صراع نفوذ هادئ بين السعودية وإيران في السنغال

تعتبر أفريقيا، خصوصا جنوب القارة ووسطها، من أبرز المحطات، التي عملت إيران على التغلغل فيها، واستفادت منها لمواجهة العقوبات التي كانت مفروضة عليها، واستغلت تراجع التواجد الخليجي، والسعودي أساسا، في الفترة التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر2001 لكن في الفترة الأخيرة بدأت الرياض في تدارك هذا التراجع مولية وجهها شطر القارة السمراء وتأسيس علاقات قوية مع الدول الأفريقية، وقد نجحت في ذلك إلى حد كبير، وكانت لمشاركة دول أفريقية من بينها السنغال أبرز دليل على ذلك؛ فيما فشلت إيران في جني فوائد استثماراتها في السنغال سواء من خلال تمويلها لجماعات ومؤسسات في دكار أو من خلال الطلبة السنغاليين الذين درسوا في قم.
السبت 2017/05/13
استقطاب ناعم

دكار – في ضاحية راقية من ضواحي العاصمة السنغالية دكار، يدرس فرع من فروع جامعة المصطفى الإيرانية المذهب الشيعي للطلبة ضمن مواد أخرى. ويدير الفرع رجل إيراني يعلق صورة للزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي على جدار مكتبه.

وتتضمن المناهج تدريس الثقافة والتاريخ الإيرانيين والعلوم الإسلامية، بالإضافة إلى اللغة الفارسية. ويحصل الطلاب على طعام مجاني ومساعدات مالية. والجامعة هي مركز شيعي في بلد مذهبه الشائع هو الصوفية.

وعلى بعد بضعة كيلومترات تدرس جمعية الدعوة للشبيبة الإسلامية المذهب السني الذي تعمل به السعودية، أكبر خصم لإيران، على الصعيد الديني والسياسي والعسكري.

وتضخ الجمعية المدفوعات التي تأتيها في صورة تبرّعات من السعودية وقطر ودبي والكويت إلى مساجد يديرها سلفيون. كما أن أرفف الجمعية مكدّسة بكتب المنهج السلفي التي يستخدمها الأئمة لإلقاء الخطب في نحو 200 مسجد عبر السنغال.

وتجسد المؤسستان صراعا على النفوذ في السنغال وفي أفريقيا بوجه عام بين الشيعة بدعم من إيران والسنة بتمويل من السعودية. وهما مجرد حلقة أخرى في صراع أشمل على السلطة ينفق فيه كل جانب الملايين من الدولارات لاجتذاب أتباع جدد. والجائزة هنا هي نفوذ سياسي هائل في قارة غنية بالموارد كثيرا ما كانت ساحة للمنافسة بين القوى الدولية.

وسلطت مقابلات مع مدرسين وأتباع جدد من الجانبين الضوء على مدى عمق الانقسام والطريقة التي يحاول بها كل جانب أن تكون له اليد العليا.

ولا يخفي مدير فرع دكار من جامعة المصطفى الإيرانية مخاوفه من خصومه السعوديين. وقال الشيخ عباس معتقدي في فبراير”السلفيون جاؤوا إلى أفريقيا ليدمروا… الإسلام”.

وعلى الناحية الأخرى في مبنى جمعية الدعوة يبدي السلفيون مشاعر مماثلة.

ويقول الإمام الشيخ إبراهيم نيانغ، الذي كان يرتدي رداء أبيض ناعم الملمس، “لا يمكن أن نقبل النفوذ الإيراني في السنغال. وسنبذل كل ما في وسعنا لمحاربته. يجب أن نبيّن للعالم بأن المذهب الشيعي خطأ”.

لكن بالنسبة للسنغال فقد يكون أي من النفوذين مصدرا للمشاكل. فهذا مجتمع لطالما كان يميل للاعتدال السياسي، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى تقاليد التسامح التي تبنتها الطرق الصوفية في البلاد.

المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي يشرف على أنشطة جامعة المصطفى ومقرها في مدينة قم الإيرانية ولها فروع في 50 دولة من بينها فرع دكار يصل تمويله من مكتب المرشد الأعلى وشخصيات أخرى تحت قيادته.

