صعوبة استعادة لبنان

التحرّر من سيطرة حزب الله شرط أساسي لتشكيل حكومة لبنانية.
الأحد 2021/07/25
مستقبل قاتم

بعد مضي 15 عاما على “حرب تموز”، التي سمّيت حرب صيف العام 2006، لا بدّ من التذكير ببعض الوقائع. إنها حرب افتعلها “حزب الله” مع إسرائيل بغية تحقيق انتصار إيراني على لبنان. توّج هذا الانتصار بتحوّل إيران عبر “حزب الله” إلى الطرف الذي يقرّر من هو رئيس الجمهورية في لبنان. الدليل على ذلك أن ميشال عون، مرشّح “حزب الله”، فرض فرضا رئيسا في 31 تشرين الأوّل – أكتوبر 2016.

في هذه الأيّام يذكّر العالم عبر الأمم المتحدة وما لديها من ممثلين في لبنان بالقرار رقم 1701 الذي صدر عن مجلس الأمن ووضع حدّا لـ”الأعمال العدائيّة”. عمليا أوقف القرار 1701 حرب صيف 2006. فجأة قبل “حزب الله” الذي أعلن انتصاره في تلك الحرب على إسرائيل بوجود الجيش اللبناني في جنوب لبنان بعدما بقي ذلك ممنوعا لسنوات طويلة. كان ذلك ممنوعا من منطلق أنّه كان مطلوبا سوريّا وإيرانيا إبقاء جنوب لبنان مجرّد “ساحة” لتبادل الرسائل مع إسرائيل.

فجأة أيضا، لم يعد وجود الجيش اللبناني في أرض الجنوب بمثابة وجود دخيل على تلك الأرض. لم يعد هناك من يردّد من بين جماعة “الممانعة” أن الجيش اللبناني في جنوب لبنان يلعب دور “حرس الحدود لإسرائيل”. توقفت المتاجرة بالجنوب بعدما حقّق “حزب الله” هدفه المتمثّل في الانتصار على لبنان.

في الواقع، لم تكن حرب صيف العام 2006 الانتصار الأوّل الذي يحقّقه الحزب، ومن خلفه إيران، على لبنان واللبنانيين. كان الانتصار الثاني في أقل من سنة ونصف سنة. فبعد اغتيال رفيق الحريري، المعروف جيّدا من اغتاله، أخرج اللبنانيون الذين نزلوا إلى الشارع في 14 آذار – مارس 2005 – أي بعد شهر من الجريمة – الجيش السوري من أرض بلدهم. سارع “حزب الله” إلى ملء الفراغ الناجم عن الانسحاب السوري. كان ذلك الانتصار الأوّل والحاسم لـ”حزب الله” على لبنان. في مرحلة لاحقة استطاع الحزب القيام بسلسلة من التحرّكات توجت بأخذ البلد إلى الإفلاس وتحويله إلى مجرّد محميّة إيرانيّة… إلى ضاحية فقيرة من ضواحي طهران!

وسط كلّ ما جرى منذ صيف 2006 لا يزال القرار 1701 مهمّا نظرا إلى أن الهدف الأصلي منه ليس الاكتفاء بوقف المعارك في لبنان بمقدار ما أن المطلوب في كلّ وقت تحصين لبنان، خصوصا حدوده الطويلة مع سوريا التي هي مصدر دخول السلاح وغير السلاح إلى لبنان.

من اللافت ذلك البيان الصادر أخيرا عن ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان يوانا فرونتسكا، وهي في الأصل دبلوماسية بولندية معروفة بخبرتها الطويلة وعلاقتها الجيّدة بالفاتيكان.

يقول البيان الذي يمثّل خارطة طريق للخروج من الأزمة اللبنانية ووقف الانهيار إن “كلا من المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان السيدة يوانا فرونتسكا ووكيل الأمين العام لعمليات حفظ السلام السيد جان بيار لاكروا والقائد العام لليونيفيل (القوة الدولية في جنوب لبنان) ستيفانو ديل كول أطلعوا مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على تطبيق القرار 1701، بناء على التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش”.

