صراع نفوذ ينتهي بالاطاحة ببانون من مجلس الأمن القومي

بعد القرار المثير للجدل الذي اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتعيين كبير مستشاريه الاستراتجيين ستيف بانون ضمن عضوية مجلس الأمن القومي مطلع يناير الماضي، أعلن البيت الأبيض عن تعديلات جديدة في تركيبة المجلس قد تحمل مؤشرات على بداية تراجع نفوذ بانون وإعادة تشكل توازنات القوى والنفوذ داخل البيت الأبيض.
الجمعة 2017/04/07
نكسة من أقرب المقربين

واشنطن- لم يكن ستيف بانون حاضرا في حدائق البيت الأبيض الأربعاء لحضور المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده دونالد ترامب مع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني. في المقابل، كان صهر الرئيس ومستشاره الموثوق جاريد كوشنر، الذي يعمل “بتعاون وثيق” مع ستيف بانون، والذي يزداد نفوذه يوما بعد يوم، يقف في الصف الأمامي ممسكا بيد زوجته إيفانكا ترامب.

لم يمض وقت طويل حتى أعلن البيت الأبيض أن الرئيس دونالد ترامب أقال مستشاره الاستراتيجي ستيف بانون من منصبه في لجنة خاصة بالأمن القومي وأعاد إلى اللجنة رئيس هيئة الأركان المشتركة والاستخبارات.

يتجاوز هذا القرار التغييرات العادية التي يمكن أن تجرى على أي إدارة جديدة، ويستمد أهميته من أهمية سيتف بانون، الذي يوصف بالعقل الاستراتيجي لدونالد ترامب، وعلاقته بملفات سياسية هامة على رأسها العلاقة مع روسيا.

إبعاد بانون مؤشر على بداية تغيير في خارطة النفوذ داخل الإدارة الرئاسية الأميركية سيحسم لفائدة الجنرال ماكماستر

لا شكّ أن ستيف بانون المثير للجدل والمرفوض من أغلب الديمقراطيين والجمهوريين مني بنكسة كبيرة بخسارة موقعه في مجلس الأمن القومي؛ لكن خيبة بانون يعتبرها البعض مؤشر على تعديلات جارية في أعلى هرمية البيت الأبيض بعد بدايات اتسمت بالفوضى.

وعلى الرغم من أن الخطوة تقتصر على استبعاد بانون من الفريق الأمني للرئيس، إلا أنها تؤشر أيضا على احتمال استبعاده من الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس في البيت الأبيض، بعد ورود اسمه في لائحة المقربين من ترامب الذين عقدوا لقاءات سرية مع مسؤولين روس.

وتؤشر إقالة بانون على توقع إدارة ترامب حصول تطورات دراماتيكية في التحقيقات الجارية في التدخل الروسي في الانتخابات، خصوصا بعد الكشف عن اجتماع سري عقده مستشار ترامب وممول حملته الانتخابية إريك برنس مع مساعدين للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في جزر السيشيل، لتأمين قناة سرية بين الكرملين والبيت الأبيض.

وكان تعيين الرئيس السابق لموقع برايتبارت نيوز اليميني المتطرف في هذا المجلس النافذ مثار جدل حاد في الولايات المتحدة، إذ ندد سياسيون من الديمقراطيين والجمهوريين على السواء بـ”تسييس” هيئة في البيت الأبيض تبقى في الظل غير أنها استراتيجية بامتياز، ومكلفة بتقديم المشورة للرئيس في مجالات الأمن والاستخبارات والسياسة الخارجية.

ويعزز هذا القرار على ما يعتقد من موقع مستشار الآمن القومي الجنرال هربرت ريموند ماكماستر الذي يضع بصماته الخاصة على هذه الهيئة الاستشارية بالغة الأهمية. وسعيا منه لعرض هذا القرار على أنه تطور منطقي، سعى بانون الذي يعتبر من أشد منتقدي “هيئات الحكم” والنخب، لتحويل الأنظار عن الأمر بمهاجمة إدارة الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما.

وقال بانون في بيان “إن مستشارة الأمن القومي السابقة سوزان رايس سيست مجلس الأمن القومي (…) وبالتالي تم تعييني فيه لضمان إزالة تسييسه”. وأكد أن هذه المهمة أنجزت، مشيرا إلى أن “الجنرال ماكماستر أعاد مجلس الأمن القومي إلى وظيفته الصحيحة”، ما يبرر رحيله، فيما قام مسؤولون في البيت الأبيض رفضوا كشف أسمائهم بنشر الرسالة ذاتها للإعلام، مؤكدين أن بانون يحتفظ بمنصب المستشار الاستراتيجي للرئيس ولم يفقد أيا من نفوذه.

