صراع نفوذ محموم بين واشنطن وموسكو في أفريقيا

مساع روسية إلى ملء الفراغ الأميركي في القارة السمراء المقتصر على التواجد العسكري لا غير.
السبت 2018/03/03
التعاون العسكري جزء من خارطة النفوذ

واشنطن - ساهمت الأوضاع المتوترة في منطقة الشرق الأوسط خاصة الملف السوري والإيراني في تراجع نفوذ الولايات المتحدة في القارة الأفريقية واقتصار حضورها على الجانب العسكري، ما دفع بالغريم الروسي الذي أصبح عنصرا أساسيا في خارطة النفوذ الشرق أوسطية الى الاندفاع نحو أفريقيا أملا في الحصول على موطئ قدم داخل قارة مليئة بالثروات والمعابر البحرية الاستراتيجية.

وبالرغم من ضعف النفوذ الأميركي في المنطقة، اقتصاديًا مقارنة بالصين، وسياسيًا وعسكريًا مقارنة بفرنسا ودول الاتحاد الأوروبي، فإن واشنطن لا تخفي اهتمامها بتدارك هذا الوضع، لا سيما وأن القارة تضم أكبر تجمع للدول النامية في العالم، ذات الأسواق المتعطشة للاستثمارات، والثروات الهائلة.

ولا أحد يعلم ما إذا كانت واشنطن قد بلورت، بالفعل، استراتيجية جديدة تجاه أفريقيا، إلّا أن عددًا من التقارير، تم تسريبها مؤخرا، تسلط الضوء على تحركات أميركية غير مسبوقة، خاصة في غرب وشمال غرب القارة، بخلاف تركيز واشنطن السابق على منطقة القرن الأفريقي.

ونشرت مجلة “ذي إنترسبت” مؤخرا، وثائق مسربة من البنتاغون، حول تدريبات نظرية واسعة النطاق، تشمل القوات البرية والبحرية والجوية، تحاكي عملية عسكرية كبيرة في الغرب الأفريقي، عام 2023، للقضاء على “إرهابيين” نفذوا هجمات في الولايات المتحدة.

وكشفت المجلة وثيقة سرية لقيادة القوات الأميركية في أفريقيا “أفريكوم”، تشير إلى أنها تعمل على إنشاء قاعدة للطائرات من دون طيار في النيجر، على أن يشمل نطاق عملها دول المنطقة، وذلك بتكلفة تناهز 100 مليون دولار. ونقلت في تقريرها عن الخبير الأميركي حول الوجود العسكري لواشنطن بأفريقيا، آدم مور، قوله إن ذلك ليس نشاطًا معزولًا، بل هو جزء من “توجه نحو تدخل أكبر، ووجود دائم في غرب أفريقيا” وذلك لتدارك الضعف في النفوذ الأميركي بالمنطقة مقارنة بالنفوذ الفرنسي، ولاستباق التغلغل الصيني القادم من شرقي القارة.

وشهدت السنوات الأخيرة حضوراً قوياً للدور الروسي في بعض القضايا الدولية في ظل تعددية النظام الدولي، واتضح هذا الدور في التواجد في قارة أفريقيا، لذلك هناك حاجة ملحة لدى القادة الروس للعودة من جديد إلى أفريقيا لاستعادة مجد السوفييت من جديد، وهو ما ترجمه وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بالقول “أفريقيا في صلب السياسة الخارجية لروسيا”.

سيرجي لافروف: نعتبر التواجد في أفريقيا جزءا لا يتجزأ من السياسة الخارجية لروسيا
سيرجي لافروف: نعتبر التواجد في أفريقيا جزءا لا يتجزأ من السياسة الخارجية لروسيا

وبتولي فلاديمير بوتين السلطة في روسيا في الانتخابات الرئاسية الروسية عام 2000، بدأ يحاول إعادة بناء الدولة الروسية من جديد من الداخل أولاً ثم اتجه بعدها إلى الخارج، حيث كانت الزيارات الرسمية التي قام بها بوتين إلى عدد من دول المنطقة خصوصاً في عام 2006، نقلة في العلاقات الروسية الأفريقية، إذ تم فيها التوقيع على عدد من الاتفاقيات الدولية والعقود المبرمة بين روسيا وبعض الدول الأفريقية.

ويرى محللون أن الاهتمام الروسي بمنطقة القرن الأفريقي بدأ برغبة ملحة في استعادة علاقات سبعينات القرن الماضي مع دول كانت قد فقدتها بعد الحرب الباردة مع الولايات المتحدة، خصوصا أثيوبيا والصومال وجيبوتي وإريتريا، حيث سارعت موسكو إلى تعيين سفراء جدد لها بجيبوتي وجنوب السودان، وتدخلت لحلحلة أزمات سياسية في بعض الدول الجنوبية، وتحسين علاقتها بالصومال حليفها الاستراتيجي في السبعينات، وأثيوبيا لاستعادة علاقتهما الجيدة إبان فترة حكم “منجستو” الاشتراكية، ما يعني أن التحركات الروسية الأخيرة بالمنطقة تحمل رسائل تفيد برغبتها في العودة بقوة إلى المنطقة من جديد.

وتضم منطقة القرن الأفريقي من الناحية الجغرافية 4 دول هي الصومال وجيبوتي وإريتريا وأثيوبيا، لكن تعريفات سياسية أخرى تضيف إلى هذه الدول دولا أخرى وهي السودان وكينيا وأوغندا وتنزانيا، وغيرها.

وتكتسب هذه المنطقة أهميتها الاستراتيجية من كونها تطل على المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية؛ ومن ثم فإن دول هذه المنطقة تتحكم في طريق التجارة العالمية، خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج، والمتوجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة وكندا.

وتعني السيطرة على القرن الأفريقي السيطرة عل ممرات مائية حيوية، وهي مركز عبور السفن والطائرات العابرة من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، وكذلك نقطة تزود بالوقود.

وحول مؤشرات الرغبة الروسية في العودة إلى هذه المنطقة، رأى الدبلوماسي الصومالي السابق، عبدالله طاهر، أن اعتماد روسيا سفيرا لها في كل من جيبوتي والصومال “مؤشر على اهتمامها المتزايد بالمنطقة”.

وحول الأسباب التي دعت موسكو إلى السعي نحو العودة بقوة لمنطقة القرن الأفريقي، رأى الدبلوماسي الصومالي السابق أن اهتمام روسيا بمنطقة القرن الأفريقي “يعد تطورا هاما يعكس التنافس بينها وبين واشنطن”.

ولم يستبعد طاهر أن يكون التحرك الروسي الجديد في منطقة القرن الأفريقي، بشكل خاص، مرتبطا بالصراع المحتدم في الشرق الأوسط بين موسكو وقوى شرق أوسطية، خاصة حول الملف السوري.

5