صعود النفوذ الإيراني وأفوله

الثلاثاء 2014/11/18

في كثير من الأحيان لا تبدو الأمور كما هي عليه، وهذا أكثر ما ينطبق على إيران التي تدعي أنها باتت تهيمن على أربعة عواصم عربية، هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء (بحسب أحد المسؤولين فيها).

القصد أن إيران لديها من المشاكل الداخلية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية مايفيض عنها، خاصة أنها تحاول التحكم بها، أو طمسها، بواسطة القبضة الحديدة، فهذه قد تنجح في تأجيل الانفجار لكنها تزيده قوة لاحقاً؛ هذا أولاً. ثانياً، إن إيران، بنمط تدخّلها الفظ، في البلدان المذكورة، إنما تورط نفسها، وبشكل غير مدروس، في مشكلات وأعباء جديدة.

منذ قيامها (أواخر عقد السبعينات) عملت إيران على تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، بالاستناد إلى قوّة عسكرية وازنة، وخطاب أيديولوجي شعبوي، إسلاموي و”فلسطيني”، تركّز على معاداة إسرائيل ومناهضة الولايات المتحدة الأميركية “الشيطان الأكبر”، لتغطية سياساتها في المنطقة العربية.

لكن نفوذ إيران الفعلي بدأ بالتصاعد مع سقوط نظام صدام، وفي مناخات الاحتلال الأميركي للعراق (2003)، الذي تواطأت معه على ذلك، بحيث أضحت الطرف المهيمن في هذا البلد، بعد أن سيطرت الميليشيات التابعة لها على مقدرات الدولة العراقية، بدعم من الاحتلال الأميركي ذاته.

المفارقة أن نفوذ إيران الإقليمي بدأ بالأفول في لحظة صعوده بالذات، وفقا لعاملين اثنين، أولهما، أن سياستها باتت في موضع شكّ وشبهة، بسبب تواطؤها مع الولايات المتحدة في غزو أفغانستان والعراق، وبواقع هيمنتها على العملية السياسية في العراق. وثانيهما، انكشاف الطبيعة الطائفية والمذهبية للسياسات الإيرانية الإقليمية، التي كانت تتغطى بفلسطين، ومقاومة إسرائيل. وهذا ما توضح في السياسات الطائفية التي انتهجها حزب الله في لبنان، بعد توقف المقاومة، إثر انسحاب إسرائيل الأحادي من جنوبي لبنان (2000)، والتي استخدم فيها سلاح يفترض أنه للمقاومة.

لكن الانكشاف الفاضح للسياسة الإيرانية بدأ بدعمها اللامحدود للنظام السوري، إذ لم تكتف بالدعم السياسي والمالي له، وإنما وصل الأمر إلى التدخل العسكري المباشر، وعبر حزب الله اللبناني والميليشيات العراقية. ومؤخراً جاءت أحداث اليمن، المتمثلة في اجتياح الحوثيين للمدن اليمنية، لتلقي مزيدا من الأضواء على طبيعة السياسات الإيرانية.

في غضون كل ذلك، يحتسب لإيران أنها نجحت، في ما أخفقت فيه إسرائيل منذ قيامها، إذ أنها استطاعت تصديع وحدة المجتمعات العربية، وإثارة النعرات الطائفية المذهبية فيها، وهذه أكبر خدمة قد تتلقاها إسرائيل منذ قيامها؛ مع الاحترام لكل الحديث عن المقاومة.


كاتب سياسي فلسطيني

9