ستيف بانون مني بنكسة كبيرة بخسارة موقعه

لكن العديدين في واشنطن كان لهم تفسير مخالف للأمر، مبدين ارتياحهم لإبعاد بانون عن المجلس. وقال النائب الديمقراطي النافذ آدم شيف إن “بانون يفتقر إلى خبرة متينة في مسائل الأمن القومي، ويروج منذ زمن طويل لنظريات مؤامرة عنصرية وتحريضية، ولم يكن يجدر إطلاقا تعيينه”.

ومن الجانب الجمهوري ارتفعت أصوات أخرى مبدية ارتياحها، وفي طليعتها السناتور جون ماكين الذي أثنى على التعديل الحاصل، معتبرا أنه “قرار جيد”. وقام بانون (63 عاما) الذي عينه ترامب في أغسطس 2016 مديرا عاما لحملته الانتخابية، بتوجيه رسالة المرشح الجمهوري. وبعد فوز ترامب بالانتخابات في نوفمبر، عين مستشارا كبيرا في البيت الأبيض، ما أثار استنكار الديمقراطيين والمنظمات المعادية للعنصرية.

وقلما أدلى مصرفي الأعمال السابق والمنتج السينمائي السابق، بتصريحات علنية منذ وصوله إلى البيت الأبيض. لكنه حين يتكلم علنا يكون كلامه عنيفا، فهو وصف وسائل الإعلام بـ”حزب المعارضة” وتوعد بزعزعة واشنطن و”نخبها”. وأكد في فبراير الماضي أن “كل يوم سيكون بمثابة معركة”.

خلف أسلوب دونالد ترامب الصاخب اتخذ بانون الذي يفضل البقاء في الظل مكانة كبرى جعلت البعض يرى فيه “الرئيس بانون” الممسك فعليا بزمام الأمور في البيت الأبيض والمروج لبعض مبادرات الرئاسة الأكثر إثارة للسجال، مثل مرسوم حظر الهجرة والسفر.

وإن كان بانون يحتفظ بنفوذ كبير، وهو يعمل هذا الأسبوع بحسب الإعلام على مشروع إصلاح جديد لنظام الضمان الصحي، إلا أن إبعاده من مجلس الأمن القومي يكشف عن موازين القوى المتبدلة في كواليس إدارة تلقت عدة نكسات كبرى خلال أقل من مئة يوم من الرئاسة. ويشكل خروج بانون انتصارا للجنرال ماكماستر بعدما خلف في 20 فبراير مايكل فلين الذي اضطر إلى الاستقالة لإدلائه بكلام كاذب حول اتصالات متكررة أجراها مع السفير الروسي في واشنطن.

وأوضح مسؤول في البيت الأبيض الأربعاء أن الجنرال ماكماستر (54 عاما)، وهو من قدامى الحرب في العراق وأفغانستان، لديه تصوره الخاص لطريقة العمل، وبالتالي لم تعد مشاركة بانون تعتبر ضرورية.

على الرغم من أن الخطوة تقتصر على استبعاد بانون من الفريق الأمني للرئيس، إلا أنها تؤشر أيضا على احتمال استبعاده من الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس في البيت الأبيض،

ويترافق رحيل بانون مع عودة مجلس الأمن القومي إلى تركيبة الهيكلية التقليدية، ولا سيما عبر إعادة ضم مدير الاستخبارات الوطنية ومدير الـ”سي آي إيه” ورئيس هيئة أركان القوات الأميركية الجنرال جو دانفورد رسميا إلى صفوفه، والذين أبعدوا خلال فترة عضوية كبير مستشاري ترامب.

ويتوقع المراقبون أن تترافق التعديلات الحاصلة على مستوى تركيبة مجلس الأمن القومي، مع تغيرات متوقعة وملموسة على مستوى السياسات الاستراتجية خاصة المرتبطة بملفات وقضايا محورية داخليا وخارجيا، بعيدا عن توجهات بانون التي اتسمت بالتطرف والشعبوية في أحيان كثيرة.

وقالت صحيفة واشنطن بوست الأميركية إن هربرت ماكماستر المستشار الجديد للأمن القومي، يعرف من تاريخه العسكري باستعداده للمعارضة، متسائلة كيف سيتفاهم جنرال عُرف بآرائه الحادة مع رئيس لا يحب أن يعترض الآخرون على قراراته؟

ولا يستبعد مراقبون أن يمثل إبعاد بانون من مجلس الأمن القومي مؤشرا قويا على بداية تغيير في خارطة النفوذ داخل الإدارة الرئاسية الأميركية سيحسم لفائدة الجنرال ماكماستر وصهر الرئيس ومستشاره الموثوق جاريد كوشنر.

وقد يزيد غياب بانون عن حضور المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده دونالد ترامب مع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في حدائق البيت الأبيض، من التكهنات المتعلقة بتراجع دائرة تأثيره في صناعة القرار، إزاء تزايد نفوذ كوشنر وانفراد الجنرال بتوجيه دفة السياسات الاستراتجية الأميركية.

6