صراع نفوذ جزائري بين أذرع النظام الإعلامية والأجهزة الأمنية

مجمع "النهار" ينتفض ضد ترتيبات جديدة تزيحه من الواجهة من خلال تهديدات مسؤوله الإعلامي والتي تكشف عن رسالة مبطنة للأطراف التي تحاول إعادة ترتيب المشهد الإعلامي.
الجمعة 2018/10/12
السطوة الإعلامية على المحك
 

خرجت الخلافات بين مجمع “النهار” الذراع الإعلامية للسلطة الجزائرية ودائرة الأمن والاستعلامات إلى العلن، بعد أنباء عن تسوية أوضاع معارض سابق والسماح له بإقامة مشروعه ليكون أحد معالم المشهد الإعلامي القادم في الجزائر.

الجزائر- كشفت تسجيلات صوتية بثتها قناة النهار الجزائرية، أن توقيف صحافي للتحقيق معه حول مقال صدر في موقع إخباري إلكتروني، لا يتعلق فقط بمحتوى المقال، إنما ينطوي على تصفية حسابات ومصالح، ظاهرها الإعلام، وباطنها النفوذ والتمركز.

ويتضمن التسجيل تجاذبا بين الإعلامي أنيس رحماني مسؤول مجمع النهار المقرب من السلطة، وضابط كبير في جهاز الاستخبارات، ويظهر الصراع المحتدم داخل دوائر السلطة.

وأفاد مصدر مطلع، بأن انتفاضة رحماني، في وجه دائرة الأمن والاستعلامات، تنطوي على استعراض قوة، ودفاع ضمني على موقع المجمع كذراع إعلامية للسلطة، في ظل مخاوف من زحزحته من مكانه، مع الحديث عن مشروع إعلامي جديد يديره معارض سابق مقيم في فرنسا، من المتوقع أنه توصل إلى تسوية مع السلطة، مقابل السماح له بإنشاء مشروعه المتوقف في البلاد، ويرجح أن يكون أحد معالم المشهد الإعلامي القادم في الجزائر.

وأكد أحد الصحافيين المكلفين بالتهيئة البشرية واللوجيستية للمشروع، لـ”العرب”، بأن “عملية التحضير جارية لانتداب الصحافيين والموظفين والفنيين، وحتى أن المقر جاهز في إحدى الضواحي الراقية بالعاصمة، من أجل إعادة إطلاق صحيفتي ‘جريدتي’ و’مون جورنال’ بالفرنسية، وربما قناة أمل تيفي”، وهي منصات إعلامية مملوكة للإعلامي والضابط السابق المعارض هشام عبود، قبل أن تتوقف في 2014 بإيعاز من السلطة، بسبب خطها المناوئ لنظام عبدالعزيز بوتفليقة.

ولم يكشف المتحدث عن الخط التحريري للمشروع المنتظر، تاركا إياه لـ”الوقت المناسب”، ولتقدم خطوات التنفيذ، إلا أنه لم ينف أن يكون داعما للسلطة، في ظل التسوية التي يكون قد توصل إليها المالك مع المحيط الفاعل في مؤسسة الرئاسة، وتحوّل العلاقة التنافرية بين هشام عبود، وبين الرجل القوي في السلطة سعيد بوتفليقة، المستشار الشخصي لرئيس البلاد وشقيقه الأصغر، إلى علاقة ودّ ومدح وحتى اعتذار، قدمه هشام عبود لسعيد بوتفليقة في تسجيلات ورسائل.

وكانت قناة النهار الفضائية الخاصة المملوكة للإعلامي أنيس رحماني، قد بثت صباح الثلاثاء، تسجيلا صوتيا لمكالمة هاتفية جرت بينه وبين ضابط كبير في مصلحة الأمن والتحري، التابعة لدائرة الأمن الداخلي، ظهر فيها صاحب المجمع في حالة من الغضب والتهديد والتعنت، بينما كان الضابط في حالة استجداء ورجاء.

وكشفت المكالمة، “خلافا حادا بين مسؤول المجمع وبين المنسق العام للأمن والاستعلامات الجنرال بشير طرطاق، ومسؤول دائرة الأمن الداخلي، في حين كان الضابط المتكلم يحاول احتواء الموقف، لكن الرجل الأول في الجهاز كان يستفز المدير، الذي أظهر عدم اكتراث بالمسألة، وألمح إلى استناده على جهة في السلطة أقوى من جهاز الاستعلامات، وأنه مستعد لارتكاب حماقة”.

