صرامة سعودية وتشنج تركي بشأن قضية خاشقجي

وزير العدل التركي يقول إن بلاده استكملت جميع الاستعدادات القانونية اللازمة لنقل قضية خاشقجي إلى المحافل الدولية.
الثلاثاء 2018/12/11
تصعيد تركي قطري إخواني

الرفض القطعي من قبل السعودية لتسليم مواطنيها المشتبه بهم في قضية مقتل خاشقجي لأي طرف خارجي، وقبل ذلك رسمها خطوطا حمرا بشأن محاولات استخدام القضية ذاتها للمساس برموز المملكة، يقطعان الطريق على محاولات الضغط والابتزاز التركية ويثيران حالة من “العصبية” لدى حكومة العدالة والتنمية.

أنقرة - لوحّت تركيا مجدّدا بورقة تدويل قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده مطلع أكتوبر الماضي، وذلك بعد أن اصطدمت بموقف سعودي صارم في رفضه تسليم أي مواطن سعودي متهم في القضية إلى السلطات التركية.

ورغم تراجع القضية في سلّم اهتمامات الرأي العام الإقليمي والدولي بفعل استهلاكها إعلاميا ونضوب التسريبات الإعلامية التي ساهمت في تسويقها على أوسع نطاق بادئ الأمر، لم تنفكّ أنقرة عن محاولة فتح مسارات جديدة للضغط على السعودية باستخدام القضية التي سلكت مسارها الجنائي والقانوني داخل المملكة.

وقال وزير العدل التركي عبدالحميد غُل، الاثنين، إن بلاده استكملت جميع الاستعدادات القانونية والتقنية اللازمة، لنقل قضية مقتل خاشقجي إلى المحافل الدولية، في ضوء الموقف السعودي.

واعتُبر كلام الوزير التركي بمثابة ردّ فعل مباشر على رفض السعودية بشكل قطعي للمطلب التركي بتسليم اثنين من المشتبه بهم السعوديين للتحقيق معهما ومحاكمتهما في تركيا.

وكان وزير الخارجية السعودي عادل الجبير قال في مؤتمر صحافي بالرياض في ختام القمة الخليجية التي احتضنتها بلاده، الأحد، إننا “لا نسلم مواطنينا”، مؤكدا أن القوانين في تركيا تمنع تسليم المتهمين إلى دول أخرى، وكذلك في السعودية. وأضاف “على تركيا أن تقدم المعلومات التي طلبناها لدعم تحقيقاتنا بشأن قضية مقتل جمال خاشقجي”.

وتشكو السعودية بشكل متكرّر عدم تعاون السلطات التركية معها وحجبها معلومات مهمّة من شأنها التقدّم بالتحقيق في قضية مقتل خاشقجي.

كما أنّ الرياض على بيّنة بمحاولة كلّ من تركيا وقطر استثمار جريمة القنصلية إلى أبعد الحدود، بما في ذلك محاصرة المملكة دوليا وعزل قيادتها. وكانت السعودية صارمة في هذا الباب، من خلال تأكيد الجبير في وقت سابق رفض المملكة أي إساءة لقيادة المملكة معتبرا المساس برموز البلاد خطّا أحمر.

وتحقّق السلطات السعودية مع واحد وعشرين شخصا موقوفين على ذمّة القضيّة، بينما وجه النائب العام السعودي الاتهام إلى أحد عشر فردا من بينهم، وطلب عقوبة الإعدام لخمسة منهم.

ومنذ تفجّر قضية مقتل خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول قبل نحو شهرين حاولت أنقرة التي تواجه تحت حكم حزب العدالة والتنمية أزمات متعدّدة سياسية واقتصادية، وتخوض صراعات في عدّة اتجاهات، استخدام القضية في الضغط على السعودية لتحصيل مكاسب مادية وسياسية، ووجّهت هجومها بشكل مباشر ضدّ ولي العهد الأمير الشاب محمّد بن سلمان الذي يقود عملية تحديثية في بلاده مضادّة لتوجّهات جماعة الإخوان المسلمين المدعومة بقوّة من قبل تركيا وقطر.

ووصلت الجهود التركية القطرية إلى طريق مسدود بعد أن أظهرت القوى الدولية الكبرى حرصا على الحفاظ على علاقاتها مع السعودية وقيادتها حفاظا على مصالح حيوية تكفلها تلك العلاقات.

وحظيت طريقة التعاطي السعودي مع جريمة مقتل الصحافي بدعم خليجي خلال قمة مجلس التعاون في الرياض. وتطرق البيان الختامي للقمة في أحد بنوده إلى القضية مؤكّدا دعم المجلس “وتأييده لإجراءات السعودية تجاه التعامل مع ملف قضية خاشقجي وما أسفرت عنه التحقيقات”.

تعي الرياض رغبة كل من تركيا وقطر في استثمار جريمة مقتل الصحافي إلى أبعد الحدود وعملهما على عزل المملكة دوليا

وقدّم مكتب المدعي العام في إسطنبول الأسبوع الماضي طلبا من المحكمة بإصدار مذكرتي توقيف ضدّ أحمد عسيري النائب السابق لمدير الاستخبارات السعودي وسعود القحطاني المستشار السابق.

ويسجّل مراقبون تشبّثا تركيا استثنائيا بقضية خاشقجي ومحاولة حكومة حزب العدالة والتنمية الإبقاء على القضية تحت الأضواء بتكثيف “التصريحات النارية والاتهامات الجزافية بشأنها”، ما يثير بحسب تعليق أحد المتابعين للقضية “شبهات وجود دوافع سياسية تركية ومحاولات ضغط وابتزاز للسعودية باستخدام القضية”.

وتشارك قطر بشكل أساسي في محاولات تصعيد قضية خاشقجي وإخراجها عن مسارها الجنائي وتسييسها والحفاظ على الضجيج الإعلامي حولها.

ورغم أنّ مختلف جوانب القضية استهلكت بشكل كبير، إلاّ أن الإعلام القطري، وخصوصا قناة الجزيرة، لا يزال يخصص مساحات زمنية واسعة جدّا لملف خاشقجي وتقليبه على شتّى وجوهه رغم انعدام الأخبار الجديدة بشأنه.

وقال وزير العدل التركي في تصريح للصحافيين عقب افتتاحه مركزا لتدريب الموظفين الحكوميين في العاصمة التركية أنقرة “إنّ جريمة قتل خاشقجي، اعتداء صارخ على الحق في الحياة؛ إضافة إلى أنها جريمة قتل وحشية لا يمكن التغطية عليها”.

وتابع القول “اكتسبت القضية بعدا دوليا بقيادة رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، الذي صرّح بضرورة إكساب الملف بعدا دوليا”.

وعبّرت الرئاسة التركية، الاثنين، من جهتها عن إحباطها بشأن موقف السعودية من تسليم مواطنيها. وقال فخر الدين ألتون مدير الاتصالات بالرئاسة لوكالة رويترز “إن رفض الرياض تسليم المشتبه بهم في قضية اغتيال الصحافي جمال خاشقجي أمر محبط للغاية”.

وأضاف “ما دامت تركيا لا ترى دليلا قويا على أن الادعاء السعودي سيكشف ملابسات مقتل خاشقجي فسيكون من مصلحة المجتمع الدولي أن ينشد العدالة للصحافي الراحل وفقا للقانون الدولي”.

3