صعود الشوفينية وتلخيص القضية في فلسطين وحدها

الثلاثاء 2017/05/30

بعد عدة مقالات اكتشفت أن ذكرى نكبة 1948 أخذتني لأطول مما توقعت، وأنها ليست مجرد ذكرى للاعتبار، بقدر ما هي حاضر نابض بالتحدي والقدرة على إغلاق الطرق إلى مستقبل قريب لتفكيك الصهيونية كحركة عنصرية وظاهرة مضادة للتاريخ، وأن تلخيص الصراع العربي مع قوى ما بعد الكولونيالية في قضية فلسطين وحدها ارتبط بصعود الشوفينية المصرية في سبعينات القرن العشرين.

ليس خافيا أن قوى الرأسمالية الاستعمارية تعادي تجارب النهضة المكتملة في العالم العربي بعد كسر محاولتي محمد علي وجمال عبدالناصر، وليس سرّا أن سيناء كانت الغنيمة المشتهاة لتيودور هرتزل لتوطين اليهود عام 1903. يشعر أي استعمار مهما يكن بطشه أنه زائل، مجرد قنص ثروات وأوطان مدعوما بقوة لن تصمد إلى الأبد أمام الحق، فيبحث عن عنصر يطيل عمره، ويضمن استمرار السيطرة عن بُعد، وليس أكثر إغراء من الدين.

وفي مصر كان اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني قد يئس من ضرب الوحدة الوطنية مسجّلا أن الفرق الوحيد بين المسيحي والمسلم “أن الأول مصري يتعبد في الكنيسة، والثاني مصري يتعبد في المسجد”، فسهّل مهمة بعثة هرتزل الاستكشافية في سيناء. وبعد رفض الحكومة المصرية التنازل عن سيناء حاول هرتزل توطين اليهود في منطقة رفح، مع سعي اليهودي إسكندر كنزوفيتش وكيل القنصل البريطاني في غزة إلى شراء الأراضي القريبة من فلسطين.

هذه المساحة الصغيرة المعروفة بفلسطين ليست بحد ذاتها مغنما لكيان اسمه إسرائيل، ولا هدفا لراعي المشروع الصهيوني الذي ينفق عليه ويحدد سياساته العليا، ولكنها رأس حربة يعفي الراعي أمام العالم من الأعباء الأخلاقية للاحتلال الصريح، كما يوفر عليه أثمانا أخرى من أرواح جنوده ومن مليارات الدولارات هي كلفة حاملات طائرات يحتاجها هنا والآن للتحكم في المنطقة.

وقد ظل الوعي بطبيعة الصراع قائما حتى زيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون لمصر عام 1974، فبدأ تزييف هذا الوعي في الداخل المصري، ليصير الصراع فلسطينيا إسرائيليا. وتبنى أنور السادات نبرة شوفينية تذكّر بالنازي وشعارها “مصر فوق الجميع”، وتلاه حسني مبارك بشعار “مصر أولا”، فانتهى حكمه ومصر في المؤخرة. وفي الآونة الأخيرة تستعيد مصر الرسمية والحزبية شعارات شوفينية مع افتقاد استحقاقاتها.

أضاع القادة العرب والمسلمون فرصة النحر الأخلاقي في المشروع الصهيوني، ولم يهتم دونالد ترامب بالربط بين الاستبداد والإرهاب

المبشرون الأميركيون بالديمقراطية لا يتوقع منهم خير، وقد حاربوا زعيما اختاره شعبه في تشيلي. يحتالون بديمقراطية انتقائية، فإذا فشلت الحيلة لجأوا إلى الاحتلال المباشر كما جرى في العراق 2003. اللعبة استهوت السادات فاعتبر زيارة نيكسون دعما لشرعية رسخها نصر أكتوبر 1973، أيا كان عبء الفاتورة التي تسددها مصر إلى اليوم، بعد الخلاص مما كان يمثله عبدالناصر من انحيازات إلى الشعب. استبق السادات وصول نيكسون بقانون يحمي رأس المال الأجنبي من التأميم، إثباتا لحسن النية وتأكيدا للولاء والتبعية، وجاء نيكسون بصحبة وليام إدوارد سيمون وزير الخزانة الأميركي الذي ربط مساعدة بلاده للاقتصاد المصري المرهق بسبب الحروب بتحرير الاقتصاد، وتخلي الدولة عن القطاع العام، فأهملت المصانع تمهيدا لبيعها، وأفسح المجال لرجال المال.