وفي كثير من الأحيان ساهم النفوذ الإيراني في زعزعة الاستقرار. ففي عام 2010 تم اعتراض شحنة أسلحة إيرانية في ميناء لاغوس النيجيري اشتبهت السنغال في أنها كانت في طريقها لمتمردين في منطقة كاسامناس الجنوبية. وقطعت دكار العلاقات لفترة قصيرة مع طهران بسبب ذلك.

يشرف خامنئي على أنشطة جامعة المصطفى ومقرها في مدينة قم الإيرانية ولها فروع في 50 دولة.

ويقول ابن أحد رجال الدين في قم، طلب عدم نشر اسمه بسبب حساسية المسألة، إن آلافا من الطلاب من جميع أنحاء أفريقيا يتلقون ما يكفي من أموال إيران بما يمكنهم وأسرهم من زيارة قم أثناء الانتهاء من دراساتهم.

وقال مدير الدراسات بجامعة المصطفى الشيخ أدرامي واني إن الجامعة في دكار تستقبل 150 طالبا سنويا وتقدّم لهم تعليما مجانيا ومنح مالية ووجبات إفطار. وقال أستاذ في قم إن الطلاب يردون هذا السخاء بالدعاية لإيران على الإنترنت أو في صورة كتب.

وفي دول مثل الصومال تدفع طهران تكاليف حفلات الزفاف والأثاث المنزلي، بما في ذلك أدوات منزلية مثل الثلاجات أو أجهزة التلفزيون إذا كان الزوجان شيعيين أو اعتنقا المذهب الشيعي حديثا.

ويقول الأستاذ، الذي طلب أيضا عدم نشر اسمه، إن جامعة المصطفى هي الآن الأداة الرئيسية لإيران للدعاية للمذهب الشيعي. وقال إن هدفها “تعليم الناس أن يكون ولاؤهم للجمهورية الإسلامية والزعيم الأعلى”.

لكن مسؤولا بارزا في جامعة المصطفى بقم، طلب أيضا عدم نشر اسمه، قدّم وجهة نظر مختلفة. وقال “هدفنا ثقافي وتعليمي بحت. نريد النهوض بالتعليم العالي في أفريقيا”. وأضاف قوله “السعودية والكويت وتركيا ودول كثيرة أخرى أسست مدارس دينية في أفريقيا. وإلى جانب ذلك هناك الكثير من المدارس الأميركية والبريطانية المسيحية بل وحتى مدارس هندوسية. لذا فإن هناك منافسة في أفريقيا وإذا لم يكن لنا موطئ قدم هناك فلن نلحق بالركب”.

وذكر مسؤولان كبيران في جامعة المصطفى أن وزارة المخابرات والحرس الثوري الإيراني يفحصان بشكل دوري الطلاب والمدرسين في الجامعة.

وقال معتقدي، مدير جامعة المصطفى في دكار، إنه لا صلة للجامعة بأجهزة المخابرات أو السياسة الإيرانية. وقال “نحن جامعة خاصة… مهمتنا الوحيدة هي التدريس ولا شيء آخر”، مضيفا أن خامنئي مجرد راع للجامعة كما أن اعتناق المذهب الشيعي ليس شرطا إلزاميا للدراسة.

وفي موازنة إيران لعام 2016 حصلت الجامعة على 2390 مليار ريال (74 مليون دولار)، لكن مسؤولا ذكر أن الجامعة تحصل على مزيد من التمويل من مكتب المرشد الأعلى وشخصيات أخرى تحت قيادته. ولم يعقب معتقدي أو واني على تمويل فرع دكار.

رسالة بسيطة

في جمعية الدعوة بدكار يتحدث الإمام نيانغ عن فضائل المذهب السني. وقال بينما كان يقرأ القرآن من مصحف مزخرف “رسالة السلفية بسيطة.. أن تكون مسلما صالحا يتعيّن عليك أن تتبع سنة النبي محمد”.

والتحق نيانغ بمدارس لتحفيظ ودراسة القرآن منذ كان في السادسة من عمره وحتى سن 27 ثم درس في وقت لاحق في السعودية. وبعد عودته في عام 1989 على الفور قام هو وزملاء محافظون بتأسيس جمعية الدعوة في السنغال، ومنذ ذلك الحين شيدت المئات من المساجد بتمويل من الجمعية في أحياء دكار وقرى الصيد في البلاد.

