صرخة ونداء لإنقاذ تلاميذنا من الأدلجة

الثلاثاء 2014/05/06

صرخة مدوّية أصيح بها في وجه كلّ من له ضمير حيّ يغار على الطفولة ويرى فيها ثمارا يجب أن تنضج سليمة من كلّ الحشرات، فهي مستقبل الوطن وعماده المنتظر. نداء صادق، سليم، نزيه، حزين، مؤلم، أتوجه به إلى كلّ المسؤولين، كبارا وصغارا، عن التعليم، والتربية، والتأديب، والتهذيب في بلادنا.

نداء يحذّر من عواقب تصرّفات بعضهم، مآلها لو لم تجد رادعا، الغرق المحتوم، في مياه الجهالة، وتيارات التقهقر، فالوقوع في ظلمات فوق ظلمات.

إنّ ما أزعجني، وهزّ كياني، وعاد بي إلى الوراء، أستعرض أيّام وسنين الكفاح ضدّ المستعمر وحضوره الثقيل، أخبار وصلتني، وأنباء قرأتها، وشهادات سمعتها، حول ما يجري وما يلقّن في فصول التربية بالرّياض والمدارس، خاصّة منها القرآنيّة، فرجعت لما خصّصته في كتابي “رحلة عبر الكفاح الوطني” لدور معلمينا ومؤدبينا أيّام ظلم الدّخيل وهيمنة المستعمر، حيث قلت: “لم يخطئ شوقي في تشبيه المعلّمين بالرّسل، فأكبر برهان على ذلك عايشناه بتونس، حيث وُجِد صنف آخر من المقاومين المكافحين، تمثّل في المدرّسين، رجال اعتبروا مهمّتهم مقدّسة، ودورهم بنّاء، فسخّروا الجهد، وكرّسوا الوقت والاهتمام، ليبنوا حصنا منيعا لبلادهم يتمثّل في جيل، بل أجيال من المؤمنين، المتعلّمين، المستنيرين، الثّابتين على مبادئ تضمن لهم ولوطنهم العزّة والكرامة والحرّيّة.

رجال تحدّوا في صمت وثبات، كلّ العراقيل والموانع التي زرعها المستعمر في طريق إثبات الهويّة وتوطيد الجذور.. فجعلوا من ساعة واحدة مخصّصة للعربيّة، ساعات فعلّمونا ولقّنونا اللغة، والدّين وأصوله وقواعده، وتاريخنا الذي لم يدرج في المناهج الرّسميّة، وزرعوا فينا بذرة حبّ الوطن بواسطة المحفوظات والأناشيد الزاخرة بكلّ المبادئ السّامية، دينيّة وأخلاقية ووطنيّة، دون ضوضاء أو هرج”، مقابل هذا أسمع وأقرأ ما يتعرّض له الأطفال من مذهبة، وغسل أدمغة، وتلقين ما الأطفال منه براء، وهم عنه في غنى، ويجب أن يكونوا منه في مأمن.

أليس من المنكر أن يحرم الطفل من اللّعب، والتّغني، والتّرفيه عن نفسه، بالضّحك والمتعة، وبالمقابل يتمّ تلقينه سفاسف وترّهات مثل تحريم الاستماع إلى الأغاني، إذ أنّ من يفعل ذلك يناله العقاب، أو أنّ جهاز الإذاعة المرئيّة أداة شيطانيّة، حتّى أنّ بعض الأطفال تجرّأ على كسر جهاز أهله؟

أليس من المؤسف فرض لباس معيّن وغير مألوف، إذ هو مستورد على براعم من حقّها ومن المفروض أن تنعم وتتحلّى بما حسن وطاب؟ ألا تتناقض هذه التّصرّفات الغريبة من لدن مربّين، أو من ارتدوا رداء المربّين، ما أوصى به نبيّ الإسلام عليه الصّلاة والسّلام، حين قال: “روّحوا القلوب، ساعة وساعة، فإنّ القلوب إذا كلّت ملّت”؟

