صعود العنف العربي عبر لغة تخاصم الحوار

ما العذر الذي يُلتمس لمثقف يعي أن لحروب السياسة أسبابا لا تعلن، وأن الخبثاء يستغلون المشاعر الجمعية، فيلقون ضوءا على أمر ويتجاهلون آخر، ويتخذون الجماهير وقودا لمعارك وهمية إحداها لم تبرأ جراحها منذ تسع سنوات.
الثلاثاء 2018/10/09
جمهور كرة القدم أسهل صيد للحروب

بعد نشر مقالي السابق “جمال عبدالناصر يدير معارك الفيسبوك”، انتبهت إلى أن عبدالناصر وحده لا يدير معاركنا، وأنها لا تقتصر على الفيسبوك، وإنما يتقاسمها عرب أساءوا استخدام مواقع تأسست للتواصل الاجتماعي، وجعلوها ساحات للاحتراب المذهبي والسياسي، عبر عنف يصعد من اللغة إلى الواقع، وينتج عنه. وهي ظاهرة لم أجد دراسات وافية ترصدها وتحللها، وتقترح مسارات جديدة تعيد تأهيل العربية لغة للنقاش والحوار، بدلا من تحفّزها لشيء يسمونه “الرد”، ويعقبه رد على الرد، إلى ما لا نهاية له من صخب ينتهي بنشوة كل طرف بأنه المنتصر، وتحمّله أوهام النصر مسؤولية جولة تالية لا يتنازل فيها عن نصر أكثر زيفا.

جمهور كرة القدم أسهل صيد لحروب لا يصحّ أن يسقط فيها مثقف يحمل درجة الدكتوراه، ويتيه على الناس بالتشدّق بكلام كبير، متسلحا بإرهاب العامة بما يتخيله علما، فينثر بين جملة وأخرى اسما لفيلسوف غربي ومصطلحا يتعمّد تركه غامضا، ولا يورد مقابله العربي الأكثر بيانا.

هل بدأ هذا العنف بإقصاء فضيلة الاختلاف منذ صدر الإسلام؟ منذ حادث السقيفة توارث سلالة سعد بن عبادة وغيرهم شيئا من الحسرة بعد فقدهم الأمل في نيل حظ من السلطة، في أجواء متوترة تنصر قبيلة، وتنحاز إلى لهجة، ثم ترفع مذهبا. ومع زوال دولة المذهب الحاكم تنهض دولة محمولة على مذهب آخر، وكأن الحياة لا تحتمل التجاور الخالي من التجاوز، والتفاعل الندّي البعيد عن البغي. لا إجابة لديّ عن سؤال بدأت به هذه الفقرة، ولا أملك إلا أن أقول: ربما.

وقد وجدت تجليات تلك الحروب في غير سياقها، إذ يذهب كل فريق بعدّته من المرارة والعدوان، ويفرغ حمولته في وجه من لا علاقة له بكلا الطرفين. وكنت أقرأ تعليقات على صورة للاعب المصري محمد صلاح في حسابه في تويتر. صورة محايدة في تدريب فريق ليفربول وضعها في بيته الافتراضي، والمعلقون ضيوف يكتبون تحية أو أمنية بالتوفيق لأشهر وأحبّ مصري في العالم اليوم. وفي هذا الفرح بلاعب يتمتع بقبول وحضور يتجاوزان حدود بلده ولغته، يضع أحدهم مقطع فيديو لتفجيرات، ويطعّمه بأشلاء وجثث أطفال، ويكتب “جزء قليل من جرائم الرافضة والنصيرية بحق أهل السنة في العراق والشام. ماذا نرتجي من قوم ملئت قلوبهم حقدا وطعنا على سادات المسلمين وأصحاب الأمين؟”.

أترك حربا مذهبية إلى أخرى كروية، فأجد مجاملات من ثلاث كلمات “صلاح فخر العرب”، وهي حفاوة مقبولة باللاعب في حسابه الشخصي، فإذا بشخص يعرّف نفسه بآية “توفني مسلما وألحقني بالصالحين” يكتب “أبوصلاح موضة وانتهت”. كلام يمكن فهم دوافعه ولكنه غير لائق؛ فالمجال ليس حوارا عن مدى احتفاظ اللاعب بمستواه في العام الماضي، إذ حقق ألقابا وإنجازات غير مسبوقة للاعب عربي أو أفريقي. والتعليق في المواقع الاجتماعية يفترض أنه بديل عصري لخطابات المعجبين إلى نجوم الفن والرياضة، ولم يكن مهووسا موتورا يرسل إلى نجم سبابا، أو يقارنه بآخرين يزعم أنهم أسياده وتاج رأسه، مثلما اقتحم البعض صفحة محمد صلاح بتعليقات منها “حكيم زياش أفضل منك”، “نورالدين أمرابط هو فخر العرب”، “رياض محرز فخر العرب”، “محرز عمك يا طعمية”.