في كتاب “ستون عاما من الصراع في الشرق الأوسط” وهو محاورات أجراها أندريه فيرساي مع بطرس بطرس غالي وشمعون بيريز يقول الأخير “لن نستطيع العودة إلى الترسيم الدقيق لحدود يونيو عام 1967.. يجب أن نكون واضحين: إسرائيل لا تنوي الانتحار من أجل إرضاء الفلسطينيين”. أخذوا من السادات ما يريدون، وأخرجوا مصر من المعادلة، ونجحوا في جعل الصراع فلسطينيا إسرائيليا. في هذا الكتاب يقر غالي بأن “الرفض العربي” في مواجهة إسرائيل كان يمثل مادة التلاحم للوحدة العربية، أما السادات فرأى أنه “حينما نستعيد سيناء ستصبح مصر أقوى.. تناقش إسرائيل على مستوى متكافئ”. وعادت سيناء بثمن باهظ، ودارت مصر في فلك أميركي، ولم تترك إسرائيل للسادات فرصة ليهنأ بما توهم أنه السلام، فوجهت إليه إهانتين توحيان بتواطؤ:

الأولى قبل توقيع معاهدة السلام، ويسجلها وزير الخارجية محمد إبراهيم كامل في كتابه “السلام الضائع في كامب ديفيد”. في مارس 1978 أعد بيانا يدين “إبادة منظمة للفلسطينيين” على يد إسرائيل في غزوها لجنوب لبنان. وقبيل الظهر سأله السادات عن سبب اتصاله المتكرر في الصباح، فأبلغه الوزير بالعدوان الإسرائيلي، “فقال السادات ضاحكا: هل أعطوهم العلقة ولا لسه؟.. أدبوهم ولا لسه؟ وفهمت أنه يقصد إن كان قد تم للإسرائيليين تلقين الفلسطينيين درسا بسبب العملية التي قام بها الفدائيون داخل إسرائيل منذ أيام. وكان الدم يندفع إلى شرايين رأسي وأنا أجيبه: لقد حدث العكس ولقّن الفلسطينيون الإسرائيليين درسا”.

أما الإهانة الثانية فهي تدمير إسرائيل للمفاعل النووي العراقي، بعد دقائق من مغادرة الفنيين الفرنسيين للموقع، في 7 يونيو 1981 بعد ثلاثة أيام من لقاء السادات ومناحيم بيجين في شرم الشيخ (4 يونيو 1981). وكانت غضبة السادات كوميدية؛ إذ أمر بإيقاف التعاون مع خبراء زراعة إسرائيليين بدأوا عملهم في مايو 1981 عقب زيارة شارون بطل الثغرة في حرب 1973 لمصر التي علمت العالم الزراعة.

جرائم إسرائيل لا تسقط بالتقادم، منذ اغتيال الكونت برنادوت في القدس، ومذبحة دير ياسين، وقصف مدرسة بحر البقر، ومجزرة قانا، واغتيال عالم الذرة المصري يحيى المشد في باريس، واغتيال الشيخ أحمد ياسين عقب صلاة الفجر، وغيرها من أعمال عدوانية يتباهى رجال الموساد بتسجيلها في قائمة الإنجازات.

وقد أضاعت القمة العربية الإسلامية الأميركية في الرياض (الأحد 21 مايو 2017) فرصة مواتية للتنديد بإرهاب دولة تمارسه إسرائيل، ويمنح قوى التشدد الإسلامي شرعية وجودها. أضاع القادة العرب والمسلمون فرصة النحر الأخلاقي في المشروع الصهيوني، ولم يهتم الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالربط بين الاستبداد والإرهاب، وارتدى قناع الواعظ وقال “لن يكون هناك مستقبل أفضل إلا إذا طردت دولكم الإرهابيين وطردت المتطرفين”، وفاز بصمت الزعماء المسلمين عن الإرهاب الصهيوني، وعاد بصفقة المليارات. في اليوم التالي مر بفلسطين وارتدى الطاقية اليهودية، وزار حائط البراق، وحشا قصاصة ورقية في إحدى فجواته، وتلا مع حاخام الحائط شموئيل رابينوفيتش مزمورين، أحدهما المزمور 122 وعنوانه “الخلاص لأورشليم”. زيارة تاريخية فهي المرة الأولى التي يزور فيها رئيس أميركي حائط البراق ويصلي فيه خلال توليه منصبه. وكان باراك أوباما قد زار الموقع عام 2008 خلال حملته الانتخابية.

عاد ترامب إلى بلاده، وخلع القناع وكتب تغريدة لا تخلو من وجه استعماري يرى في الصفقات المليارية إعادة للأموال إلى بلاده “إعادة مئات المليارات من الدولارات إلى الولايات المتحدة من الشرق الأوسط تعني وظائف وظائف وظائف”، ولهذا لم تكن القدس منصة لكلام مكانه الرياض عن الحق الفلسطيني.

أغرقتني النكبة في شجونها، وستكون هزيمة يونيو 1967 قد بدأت، الثلاثاء القادم، يومها الأول بعد إتمام الخمسين عاما الأولى. فهل تجاوزنا أسباب “النكسة”؟

روائي مصري

8