وكانت نقطة نجاح بالنسبة للسلفيين عندما سيطروا تدريجيا على المسجد الرئيسي بجامعة أنتا ديوب في دكار خلال التسعينيات من القرن الماضي.

وقال الإمام إسماعيل نداييه، منسق الحركات السلفية في السنغال والذي يدرس في الجامعة، إن السلفية تقدّم بديلا للصوفية، مؤكدا أن الدولة العلمانية في السنغال والقيم الليبرالية فرضت على البلاد من المستعمرين الفرنسيين. لكنه قال إن المساجد السلفية لا تشجع الشبان السنغاليين على الجهاد.

المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي يشرف على أنشطة جامعة المصطفى ومقرها في مدينة قم الإيرانية ولها فروع في 50 دولة من بينها فرع دكار يصل تمويله من مكتب المرشد الأعلى وشخصيات أخرى تحت قيادته.

وأضاف قائلا “إذا كان بوسع الكاثوليك أن يموّلوا مشروعات في السنغال بهدف التبشير، فلماذا لا يكون بوسع السعودية أن تقوم بالأمر ذاته؟”.

وذكر أن رجال الأعمال في الخليج لم يقدّموا سوى مبالغ بسيطة للحركات السنية في السنغال (20 مليونا في المجمل على مدى عدة عقود)، لكن التمويل يتدفق بشكل مطرد لما وصفه بأعمدة السلفية الثلاثة وهي “جمعية الدعوة” و”حركة الفلاح” التي تأسست في عام 1975، وحركة أخرى على مشارف دكار بقيادة رجل الدين أحمد لو الذي أمضى 17 عاما في السعودية.

الطريق الصحيح

من الصعب القول من سيفوز بالسباق على الهيمنة. ويقول الإمام شريف مبالو، الأمين العام لرابطة أهل البيت وهي حركة شيعية أفريقية تأسست في أغسطس الماضي، إن هناك ما بين 30 و50 ألف شيعي في السنغال التي يسكنها 15 مليون نسمة.

وتحوّل مبالو إلى المذهب الشيعي بعد مشاهدة الثورة الإيرانية على التلفزيون، ثم عمل مع السفارة الإيرانية لمدة 25 عاما وزار إيران عدة مرات. لكن عندما عاد عمل على تأسيس جماعة شيعية موالية لإيران بعد تلقيه دفعة مبدئية من رجال أعمال إيرانيين. وقال إنه لم يحصل على أي أموال أخرى. ورفض مبالو تحديد قيمة الدفعة.

وقال سامبي من معهد تمبكتو إنه لا توجد أرقام موثوقة لأعداد السلفيين في السنغال، لكنه قال إن السلفيين يسيطرون على عدد من المساجد الشهيرة في البلاد.

ويقول بيتر فام، وهو مدير مكتب أفريقيا في المجلس الأطلسي ومقره واشنطن، إن الطرق الصوفية التقليدية في السنغال لديها قواسم مشتركة مع المذهب السني في السعودية أكثر من قواسمها مع الشيعة.

ويعتقد البعض من السنغاليين أن الطرق الصوفية التي اتبعها أجدادهم قديمة وخانقة. ويوفر تبني مذاهب إسلامية أخرى فرصة للتحرر.

وتحول مدرس الرياضيات سليمان سال (38 عاما) إلى المذهب السلفي عندما كان في المدرسة. وأعجب بالتركيز الصرف على سنن النبي محمد، كما كان يخشى مما اعتبره افتقارا للقوة الفكرية في الطريقة الصوفية التي تربى عليها.

لكن بعد الجامعة أعاره صديق كتابا عن المذهب الشيعي، وبعد بحث مطول بدأ يشك في أن كثيرا من الأمور السيئة التي كان يقولها السلفيون عن الشيعة غير صحيحة.

وقال “في نهاية المطاف أدركت أن المذهب الشيعي هو الطريق الصحيح بالنسبة لي. على الأقل في اللحظة الحالية”.

6