صعود التطرف وخطر النزعات القومية الشوفينية في أوروبا

أحزاب يمينية أوروبية ستدخل الساحة السياسية من أبوابها الكبيرة بسبب مشكلات كثيرة محلية وإقليمية ودولية تواجهها أوروبا، لعل أبرزها الإرهاب وتدفق الهجرة، ممّا زاد من تنامي الخطاب العنصري، وانتعاش النزعات القومية والشوفينية، وهي أمور لها تداعياتها على العالم العربي وعلى الحكومات أن تفتح باب الحوار مع شعوبها.
الجمعة 2016/09/09
ميركل بدأت بدفع ثمن مواقفها

ثمة مؤشرات بالغة الخطورة عن تصاعد مد التطرف، والنزعات الشعبوية، والنزعة القومية في أوروبا، ويمكن رصدها في خمس دول أوروبية شهدت صعود أحزاب متطرفة، أو شعبوية، أو قومية إلى الحكم في الفترة الأخيرة هي: فنلندا، المجر، سلوفاكيا، النمسا، وبولونيا، حيث تنتهك حكوماتها كلها القوانين والمواثيق الدولية، ولا تبالي بقيم حقوق الإنسان التي ميزت مسيرة الاتحاد الأوروبي، كما أن نتائج الاستفتاء البريطاني مؤخرا، شكل تهديدا لمسيرة بناء الاتحاد.

فعلى مستوى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، يشهد برلمانه تمثيلية متزايدة للتيارات اليمينية المتطرفة والشعبوية، حيث تمثل حوالي 23 بالمئة من إجمالي تمثيلية البرلمان الأوروبي.

أمّا الموقف الإنساني المشرف للمستشارة الألمانية بالإصرار على استقبال المهاجرين وإدماجهم في نظر المراقبين، قد يكلفها مستقبلها السياسي، في زمن أصبحت فيه الكلمة العليا للتطرف والعنصرية.

مسيرة بناء الاتحاد الأوروبي بدأت تتعرض في ظل سياسات التقشف الحكومي إلى موجات من الأخطار، قد تعصف بنموذجها القائم على دولة القانون، والنمو الاقتصادي، بحيث تكمن في خطر تنامي موجة التطرف، والنزعات القومية المغالية، فالتيار الأول موزع بين تيارات يمينية، تعتمد على تبني رؤى سياسية راديكالية، وسلوكيات متطرفة ضد الأجانب، فيما تسعى الشعبوية لتحريض العامة على النخبة، والنيل من مصداقية القادة والعمل السياسي.

كشفت أولويات الأمن، وغلبة المصلحة القومية، سقوط الليبرالية التي تتحدث عن حماية حقوق الإنسان، ولم تصمد كثيرا أمام معضلة اللجوء الإنساني. وهذا ما بدأ يتأكد في سياسات حكومات المجر وبولونيا وسلوفاكيا بحيث تحاول هذه الحكومات الدوس على كل القوانين والاتفاقيات بحجة أن إرادة الشعب تعلو فوق الجميع. وهو الأمر الذي أضعف مصداقية الاتحاد الأوروبي.. .

وفي ظل كل هذه الأزمات تأتي المزايدات السياسية بين تركيا والاتحاد الأوروبي بعد اتفاق اللاجئين الأخير، وما تبعه من شد وجذب بخصوص الضغط من أجل رفع التأشيرة عن الأتراك من جهة، لا سيما بعد التصريحات العنترية الحادة من طرف إردوغان، وابتزازه للاجئين كورقة رابحة لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.

هذا في الوقت الذي لم تصادق فيه أنقرة بعد على ميثاق جنيف الخاص بحماية اللاجئين، مما يجعلها غير مؤهلة للدفاع عن حقوقهم أو احترامها. وتوالت التصريحات التركية مؤخرا بمنح الجنسية التركية للاجئين السوريين، وهو الأمر الذي سيجعل بروكسل تمتنع عن رفع شرط الحصول على تأشيرة سفر بالنسبة إلى كل المواطنين الأتراك الراغبين في السفر إلى أوروبا، ويتساءل الأوروبيون عن معنى ذلك إذا منح كل سوري جواز سفر تركي.

