا في مدينة الصدر ذات الكثافة السكانية العالية في بغداد، وخاض اللعبة السياسية في العراق ما بعد الاحتلال من خلال المشاركة في حكومة نوري المالكي قبل اتخاذ قراره باستقالة وزرائه الستة عام 2007. لكن الصدر عاد وانخرط بقوة في السياسة عام 2010، حيث لعب دورا حاسما في الخروج من الأزمة المرتبطة بعدم قدرة الأطراف على تشكيل حكومة ائتلافية في البلاد.

ورغم تناقضه مع سياسة نوري المالكي بسبب الحملة العسكرية عام 2008 ضد جيش المهدي، إلا أنه اختار تقديم الدعم له مانحا إياه ميزة حاسمة على منافسيه (خلال فترة محدودة)، الأمر الذي جعل مراقبين يؤكدون أن الصدر رجل سياسي يتبع مصالحه ولا يتبع طبيعة موقفه الشخصي من أي زعيم آخر، والأمر نفسه ينسحب على موقفه من إيران الذي ظهر مؤخرا بأنه موقف معاد لتدخلها في الشأن العراقي لأن ذلك التدخل يشجع على بقاء الأمور على حالها السيئة. ومع ذلك، فإن الزعيم الشيعي ينتقد بانتظام المالكي متهما إياه بـ”الكذب” والتصرف مثل “دكتاتور”. وفي العام 2012، حاول عبثا سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء مع مسؤولين عراقيين آخرين.

معركة الفساد

تناوب الصدر خلال فترات انسحابه، ظاهريا، بين الحياة العامة وتكريس نفسه لمزيد من الدراسة في حوزة النجف، ودعوة أنصاره علنا إلى الاعتصام خارج المنطقة الخضراء شديدة التحصين في بغداد، حيث كان قد صرح في مارس الماضي في مدينة النجف “لقد حان الوقت بالنسبة إليكم للقضاء على الفساد والمفسدين”.

كيرك سويل: العبادي يبدو غير قادر على إدارة الأزمة فهو ببساطة ضعيف جدا

وبعد هذا التصريح، سارعت الجماعات والشخصيات المقربة منه إلى إعلان تعبئة أنصاره والتوجه إلى أسوار المنطقة الخضراء للتظاهر والضغط على رئيس الوزراء حيدر العبادي لتغيير الحكومة وتشكيل حكومة جديدة من التكنوقراط مهمتها إعادة الخدمات العامة المستعجلة والإعلان عن برنامج لمكافحة الفساد الذي استشرى في البلاد، لكن العبادي فشل في القيام بذلك رغم إعلانه حل الحكومة والبدء في مشاورات تشكيل حكومة جديدة.

وطوال أسبوعين، اعتصم الآلاف من أنصار الصدر في المنطقة الخضراء، حيث تتركز معظم مؤسسات الدولة للمطالبة بحكومة جديدة قادرة على تنفيذ الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي وعد بها حيدر العبادي الذي خلف المالكي في منصب رئيس الوزراء. وقد دخل الصدر شخصيا إلى المنطقة الخضراء في مارس الماضي بهدف مضاعفة الضغوط على البرلمان والحكومة.

وبعد أسبوعين من الاعتصام والتظاهر تمكن أنصاره، السبت الماضي، من اقتحام المنطقة الخضراء المحصّنة أمنيا بشدة والدخول إلى مبنى البرلمان مدججين بالعشرات من المجموعات الغاضبة. ورغم انسحاب المتظاهرين من البرلمان، بقي الآلاف منهم في ساحة الاحتفالات الرسمية وسط المنطقة الخضراء يلتقطون صورا في المكان الذي لم يستطيعوا الوصول إليه قبل ذلك.

وقال أحد المتظاهرين الذي كان يلتقط لنفسه “سيلفي” أمام نصب الجندي المجهول “إنها المرة الأولى التي أصل فيها إلى هنا منذ الدراسة أيام نظام الرئيس الأسبق صدام حسين”. وأضاف “إنها إحدى أجمل مناطق بغداد.. يجب أن تكون للجميع”. وتابع المتظاهر الذي يدعى يوسف الأسدي “كل شيء متوفر هنا، مكيفات الهواء والتيار الكهربائي في كل مكان (..) لكن العامة في العراق تعاني انقطاعا مستمرا للكهرباء”.

وتبيّن تصريحات المعتصمين أن الأمور متدهورة جدا في العراق، حتى أن الأمر يمكن أن يقاس بوجود كهرباء في الدائرة الحكومية بالعاصمة بينما لا توجد هذه الخدمة في مناطق أخرى.

ويشير الحديث عن وجود الخدمات الأساسية في المنطقة الخضراء في حين يفقدها العراقيون إلى أن الواقع الاجتماعي والاقتصادي العراقي أصبح “غير مقبول” بحسب شعارات المتظاهرين، الأمر الذي يفسر الجرأة على اقتحام أكثر الدوائر تحصنا وأمنا في العراق منذ الاحتلال.

وفي سياق الاقتحام، أعلن مكتب رئيس الوزراء عن إصدار أمر، الأحد، بملاحقة الذين خرقوا القانون من المتظاهرين. وأضاف البيان أن “رئيس الوزراء وجه أمرا لوزير الداخلية محمد الغبان بملاحقة العناصر التي اعتدت على القوات الأمنية وأعضاء مجلس النواب وقامت بتخريب الممتلكات العامة وإحالتهم على القضاء لينالوا جزاءهم العادل”. ويعتبر مراقبون أن هذا الإجراء جاء متأخرا بعد أن تمكنت الجماهير الغاضبة من تجاوز الحواجز الأمنية.

