صراع علماء الاجتماع

الخميس 2017/12/07

تشهد الساحة الفرنسية منذ عدة أشهر حربا بين فريقين مدارها علم الاجتماع: فريق التحليليين الذين يزعمون أنهم يتركون قناعاتهم الأيديولوجية في حجرات الملابس حينما ينكبون على دراسة المجتمع وتحليل تحولاته؛ وفريق الملتزمين أو المنتقدين الذين يرون في المؤسسات آلة لتصنيع أقوياء وضعاف، قامعين ومضطهَدين.

حرب سلاحها كتب ومقالات ومداخلات في وسائل الإعلام، يتهم فيها الفريق الأول خصمه بانحيازه إلى اليسار الراديكالي، فيلقاه الثاني بتهمة الانتماء إلى اليمين بوجهيه المعتدل والمتطرف، دون أن يجنح كلاهما للتحاور حتى لتقريب وجهات النظر.

وقد اندلعت تلك الحرب حينما أدان مانويل فالس، رئيس الحكومة الفرنسية الأسبق، علماء الاجتماع عقب الأعمال الإرهابية التي ضربت باريس بقوله “لا مجال لأي تفسير، لأن التفسير يعني التبرير في وجه من الوجوه”، فكان التقرير الذي رفع إلى وزارة التعليم العالي آنذاك، بطلب منها، ردا غير مباشر على ادعاءاته، إذ جاء فيه أن “دروس العلوم الاجتماعية هي الكيفية المثلى لمكافحة كل أشكال الإرهاب بطريقة فعّالة، والتحاليل والتفاسير التي يقترحها الباحثون الذين يخصصون جهدهم كله في هذا المجال أساسية. لأن معرفة أسباب تهديد ما هي الشرط الأول لاتقائه”.

وكنا نحسب أنها خمدت برحيل الحكومة الاشتراكية، ولكنها كانت كالنار حين تكون خبيئة الحطب، إذ سرعان ما نفخ فيها عالما اجتماع من الفريق الأول هما جيرالد برونر وإتيان جيهان في كتاب بعنوان “الخطر السوسيولوجي”، عبّرا فيه عن قلقهما من تضخم حجم علم الاجتماع الملتزم في رحاب الجامعة، لا سيما في صفوف الشباب، ومن الطريقة التي تدار بها البحوث والتحقيقات، وتفسَّر بها الإحصائيات، ويُتجنب فيها الخوض في المسائل التي تعارض قناعات أنصاره، لا سيما القضايا الساخنة، كالإسلام في فرنسا، والهجرة، والدين، والإرهاب. وفي رأيهما أن تحقيقات الذين يشتغلون على المهاجرين واندماجهم مبنية حول تصويرهم كضحايا، وأن دراساتهم تسهب في ذكر ما يلقاه المهاجرون وأبناؤهم من غبن، ولكنها من النادر أن تتعرض إلى موقفهم من فرنسا ونمط عيشها ووضع المرأة والدين والمثلية، وكأن المهاجرين يشكلون كيانا يخلع عنه الميزُ مسؤوليتَه.

أما الفريق المقابل، فيتهم التحليليين بإنكار الفقر المستفحل في ضواحي المدن الكبرى، حيث العمارات المتداعية للسقوط، والمدارس المهملة، والبطالة، والعمل الخاضع للون البشرة، وكلها عوامل تخلق جيلا معذبا مهمشا، من الضروري أن يجد من يبلغ صوته. والحق أنها معركة قديمة سبق أن دارت رحاها بين بورديو وبودون، وما نشهده الآن ليس إلا حلقة أخرى يغذيها أتباعهما، دون أمل في التوافق.

كاتب تونسي

15