الأوروبيون يتساءلون عن منح كل سوري جواز سفر تركي، فيمكنه السفر إلى أوروبا، كيف سيواجهون ذلك؟

كذلك، هناك إشكاليات مرتبطة بالوضع الاقتصادي الصعب في اليونان وتأثيره على استيعاب اللاجئين، فيما يتصاعد مد اليمين المتطرف في أوروبا الشرقية، وبتوتر الوضع المحلي في تركيا بالأساس، بعد أن ازدادت احتجاجات أوروبا على الانتهاكات التركية المتهمة بنزعة استبدادية في الحكم، والقضاء على الخصوم والمعارضين بعد فشل المحاولة الانقلابية.

تنفيذ الاتفاق التركي- الأوروبي الموقع في مارس ستكون له تداعيات سلبية على اللاجئين السوريين وغيرهم لكونه لا يحترم الضمانات القانونية في ظل تطبيق فكرة الإعادة الجماعية غير القانونية، وقد يقود إلى إغراق المهاجرين في عرض البحر الأبيض المتوسط بعد إغلاق الحدود. ويتزامن الاتفاق وتداعياته مع تنامي التيارات اليمينية المتطرفة، والدعوة إلى إغلاق الحدود، بل والتعامل معهم بأساليب تخالف المعايير والقيم الإنسانية الأوروبية.

بعد حدة الأزمة الاقتصادية في عام 2008، ظهرت التيارات الشعبوية في المسرح السياسي الأوروبي، ويعزى نجاحها إلى تبنيها خطابا مضادا للنظام القائم، والالتباس الحاصل من جراء التقارب السياسي الحاصل في البرامج الاقتصادية والاجتماعية اليمينية والاشتراكية على حد سواء. وهي كلها بالنتيجة ثمرة تحولات صعبة ناجمة عن محاولة تأهيل الاقتصاد الأوروبي من جديد في العولمة.

أيا كانت النتيجة للسياسات القائمة، فإن المهمة أصبحت صعبة أمام صانعي القرار لشرح أسباب التحولات الجارية، ووضع رؤية بعيدة المدى، مما زاد معه قلق الشرائح الاجتماعية من مفاجآت المستقبل، بحيث أصبح التصويت لليمين المتطرف، سمة تطبع احتجاج المواطنين على الوضعية الحالية.

هذا في الوقت الذي يعاني فيه الاتحاد الأوروبي نقصا في الديمقراطية، بينما مؤسساته تعتمد في شرعيتها على تمثيلية الدول الأعضاء المنتخبة. الأمر الذي يجعل من السهولة بمكان انتقاد بناء مؤسسات الاتحاد في بروكسيل التي ما زالت تنظم علاقتها مع المواطنين بطريقة غير مباشرة.

رفض أوروبا أن تصبح قوة سياسية وعسكرية، جعل قوتها الاقتصادية محط انتقاد كبير نظرا لعجزها عن سد أبواب الهجرة، أو لعب دور يذكر في حل المشاكل والصراعات الإقليمية. وهو الأمر الذي سبب قلقا بعد أن انتقلت هذه المشاكل إلى داخل حدودها، بخاصة لدى المجتمعات الأوروبية التي لم تستطع استقبال المهاجرين واللاجئين وعجزت عن إدماجهم، مما يسبب في تصاعد مد الكراهية.

الأزمات الاقتصادية لم تعد مجرد أزمات ظرفية، بل أصبحت تحولات عميقة ومستديمة، وهو الأمر الذي نخر توازنات المجتمعات وساهم في تأريق الرأي العام: تواطؤ البنوك مع الشركات الاحتكارية الكبرى، والتهرب الضريبي، وشيوع الفساد المالي، وتفاوت فاحش في الثراء.. ثم الأحداث الإرهابية الأخيرة التي أكملت مشهدا قاتما.

وفي هذه الوضعية التي تنذر بسوء العواقب في علاقة الشعوب الأوروبية بالشعوب العربية، على الدول العربية أن تدرك أن الغرض الأساسي لدبلوماسيتها الجديدة، ليس التواصل مع الحكومات فقط، بقدر ما بات “التحاور” مع الشعوب، والمجتمعات وجمعياتها المدنية.

باحث في جامعة السوربون

13