تقارير وكالة الشفافية الدولية تؤكد أن العراق لا يزال إلى الآن، ومنذ 13 سنة في مقدمة الدول الأكثر فسادا في العالم

النظام لا يعمل

يرى محللون أن السياسيين العراقيين يعيشون رفاهية فيما تعاني الغالبية العظمى من العراقيين فقرا وبطالة، فضلا عن النقص في الخدمات. ولكن المظاهرات الأخيرة التي يقودها رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر تعد “استفاقة متأخرة” خاصة أن الواقع الصعب الذي يعيشه العراقيون يعود إلى بداية الاحتلال وحتى اليوم، إذ يقول باتريك سكينر، الضابط السابق في سي آي إيه ويعمل حاليا مستشارا لدى مجموعة “صوفان” للتحليل الاستراتيجي، إنه “وفي الوقت الذي يخرج فيه أتباع الصدر بالآلاف إلى بغداد، فإن جلهم ينسى أن الصدر ذاته يعد جزءا من النظام القائم”. ويضيف سكينر “حتى الأكثر طائفية بين العراقيين يدرك الآن فشل القادة ونظامهم السياسي”، وتساءل ضابط الاستخبارات السابق قائلا “المسألة ليست لماذا الآن؟” في إشارة إلى التظاهرات “لكن لماذا تأخرت؟ فالنظام لا يعمل أصلا”.

واستطاع مجلس النواب الثلاثاء الماضي التصويت على مرشحين تكنوقراط قدمهم العبادي خلال جلسة شهدت خلافات حادة ورشق زجاجات مياه باتجاه العبادي. ومن جهته، قال كيرك سويل الذي يصدر نشرة أخبار حول سياسة العراق الداخلية إن “العبادي يبدو غير قادر تدريجيا، فهو ببساطة ضعيف جدا”.

ولم تنحصر تلك الإشكالات في السياق الداخلي العراقي فقط، بل إن عددا من المؤسسات والدول أعربت عن قلقها إزاء التطورات السلبية في العراق، حيث دانت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني اقتحام الآلاف من المتظاهرين البرلمان وقالت في بيان إن “الهجوم على البرلمان والتظاهرات العنيفة في بغداد قد يزيدان من تفاقم الوضع المتوتر أصلا”، معتبرة أن الأمر يتعلق بـ”عرقلة متعمدة للعملية الديمقراطية”، وقد شددت أيضا على الحاجة الملحة إلى “العودة إلى النظام سريعا لما فيه مصلحة الشعب العراقي وكامل المنطقة التي تواجه تهديدات كثيرة”.

المظاهرات الأخيرة التي يقودها الصدر تعد "استفاقة متأخرة"

كما تتابع الولايات المتحدة الأميركية بقلق أوضاع العراق السياسية خشية من تطورات تؤثر على الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية الذي يشكل “التهديد الحقيقي” للعراقيين، وفقا لمسؤول أميركي رفيع المستوى. نظرا للهيمنة الطائفية الشيعية القوية على طبيعة العمل السياسي والحكومي في العراق، فإن اقتحام البرلمان لم يتسبب في نشوب أحداث عنف خلفت وراءها ضحايا، بل إن المتظاهرين اعترفوا بأن التعامل الأمني معهم لم يكن صارما، فيما انتشرت ميليشيات الحشد الشعبي في نقاط حساسة تحيط ببغداد لحماية تلك الاعتصامات من هجمات لداعش، الأمر الذي يكشف أن القوى الطائفية في العراق تريد تسييج المعركة طائفيا وكأنها معارك للشيعة في ما بينهم على كل العراق.

وصرح كريم حسن، أحد المتظاهرين التابعين للتيار الصدري، بأن الآلاف من المعتصمين هتفوا ضد إيران “لأننا نعتقد أن لها اليد الطولى في محاولة الإبقاء على المحاصصة السياسية الطائفية في العراق من خلال دعم السياسيين الفاسدين”. وتابع، “لا أحد يستطيع أن يستخدم القوة لإخراجنا من المنطقة الخضراء.. القوات الأمنية متعاطفة معنا ولم نواجه أي مشاكل معها”.

فيما تواصل فصائل من الحشد الشعبي، وهي قوات شيعية موالية للحكومة، الانتشار في مناطق من جنوب العاصمة بغداد منعا لاستغلال عناصر تنظيم داعش الإرهابي الفوضى داخل المنطقة الخضراء بعد اقتحامها من قبل متظاهرين.

وقال كامل حميد أحد متطوعي الحشد الشعبي “وصلت العديد من فصائل الحشد الشعبي التابعة لسرايا السلام، ومنظمة بدر، وعصائب أهل الحق، إلى مناطق غرب العاصمة بغداد وتحديدا أبوغريب وقرب مطار بغداد الدولي لمنع أي محاولة لعناصر تنظيم داعش من استغلال الأوضاع في المنطقة الخضراء”.

وأضاف حميد، “نعمل على السيطرة على المنطقة المهمّة قرب مطار بغداد الدولي، وصولا إلى قضاء أبوغريب (20 كم غرب بغداد) بالتنسيق مع قوات الجيش العراقي”.

ويبقى الوضع على حاله في ظل تبادل للآراء بين منظمي الاعتصام حول إمكانية مغادرة المنطقة الخضراء ومواصلة الاعتصام خلف أسوار المنطقة. لكن الأكيد حسب مراقبين أن الوضع المتوتر سياسيا واجتماعيا وأمنيا سوف يبقى متواصلا في العراق رغم كل التطورات التي يشهدها الشارع والمشهد السياسي العراقي، الذي يعاني الاضطراب من تشكل النظام السياسي بعد الاحتلال.

7