صعود المتشدّدين في إيران يفتح على مرحلة جديدة من تغوّل الميليشيات في العراق

انتخاب المحافظ المتشدد إبراهيم رئيسي رئيسا لإيران يشكّل دفعة قوية للحشد، الذي اعتبر القيادي فيه أبوآلاء الولائي فوز رئيسي "تهنئة لنهج المقاومة".
الأربعاء 2021/06/23
في عهد رئيسي سيتمّ البناء على إرث سليماني في العراق

بغداد – يتخوّف عراقيون من أن يشكّل انتخاب رئيس لإيران ينتمي إلى معسكر المتشدّدين دافعا إضافيا للميليشيات الشيعية للمزيد من التغوّل في العراق والسيطرة على مقدّراته والتحكّم في سياساته بما يتوافق مع مصالح إيران، التي يتوّقع أن تنحو في سياساتها خلال فترة حكم المحافظين منحى أكثر خشونة بما في ذلك مضاعفة تدخلّها في الساحة العراقية عبر وكلائها هناك.

وتحوّل الحشد الشعبي المكوّن من العشرات من الميليشيات الشيعية خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب أساسي لا يمكن تجاوزه في العراق، حيث يحظى بثاني أكبر كتلة في البرلمان ويمكنه التصرف بالمليارات من الدولارات، ويملك قوة عسكرية ضخمة مدعومة من إيران.

ريناد منصور: الحشد ليس حالة شاذة بل هو مقياس لسلوك السلطة في العراق
ريناد منصور: الحشد ليس حالة شاذة بل هو مقياس لسلوك السلطة في العراق

وقد يشكّل انتخاب المحافظ المتشدد إبراهيم رئيسي رئيسا لإيران دفعة قوية للحشد، الذي اعتبر القيادي فيه أبوآلاء الولائي فوز رئيسي "تهنئة لنهج المقاومة".

وفي مظهر على تعاظم نفوذه، نجح الحشد مؤخرا في إطلاق سراح عنصره القيادي قاسم مصلح المتهم بالضلوع في عملية اغتيال ناشطين، بعدما قال القضاء إن لا أدلة كافية تدينه وسط خيبة أمل الناشطين المؤيدين للإصلاح.

ويقول الباحث ريناد منصور من مركز تشاتام هاوس للأبحاث لوكالة فرانس برس، إن الحشد "ليس حالة شاذة بل هو مقياس لسلوك السلطة في العراق".

ويشرح الباحث أنّ "أهداف الحشد هي نفسها أهداف جميع الأحزاب السياسية في العراق، وهي أن يصبح القوة السياسية الأولى في نظام يسمح في ظلّ غياب سيادة القانون الحقيقية بالوصول إلى السلطة دون أن يكون عرضة للمحاسبة أمام الشعب أو المؤسسات".

ويعتبر منصور أن الإفراج عن قاسم مصلح بعد أسبوعين من توقيفه بشبهة تورطه في اغتيال ناشطين "يظهر مدى عمق صلات الحشد داخل الدولة، حتى أن صلاته أعظم من صلات رئيس الوزراء" مصطفى الكاظمي، الذي يقدّم نفسه كمدافع عن ناشطي "ثورة تشرين" دون أن يتمكّن حتى الآن من محاسبة قتلتهم.

وبات عناصر الحشد موجودين في جميع مفاصل القوات الأمنية، وفق ما يقول مسؤول عراقي كبير إلى درجة أنهم "لم يعودوا يخشون تلك القوات".

ويضيف الضابط الذي طلب عدم الكشف عن هويته لحساسية المسألة "الفصائل المسلحة المنضوية تحت الحشد تعمل على تفكيك ما تبقى من الجيش من أجل إضعافه وتفتيته"، و"لكن لا يزال هناك عدد قليل من القادة المخلصين الذين يحاولون الصمود في وجه هذه المحاولات".

ونتيجة لكل ذلك، لم تعد القاعدة الشعبية للحشد التي حلّ بفضلها في المركز الثاني في البرلمان بعد تشكيله أول قائمة انتخابية في الانتخابات التشريعية لعام 2018 هي طريقه إلى السلطة والنفوذ.

وتقدّر مصادر سياسية في الحشد بأن نتيجته في الانتخابات المقبلة المقرّرة لأكتوبر القادم لن تكون مثل المرة السابقة. إذ يأتي الاستحقاق بعد انتفاضة أكتوبر 2019 حينما تظاهر مئات الآلاف من العراقيين أشهرا في الشوارع ضد النظام، بينما انخرطت الفصائل المنضوية في الحشد في قمع المحتجين واغتيال المعارضين.

وفيما يستحوذ الفساد على جميع مؤسسات الدولة وجميع الأحزاب، تحتفظ بعض القوى السياسية أيضا بالسلاح. أما الحشد الشعبي الذي يملك ترسانة عسكرية كبيرة فينشط أيضا من خلال مجموعات مسلحة موازية بأسماء غامضة، يتمكن من خلالها من تسديد ضربات دون المخاطرة بأن توجه إليه أصابع الاتهام مثل استهداف مصالح أميركية.

Thumbnail

وتسيطر مجموعات من الحشد الشعبي على منافذ حدودية وأرصفة موانئ في العراق عبر الفساد والرشاوى، التي تملأ خزائنها بأموال لا تحتاج إليها لدفع رواتب عناصرها لأنها مندمجة في القوات الرسمية وتتلقى رواتبها من الدولة.

ويقول الخبراء إن دولارات الرشاوى والابتزاز تفيد أكثر من طرف، بينها إيران الخاضعة للعقوبات الأميركية وحلفاؤها الإقليميون مثل حزب الله اللبناني.

وعلى سبيل المثال يروي مسؤول مصرفي عراقي كبير أنّ "سياسيين ورجال ميليشيات ينقلون مبالغ مالية نقدية منذ 18 عاما على متن طائرات إلى لبنان"، مشيرا إلى أنّ "60 مليار دولار أرسلت إلى هناك".

وللمفارقة فإن الجهة الوحيدة القادرة على أن تكون منافسا فعليا لفصائل الحشد هو مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري الذي يمتلك بدوره ميليشيا تنشط تحت مسمّى سرايا السلام.

ويقول مسؤول حكومي عراقي إنّ الصدر صاحب القدرات المالية والعسكرية يشكّل "شوكة في خاصرة الفصائل الموالية لإيران التي تحاول صنع نموذج للحرس الثوري في العراق".

ومن هذا المنظور ينتظر أن يقوم الرئيس الإيراني الجديد بدور كبير في تغليب تلك الفصائل على خصومها بمن فيهم الصدر، إذ أنّ السياسيين المحافظين في إيران ليسوا، بحسب المطلعين على الشأن الإيراني، سوى أذرع مَدنية مع الحرس الثوري.

3