إنّ الطفل حياة وحركة تطمح تلقائيّا إلى تنمية نفسها، تنمية شاملة متكاملة، من الضروريّ أن تتمّ في بيئة أو وسط مناسب وواعز، يساعد عليها ما يمكن أن يجده الطفل حوله في حياته اليوميّة، لذا فدور المربّي يجب أن يتمركز في الحصول على محيط لطيف، أو خلقه، حتى يشعر الطفل بالتفاؤل أمام الصّعوبات كي يستطيع عند تجنب الضغط، التعبير عن نفسه بحريّة، وهذا ما يساعد على تسهيل نموّه وتطوّره. ليس هذا مجال التوسّع والإطالة، لكن يكفي الإشارة إلى أنّ التربية والتعليم، حظيا ويحظيان باهتمام المختصّين قديما وحديثا، ولم يشذّ ديننا ولا سنّة نبيّنا عن ذلك، لهذا نجد علماء المسلمين أوصوا وألحّوا على وجوب إحاطة الطفل وإشعاره بالحبّ، والتقدير، والحرّيّة، والتعبير، إلى جانب اللعب الذي هو “استعداد فطريّ عند الطفل، به وفيه يشعر بقدرته على التعامل مع الآخرين، ومن خلاله يكتسب المعرفة الدّقيقة، وعن طريقه يتعلّم عادات التحكّم في الذات والتعاون والثقة بالنفس، فالألعاب تضفي على نفسيّته البهجة والسّرور، وتنمّي مواهبه وقدرته على الخـــلق والإبــداع.. ومن خلال اللــعب يتحقق النّــموّ النــفسي والعقلي والاجــتماعي”.

أين كلّ هذا في ما سمعنا وقرأنا عن تصرّفات من نصّبوا أنفسهم مربّين معلّمين؟ أين نحن، والحال كما هو، من المدارس القرآنيّة أيّام كنّا، مدارس سدّت فراغا تربويّا وتعليميّا شعرت به البلاد، فكوّنت وأخرجت ثمرات أعطت الوطن خير غذاء، دينيّا وأخلاقيا وعلميّا وفنّيّا، لأنّ الفنّ علم أو علوم تهذّب الأرواح، وتروّح عن العقول فتقترب من الله أكثر بشعور نقيّ سليم.بقي سؤال لابدّ من طرحه وهو: أين يقف المسؤولون عن التربية والتعليم من كلّ هذا؟

إنّ بلاد الله قاطبة، بما فيها كثيرة التّسامح والحرّيات، لها قوانين تنظّم التعليم بكلّ أشكاله وبرامجه، أيّا كانت مدارسه، عموميّة أو حرّة أو خاصّة، قوانين تسيّر البرامج التربويّة والتعليميّة، وتراقب المدرّسين، ضمانا لسلامة الأطفال، وسعيا للوصول إلى تكوينهم، تكوينا إنسانيّا سليما، فيكونوا، بعد تخرّجهم، مواطنين صالحين، يغارون عن دينهم ولغتهم وهويّتهم، ويحمون مكاسبهم ومكاسب وطنهم وأهاليهم بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإقناع بالكلمة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، والحكم بالعدل، ومحبّة الآخر كمحبّة النّفس، وقول الحقّ والدّفاع عن الحقيقة والمساواة، وغير ذلك كثير ممّا أمر وأوصى به ديننا الحنيف وما يتميّز به المسلم الحقّ عن غيره فيسلم ويسلم دينه من كيد الكائدين.

إنّ صرختي تزداد قوّة، وندائي يزداد إلحاحا، بازدياد ما يأتيه المارقون عن مجتمع عرف بتديّنه، ووسطيّته، وأيضا بشدّته إذا غضب وثار، فهل تصل صرختي، ويبلغ ندائي أسماع أولي أمر التربية والتعليم، فيحولوا دون خسارة براعم، بلادُنا في أشدّ الحاجة لنموّها نموّا سليما؟ وهل تطرق صرختي ويرنّ ندائي في أسماع أولي أمر تلك البراعم، فلا يكتفون بالتشكي والتذمّر، بل يقومون بما فرضه الله عليهم في حق أبنائهم؟

أملي كبير وتفاؤلي أكبر، لأني عملت بالحديث الشريف القائل: من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.

اللّهم حاولت التغيير، فهل من مصغ أمين يتقي الله في أطفالنا؟ إني واثق أنّ الذين استطاعوا هدم صرح الظلم، يستطيعون تطهير مدارسنا من عبث العابثين.


كاتب تونسي وديبلوماسي سابق

17