مجمع النهار الإعلامي الخاص يمثل الذراع الإعلامية للسلطة الجزائرية ونفوذه يتجاوز وسائل الإعلام المملوكة للدولة

ونشر الإعلامي أنيس رحماني، تدوينتين على حسابه الشخصي في تويتر، ذكر فيهما، أنه “لن يسلم أي صحافي من صحافيي المجمع لأي جهة خارج القنوات الرسمية والشرعية، وأن جهاز القضاء هو الفيصل الوحيد في مسائل النشر، إذا تعرض أي طرف للضرر من منشور أو صورة”.

وكانت وحدة من قوات الأمن الداخلي قد قامت بتوقيف أحد صحافيي المجمع أمام المبنى الرئيسي في ضاحية سعيد حمدين بالعاصمة، صباح الثلاثاء، وهو الأمر الذي وصفته القناة بـ”الهمجي وغير الشرعي وغير القانوني”، وقامت ببث صور من تسجيل كاميرات المراقبة، قبل أن يتم إطلاق سراح الصحافي بعد ثلاث ساعات، يكون قد خضع فيها للمساءلة حول مقال نشره في موقع أخبار إلكتروني تابع للمجمع، وأجرى فيه مقارنة بين مدير جهاز الاستخبارات السابق الجنرال محمد مدين، وبين منسق الأمن الحالي الجنرال بشير طرطاق، في ما يتعلق بدور الجهاز الاستعلاماتي في الأزمة السياسية التي يعيشها البرلمان منذ أسبوعين.

وذكر مالك مجمع النهار في إحدى تدويناته، بأنه “لا شيء يعلو فوق قوانين الجمهورية والتشريعات المنظمة، وقد تم إيداع شكوى ضد جهاز الاستعلامات، في ما يتعلق بما تعرض له الصحافي العامل في المجمع “، وهي خطوة غير مسبوقة في مسار الإعلام الجزائري، لم تكن لتتم لولا الدعم الذي يحظى به المعني من جهة قوية في السلطة، رغم أن القضية قريبة من تصفية الحسابات بين الأجنحة النافذة والمتصاعدة في المدة الأخيرة، أكثر من تحرر الإعلام الجزائري من ظل وسطوة الأجهزة الأمنية والجماعات الضاغطة.

وتعتبر تهديدات مسؤول المجمع الإعلامي الصريحة، رسالة مبطنة للأطراف التي تحاول إعادة ترتيب المشهد الإعلامي في البلاد، في سياق التغييرات المهمة التي تعرفها مؤسسات كبرى، عبر خلق لوبي مواز كان إلى حين على خصومة كبيرة معه، وقد وصل مداها إلى القضاء الفرنسي، الذي نظر في عدة قضايا بين أنيس رحماني وهشام عبود.

ورشح متابعون أن خروج خلافات أجنحة السلطة إلى العلن، سيأخذ منعرجات أخرى، بالنظر إلى الإهانة التي لحقت جهاز الاستعلامات جراء بث مكالمة خاصة لأحد ضباطه الكبار على الهواء، وإدانة القانون لمثل هذه الحالات، ويحتمل أن يتصاعد الخلاف خلال الأيام المقبلة بين الطرفين، فالأول يبحث عن رد الاعتبار
لمؤسسة رسمية، والثاني قد تكون بحوزته أوراق ضغط وملفات ألمح إليها في المكالمة الهاتفية.

وبات مجمع النهار الإعلامي الخاص، منذ ما قبل الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2014، يمثل الذراع الإعلامية للسلطة، ونفوذه يتجاوز وسائل الإعلام المملوكة للدولة وعلى رأسها التلفزيون العمومي والوكالة الرسمية للأنباء، وقد تحول إلى المصدر الأول للأخبار الرسمية، حيث يحوز أسبقية بث ونشر الأنباء المهمة، على غرار التنحيات والتعيينات التي شهدتها المؤسسة العسكرية والأمنية، منذ إقالة رئيس جهاز الاستخبارات السابق (الجنرال توفيق) في 2015، إلى غاية الحركة التي طالت كبار الجنرالات والضباط في الأسابيع الأخيرة.

18