صراع في تونس بين تحصين الثورة وسقوط الفصل 167

الأربعاء 2014/05/07
اسلاميو تونس يدركون أنه لم يعد لهم من حل سوى القبول بإرادة التونسيين

تونس - مع الانهيار الكبير الذي شهدته تيارات الإسلام السياسي، وتحديدا بعد اندلاع ما سمي بثورات الربيع العربي التي حملت الإسلاميين إلى الحكم في مصر و تونس، بدأت حركة النهضة الإسلامية في تونس، في انتهاج سياسة مغايرة لما كانت عليه في السابق مع الأحزاب العلمانية واليسارية، في تحول وصفه مراقبون بأنه يدخل في باب المناورات السياسية المتجددة.

احتدم الجدل السياسي في تونس بعد سقوط الفصل 167 الذي كان يمنع منتسبي نظام الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي من المشاركة في الانتخابات وفي الحياة السياسية، في وقت كانت أكبر كتلة في المجلس التأسيسي، وهي حركة النهضة، تدعو إلى تمريره، ولكن تطورات الأحداث التي مرت بها البلاد والاحتقان الذي حولها إلى ساحة للعنف السياسي، أجبرت إسلاميي تونس على التعاطي مع أحزاب وشخصيات سياسية كانت ترفض الاعتراف بها وتشكك فيها.

هذا التحول جعل الفاعلين السياسيين يتداولون أن حركة النهضة التي كثيرا ما افتخرت بتماسكها التنظيمي تشرف اليوم على حالة من التفكك الداخلي، في ظل انتقادات كبيرة طالت زعيمها راشد الغنوشي.

في عام 2011 ترددت في شوارع تونس آلاف الأصوات التي رددت بصوت واحد “ارحل..ارحل يا تجمع″ هذا الشعار الذي نادى برحيل نظام الرئيس السابق بن علي وجميع أركان حكمه، والذي توج بانهيار النظام ورحيله، ليصدر الرئيس التونسي المؤقت فؤاد المبزع في مايو 2011 المرسوم الرئاسي رقم 35 الذي يمنع كل من تحمّل مسؤولية في حكومات الرئيس السابق زين العابدين بن علي ومن تحمل مسؤولية في حزب التجمع الدستوري الديمقراطي طيلة حكم بن علي من خوض انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التي جرت في أكتوبر 2011.

وبعد انتخابات المجلس التأسيسي في 23 أكتوبر 2011 طرح قانون لتحصين الثورة والذي يستهدف منع رموز الحزب الحاكم في عهد بن علي، والذين ناشدوه للترشح لانتخابات سنة 2014 قبل أن تطيح به الثورة، من المشاركة في الحياة السياسية.

ينص الفصل 167 على أنه لا يمكن أن يترشح لانتخابات مجلس الشعب كل من تحمل مسؤولية في عهد الرئيس بن علي

وكان سيتم تمرير قانون لتحصين الثورة، الذي طرحه حزب المؤتمر من أجل الجمهورية “حزب الرئيس محمد المنصف المرزوقي”، في مناسبتين، لكن الأحداث تطورت في تونس لتمنع طرح القانون للمصادقة عليه في المجلس التأسيسي.

والمرة الأولى التي طرح فيها القانون للمصادقة يوم 6 فبراير 2013 ولكن اغتيال القيادي اليساري شكري بلعيد ساهم في التخلي مؤقتا عن طرح القانون بفعل الأزمة السياسية الحادة التي أعقبت الاغتيال والتي أدت إلى استقالة حكومة حمادي الجبالي.

وباءت محاولة أخرى للمصادقة على قانون تحصين الثورة بالفشل إثر اغتيال النائب القومي محمد البراهمي يوم 25 يوليو 2013 بعد أن كان طرحه ثانية حزب “المؤتمر من أجل الجمهورية” في أبريل 2013 على المجلس الوطني التأسيسي.