عبارة تشكيل حكومة تتمتع بصلاحيات كاملة تعني اقتناع الأمم المتحدة بأنّ أي حكومة لبنانيّة يمكن أن تتشكّل يجب أن تتحرّر من سيطرة حزب الله وسيطرة رئيس الجمهوريّة ميشال عون وصهره وذلك كي يتمكن لبنان من القيام بالإصلاحات المطلوبة والحصول على مساعدات توقف الانهيار

وركزت السيدة فرونتسكا على التطورات الأخيرة في لبنان، مسلطة الضوء على الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية والمالية والسياسية المتعددة والمتراكمة في البلاد وتأثيرها على الناس.

وكررت دعوات الأمم المتحدة إلى تشكيل حكومة تتمتع بصلاحيات كاملة بإمكانها وضع البلاد على طريق التعافي، قائلة “إن الأمم المتحدة تبذل ما في وسعها للتخفيف من حدة الأزمة، لكنّ المسؤولية في إنقاذ لبنان تكمن في نهاية المطاف في أيدي القادة اللبنانيين”.

كما ركزت المناقشات في مجلس الأمن على أهمية إجراء الانتخابات في العام 2022 ضمن المهل الدستورية وبشكل يتسم بالحرية والنزاهة، كمؤشر أساسي للمساءلة الديمقراطية وكفرصة للشعب للتعبير عن مظالمه وتطلعاته”.

وأضاف البيان “فيما يفصلنا أقل من أسبوعين عن الذكرى السنوية الأولى لانفجار مرفأ بيروت المأساوي في 4 آب – أغسطس، كررت فرونتسكا نداء الأمين العام لإجراء تحقيق نزيه وشامل وشفاف. وقالت إن عائلات الضحايا، وكذلك الآلاف من الذين تغيرت حياتهم إلى الأبد بسبب ذلك الانفجار ما زالوا ينتظرون، إنهم يستحقون العدالة والكرامة”.

وفي إشارة إلى هدف القرار 1701 المتمثل في تعزيز أمن لبنان وسيادته وسلطة الدولة فيه، أعربت المنسقة الخاصة عن أملها في التزام حقيقي بتنفيذ ذلك القرار بكامل مندرجاته.

وأشادت بالدور الذي يؤديه الجيش اللبناني في الحفاظ على أمن البلاد واستقرارها، بما في ذلك تعاونه الوثيق مع اليونيفيل، ودعت إلى استمرار دعم هذه المؤسسة الرئيسية. وفي الختام، رحبت المنسقة الخاصة بـ”استعداد المجتمع الدولي المستمر لمساعدة لبنان”.

من المفيد إيراد البيان الصادر عن ممثلة الأمم المتحدة بنصّه الكامل كون ذلك يؤكّد مدى الاهتمام الذي يبديه المجتمع الدولي بلبنان، بما في ذلك في الحال المعيشية للبنانيين.

لعلّ أكثر ما هو مفيد الدخول في التفاصيل، بما في ذلك التركيز على أهمّية “تشكيل حكومة تتمتع بصلاحيات كاملة”. تعني هذه العبارة أوّل ما تعنيه اقتناع الأمم المتحدة بأنّ أي حكومة لبنانيّة يمكن أن تتشكّل يجب أن تتحرّر من سيطرة “حزب الله” وسيطرة رئيس الجمهوريّة ميشال عون وصهره وذلك كي يتمكن لبنان من القيام بالإصلاحات المطلوبة والحصول على مساعدات توقف الانهيار. هل هذا ممكن أم المطلوب معجزة في عالم لم يعد فيه مكان لأيّ نوع من المعجزات؟

هناك إطار عام وضعته الأمم المتحدة للبنان. تنفيذ القرار الصادر عن مجلس الأمن يدخل في هذا الإطار. هل هذه مهمّة مستحيلة للأمم المتحدة… مثلما يستحيل الوصول إلى الحقيقة في تفجير مرفأ بيروت بعدما استبعد رئيس الجمهورية منذ اللحظة الأولى للانفجار التحقيق الدولي؟

أخذ “حزب الله” من القرار الصادر عن مجلس الأمن قبل خمسة عشر عاما ما يريده. في الواقع أخذ لبنان كلّه. ستصعب استعادة لبنان في يوم من الأيّام في ظلّ التوازنات الإقليمية والدوليّة القائمة حاليا…

5