للمغاربة أن يشيدوا بلاعبيْ المغرب، وللجزائريين أن يشجعوا اللاعب الجميل رياض محرز نجم مانشستر سيتي، ولكن المضحك أن يظنوا الطعمية سببا للإهانة؛ فليس أكثر بؤسا ممن يحسب أن صفة “طعمية” للمصري تقليل للشأن، ولا أتصور هذا البائس قد أفلت يوما من غواية الطعمية في زيارة لمصر، أو خارجها حيث توجد بنكهة تُفقدها الغربة كثيرا من مصريتها.

ألتمس العذر لجموع تخضع في استجاباتها المذهبية والرياضية لعبء تاريخي يحدد المصائر، إلا لمن يرغب في التبصّر، والتمهل في إعادة النظر، والقدرة على اتخاذ المواقف. فما العذر الذي يُلتمس لمثقف يعي أن لحروب السياسة أسبابا لا تعلن، وأن الخبثاء يستغلون المشاعر الجمعية، فيلقون ضوءا على أمر ويتجاهلون آخر، ويتخذون الجماهير وقودا لمعارك وهمية إحداها لم تبرأ جراحها منذ تسع سنوات؟ وكان مصريون مضحوك عليهم أو مشتاقون إلى صعود وظيفي قد أهانوا الجزائر، بعد فوزها على مصر، وتأهل فريقها لكرة القدم إلى مونديال 2010. وفي لحظة إطفاء لمصابيح العقول اجتمع على اتهام الجزائريين بالبلطجة من لا يجب أن تجمعهم جملة مفيدة: علاء حسني مبارك، والصحافي إبراهيم حجازي، واللاعب المعتزل أحمد شوبير، ويوسف زيدان الرجل الثاني في مكتبة الإسكندرية التي تتبع رئيس الجمهورية.

لا يصعب على مصري عاقل أن يشمّ رائحة شياط، ويشعر بتوجيه نيران الكراهية إلى أشقاء، ليس غضبا لخسارة الفريق الوطني، وإنما لسبب خفي يخص النيل من فرص الوريث في الصعود إلى القصر، ويؤجل تتويجه. وقد ذهب جمال مبارك إلى السودان، على رأس البعثة المصرية، وانتهت المباراة الفاصلة في 18 نوفمبر 2009 بفوز الجزائر، وتأهلها لنهائيات كأس العالم 2010 بجنوب أفريقيا، ولم يكن مطلوبا من لاعبي الجزائر أن يخونوا بلادهم، ويفتحوا شباك مرماهم، من أجل جمال مبارك. وكان الترتيب أن يمر سيناريو التوريث من بوابة الجزائر عبر السودان، وأن يحمل الوريث فوق رقاب العباد في مطار القاهرة، وتخرس الألسنة، وترفع الأقلام، وتجف الصحف، ولكن الجزائر أحبطت خطة اللصوص، فاتهموا الجمهور الجزائري بالبلطجة، وانصبت اللعنات على الجزائر، حتى قال علاء مبارك بثقة، في برنامج تلفزيوني “وداعا للعروبة”. وبغير إحسان، تبعه يوسف زيدان، في 25 نوفمبر 2009، ساخرا من “مسميات ما أنزل الله بها من سلطان: الإخوة العرب الأشقاء”، في مقال دال وكاف ليجعلني أفرغ يدي من “اجتهادات” زيدان، ما وصفه بالبؤس الذي يغوص في نفوس “صحراويين لم تعرف بلادهم يوما نسمات التحضر”، في “ذلك البلد المسمى الجزائر.. ورئيسهم الحالي المسمى بوتفليقة”، ثم وجد جذورا لهذا العنف الرياضي “أتذكر.. كان معنا في كلية الآداب طلاب جزائريون بالدراسات العليا، وكانوا والحق يقال مثالا للغباء والعنف الداخلي، والتعصب المطلق (أي التعصب لأي سبب) ومع أن المنح الدراسية المقدمة لهم، ويا للعجب، كانت مجانية، أي أن مصر (المحروسة) تقوم بسدادها عنهم، إلا أنهم كانوا لا يكفون عن التذمر، لأنهم كانوا حانقين على بلدهم! لأنها أرسلتهم إلى مصر وليس إلى فرنسا كآخرين من زملائهم”.

ليس في المقال عجلة الشيطان نفسه بريء منها، فلا ترتجل المقالات كبرامج التلفزيون المباشرة، إلا لغرض، وخصوصا لو تزامنت مع ذكرى نصر أكتوبر. حتى في هذه الذكرى اليتيمة، لم يجد زيدان حرجا، قبل أيام، من القول إن شعار “لا للتطبيع” يرفعه “مجموعة من الكتاب الجهلة”، يتماهون مع المشايخ في مغازلة وجدان الجمهور، وأبدى استعداده لزيارة العدو، وتطاوس فطلب شرطا ساذجا، وسألت الله حسن الخاتمة.

9