صراع نفوذ إيراني كردي وقوده عشائر شمال العراق

التنافس الحاد بين إيران والأكراد على استمالة العشائر العربية في شمال العراق، يعود إلى الأهمية البالغة لمناطق تلك العشائر ما يجعلها هدفا ومدارا لصراع النفوذ الحاد الذي يُخشى أن يتطوّر لينتهي إلى إشعال حرب أهلية جديدة تكون العشائر وقودها وأدواتها.
السبت 2017/07/29
عشائر ضحت في حرب داعش وغيرها جنى ثمار النصر على التنظيم

الموصل (العراق) - تحولت العشائر العربية في شمال العراق إلى أدوات في الصراع الدائر على خلفية الطموح السياسي للأكراد والنفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة.

ويشكل قضاء ربيعة في نينوى، قرب الحدود السورية منطقة نفوذ تقليدية لإحدى أبرز العشائر العراقية وهي عشيرة شمر التي تسيطر على أراض زراعية واسعة في شمال وشمال غرب البلاد، واعتادت على الدفع بنواب إلى البرلمان العراقي، كما تنشط في هذه المناطق عشائر أخرى مؤثرة كالجبور واللهيب والسبعاويين.

وخسرت هذه العشائر الكثير من نفوذها وإمكانياتها منذ سيطرة تنظيم داعش على محافظة نينوى المحاذية لإقليم كردستان العراق ثم محافظة صلاح الدين المجاورة لنينوى صيف 2014.

وحافظت بعض العشائر، بصعوبة بالغة، على جيوب قليلة داخل نينوى وصلاح الدين أمام هجمات تنظيم داعش، لكنها اضطرت إلى البحث عن حلفاء لتتمكن من الصمود، فيما سارع كل من رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني وغريمه زعيم ائتلاف دولة القانون رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي إلى استمالة تلك العشائر بمد يد العون إليها ليربط الرجلان علاقات وثيقة مع شيوخ عشائر هناك. وشملت المعونات التي قُدمت لهذه العشائر أسلحة وأموالا، فضلا عن فتح مقرات لها في بغداد وأربيل.

وعندما اقتربت قوات الحشد الشعبي من مناطق تسيطر عليها البيشمركة الكردية، في غرب الموصل، انكشف حجم الانقسام بين زعماء العشائر العربية في المنطقة، إذ أيد جزء منهم قوات البيشمركة، فيما أعرب آخرون عن استعدادهم للقتال إلى جانب الحشد الشعبي المكوّن في غالبيته العظمى من فصائل شيعية موالية لإيران.

وتطالب العشائر العربية الموالية للبارزاني بإخراج مقاتلي حزب العمل الكردستاني من مواقعهم في شمال العراق، فيما يدخل عناصر هذا الحزب، الذي يعرف اختصارا بـ”بي كي كي”، في خارطة حلفاء إيران في غرب الموصل.

وعندما أعلن إقليم كردستان عن نيته إجراء استفتاء بين سكانه في 25 سبتمبر المقبل لتقرير مصير الدولة الكردية، سارعت عشائر عربية داخل المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل إلى دعم هذا المشروع، فيما عارضته أخرى.

وأحدث أوجه هذا النزاع، هو الجدل بشأن زيارة ناشطة مدنية عراقية إلى إسرائيل، إذ أعلن “المتحدث باسم العشائر العربية في نينوى”، الشيخ مزاحم الحويت دعمه لها، ليرد الشيخ أحمد الجربا، أحد زعماء عشيرة شمر وعضو البرلمان العراقي، قائلا إن عشائر نينوى لم تخول أحدا الحديث باسمها.

وكانت الناشطة الإيزيدية، نادية مراد، التي نجت من أسر تنظيم داعش، الذي اجتاح معقل هذه الطائفة الدينية في جبل سنجار غرب الموصل، وقتل وأسر الآلاف من الرجال والنساء صيف 2014، قد زارت إسرائيل الاثنين الماضي وحضرت ندوة في الكنيست بشأن “الإبادة الجماعية” التي تعرض لها الإيزيديون.

وأثارت هذه الزيارة ردود فعل متباينة. وتساءلت النائبة عن ائتلاف نوري المالكي، حنان الفتلاوي، إن كانت مراد تبحث عن حقوق الإنسان في إسرائيل، فيما رد المتحدث باسم عشائر نينوى، مزاحم الحويت قائلا إن “عداء إسرائيل ولى مع صدام”، لينخرط في السجال النائب الجربا، مستغربا تأييد البعض للناشطة الإيزيدية.

ويقول الحويت إن “الجربا تابع للمالكي، وتحركه إيران”، فيما يرد الجربا بأن “الحويت لا يمثل أحدا”. وينظر إلى هذا الصراع بوصفه جزءا من تركة تنظيم داعش في المناطق التي طرد منها في العراق، إذ تعمل على ملء الفراغ قوى مختلفة.

ويقول مراقبون إن موطئ القدم الذي حصلت عليه إيران في غرب الموصل، يمثل جيوبا تسكنها عشائر عربية سنية. ويقول هؤلاء إن حاجة العشائر العربية في نينوى إلى الدعم للصمود في وجه داعش دفعتها إلى التحالف مع قوات الحشد الشعبي، المدعومة إيرانيا.

وتكشف مصادر محلية أن النازحين من هذه المناطق يواجهون عقبات في العودة إلى منازلهم، بعد طرد تنظيم داعش من معظم الأراضي التي كان يسيطر عليها، بسبب الصراع بين الزعامات العشائرية الذي تغذيه أطراف سياسية كبيرة في بغداد وأربيل.

ويدرك الحشد الشعبي أن محافظته على مواقعه التي بلغها في غرب الموصل والتي تتصل بالحدود السورية تتطلب بناء تحالفات محلية مع زعماء قبليين. ودون ذلك، لن يتمكن الحشد من الحفاظ على تدفق الإمدادات اللوجستية التي تتحرك من جنوب وشرق العراق نحو مناطق قرب الحدود السورية.

ومن جهته، يعتقد رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني أن السماح للحشد الشعبي بتعزيز نفوذه في مناطق غرب الموصل، قرب قضاء سنجار والحدود السورية، يمثل تهديدا استراتيجيا للإقليم الذي يقترب من أولى خطوات تحوله إلى دولة، وسط ممانعة إيرانية شرسة.

وأبدت أطراف كردية عراقية على رأسها الحزب الديمقراطي بقيادة رئيسه البارزاني إصرارا استثنائيا على الدفع باتجاه خيار الاستقلال وتأسيس الدولة الكردية بدءا بتنظيم استفتاء على ذلك حدّد موعده بالخامس والعشرين من سبتمبر القادم.

واعتمدت إيران في تصدّيها لتلك الخطوة على تكتيك واضح يتمثّل في الدفع بأطراف عراقية حليفة لها إلى واجهة الصراع، مع الحرص على تسميم أجواء العلاقات المتذبذبة أصلا بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة أربيل.

ويخشى العراقيون الذين يفتقدون للاستقرار في بلدهم منذ عقود من الزمن، والذين يعيشون حالة حرب ضدّ تنظيم داعش متواصلة منذ ثلاث سنوات، أن تزجّ إيران بالعراق في أتّون حرب أهلية جديدة لمنع الأكراد من تأسيس دولة.

ويرشح مراقبون تطور السجال بين زعماء العشائر العربية في نينوى وصلاح الدين، إلى ما يمكن أن يكون حربا داخلية بالوكالة، يغذيها الحشد الشعبي من جهة وقوات البيشمركة من جهة ثانية.

3