وكان طرح القانون يحظى بموافقة حركة النهضة صاحبة الأغلبية في المجلس التأسيسي التونسي وحزب “المؤتمر من أجل الجمهورية”، وحركة وفاء بقيادة النائب عبد الرؤوف العيادي والعديد من النواب المستقلين.

مصير إخوان مصر

في خضم خشية حركة النهضة من مواجهة مصير، يعتبره بعض المراقبين، مشابه للسيناريو المصري بعد إطاحة الجيش بالرئيس السابق محمد مرسي، وذلك خاصة بعد تشكيل جبهة الإنقاذ بين المعارضة اليسارية وحزب “نداء تونس″، وتصاعد الأعمال الإرهابية في جبل الشعانبي وعديد المناطق الأخرى، ومطالبة جبهة الإنقاذ بحل المجلس الوطني التأسيسي واستقالة حكومة رئيس الوزراء السابق علي العريض، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني، غيرت حركة النهضة، صاحبة أكبر كتلة في المجلس التأسيسي، من موقفها المعارض لحزب نداء تونس الذي كانت تعتبره حزب الفلول والمستهدف الأساسي، حسب المراقبين، من قانون تحصين الثورة، وسافر رئيسها راشد الغنوشي إلى باريس يوم 15 أغسطس للقاء الباجي قايد السبسي رئيس حزب “نداء تونس″، فيما اعتبره المراقبون تكتيكا سياسيا من زعيم حركة النهضة لشق صف جبهة الإنقاذ.

وأعلنت حركة النهضة عن تخليها عن قانون تحصين الثورة رغم ما بدا من مساندة غالبية قواعدها للعزل السياسي لرموز المنظومة السابقة خلال أكبر تجمع نظمته الحركة بساحة الحكومة بالقصبة، في تحول مفاجئ لموقفها المتشدد من هذه النقطة.

هذا التحول كان محور دراسة تحليلية من معهد واشنطن بعنوان “التحول الديمقراطي في تونس: من الخلاف إلى التوافق” والتي كشف فيها الباحث حبيب السايح أن “حزب النهضة” عزز من موقفه على الساحة السياسية التونسية بإبداء المرونة المطلوبة خوفا من مصير مشابه لما لقيه إخوان مصر، خاصة بعد تصاعد الضغوط السياسية والشعبية عليهم، وهو ما أدى إلى قبولهم الدخول في حوار وطني مع مختلف الأطياف السياسية في تونس.

الصحبي عتيق: حركة النهضة تقدر الوضع الذي تمر به البلاد ولا تريد أن تعيق الانتخابات

ويقول السايح في دراسته إن نتائج الحوار جاءت ضد مصلحة الإسلاميين إلى حد ما لأن خارطة الطريق تعكس إلى حد كبير مطالب المعارضة العلمانية، فالموافقة على دستور علماني معتدل والتخلي عن السلطة لصالح حكومة تكنوقراط تكون مهمتها الرئيسية عكس تعيينات “حزب النهضة” وسياساته هي أمور لم يتقبلها أنصار القاعدة الشعبية للحزب بصدر رحب، حيث انتقدوا الموقف “المتساهل” لقيادتهم لفترة من الوقت.

بعد انتهاء الحوار، كان يبدو أن حركة النهضة قد فقدت جزءا كبيرا من تماسكها الذي غرسه فيها أحد مؤسسيها راشد الغنوشي. وبالفعل أدت المهمة المتمثلة في تعزيز التوافق والإجماع بين الأعضاء من خلال تقديم تنازلات إلى تسليط الضوء على الانقسامات داخل “حزب النهضة” وحفزت إحداث عدد من الانشقاقات، حسب ما ذهبت إليه الدراسة.

قانون تحصين الثورة


عند نقاش قانون الانتخابات الذي ستنظم وفقه الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة المتوقع إجراؤها قبل نهاية هذا العام، طرح على التصويت الفصل 167 الذي ينصّ على أنه “لا يمكن أن يترشح لانتخابات مجلس الشعب كل من تحمل مسؤولية صلب الحكومة في عهد الرئيس بن علي باستثناء من لم ينتم من أعضائها إلى التجمع الدستوري المنحل.

كما لا يمكن الترشح لكل من تحمل مسؤولية في هياكل التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل وفق مقتضيات الأمر عدد 1089 المؤرخ في 03 أغسطس 2010.

وسقط قانون تحصين الثورة الذي تمّ التخلي عنه من قبل القوة السياسية الأبرز في تونس، “حركة النهضة”، بعد عدم حصوله على الأصوات الكافية، بحيث لم يحصل سوى على 108 أصوات، بينما كان مفترضا أن يحصل على 109 أصوات ليمر، وعارضه 23 نائبا وامتنع عن التصويت 43 نائبا من بين 217 وهو عدد نواب المجلس الوطني التأسيسي الذين لم يحضر منهم يوم التصويت سوى 164 نائبا.

وقد لوحظ أن كتلة حركة النهضة انقسمت خلال التصويت، إذ صوت 5 نواب ضد الفصل و26 امتنعوا عن التصويت، ولم يصوت لصالح الفصل سوى 39 نائبا، وهو ما لم يسمح بتمرير الفصل.

وحسب المراقبين فإن هذا الانقسام في مواقف نواب النهضة يعكس انضباط الرافضين والمحتفظين لتعليمات القيادة و”تعهداتها السياسية”، في حين صوت لفائدة القانون النواب الذين يعتبرون أنفسهم “نواب الشعب الذي نادى برحيل حزب التجمع الديمقراطي الدستوري واستبشر لحله”، في ظل غضب سياسي كبير من شركاء النهضة السابقين في الحكم الذين اعتبروا أن ما وقع كان نتيجة “صفقة” عقدتها حركة النهضة مع حزب "نداء تونس".

في حين رد رئيس كتلة حركة النهضة في المجلس التأسيسي الصحبي عتيق، بأن “عدم تصويت كتلة حركة النهضة بالمجلس التأسيسي لفائدة الفصل 167 المتعلق بالعزل السياسي يأتي في إطار احترامها لتعهداتها خلال الحوار الوطني”.

وقال عتيق إن “موقف حركة النهضة من هذا القانون كان واضحا منذ البداية كما أن حركة النهضة تقدر الوضع الذي تمر به البلاد ولا تريد أن تعيق إجراء انتخابات في موعدها”.

ويرى مراقبون أن حركة النهضة قامت بدراسة سلوك معارضيها في المشهد السياسي التونسي، وخلصت إلى أن الاستمرار منفردة في محاولة عزل المنظومة القديمة سيجعلها تواجه مصيرا صعبا، كالذي سقطت فيه حركة الإخوان المسلمين في مصر.

كما يرى المراقبون أن دراسة حركة النهضة لتطورات الوضع الدولي والإقليمي منذ سنة تجعلها تتجنب صداما أحادي الجانب ربما يؤول بها إلى نفس المصير “الذي واجهته لما قررت مواجهة نظام بن علي سنة 1991″، كما ذهب إلى ذلك أنصار حركة النهضة على شبكات التواصل الاجتماعي في ردهم على خصومهم ومنتقديهم بعد إسقاط الفصل 167.

وحسب المتتبعين لنهج اسلاميي تونس ومناكفات حركة النهضة مع التيارات اليسارية والتقارب الذي تسعى إليه مع واحد من أكبر الأحزاب قاعدية، حسب آخر استطلاعات الرأي، وهو نداء تونس، يتوضح أن التغير في مواقف الحركة أصبح نابعا من الحقيقة التي تفرضها المعطيات السياسية القائمة على المشهد السياسي في تونس والذي بات يؤكد انهيار شعبية الحركة التي تسعى إلى خلق معادلة جديدة تفرض بها وجودها على الساحة السياسية من جديد.

6