صعود الهويات الجامحة

الأحد 2016/03/27

أثارت ظاهرة الربيع العربي ما بدا في ظاهره أعراضا جانبية للحراك المجتمعي الذي دشّنته، غيرَ أنّ تلك الأعراض ما لبِثَت أن تحوّلت لتُصبح بدورها مشاكل أساسية ومركزيّة حَجَبت في الكثيرٍ من الأحيان ما يخيّل للمرء بأنّه أصلُ الداء المتراكم عبْرَ أزمنةٍ خَلَت، وانطلاقا من الحساسيّات الثقافية والتاريخية والجيوسياسية المعقّدة التي يختصّ بها هذا الجزء من العالم، كان الإلقاحُ عابرا للجغرافيا فوصلت غبار طلعِهِ إلى أقاصٍ لم تكن في الحُسبان، وصارت المشاكل المحليّة والوطنية جاذبة لاستقطابات عالميّة صَرْفةً تديرُ مصائرَ شعوبٍ بأكملها، تُغيّر خرائط وتستبدل بشرا بآخرين.

نطالعُ أخبارا عن فتيةٍ تركوا آلاتهم الموسيقية وأدواتهم الرياضية وأوسمةَ شهرتهم ومغريات المدنيّة التي نشؤوا فيها، وفتياتٍ هَجَرْنَ عوائلهنّ، وأمّهاتٍ هَرَبْنَ بأطفالهن الصغار إلى فراديسهنّ المشتهاة، جميعهم هجروا بلدانَ وعواصمَ كانت وما تزال مُنيةَ أعدادٍ لا يستهانُ بها من أهلِ البلاد التي قَصَدَها أولئك “المهاجرون، فبينما يهاجرُ شبّانٌ من بلجيكا وألمانيا وبريطانيا وأميركا من بلادهم إلى البادية السوريّة، يركب سوريون البحر بأهواله ومشقّاته للوصول إلى البلدان التي هجَرَها هؤلاء، نشاهِدُ بأمّهات أعيننا ضروبا من القتل الاحترافيّ يمارسه مهووسون يطلّون علينا بهيئاتٍ غرائبيةٍ بواسطة إحدى أثمن إنجازات العالم المتحضّر متمثّلة بشبكة الإنترنت ووسائطها المتعددة، يجتمعُ بشرٌ في الساحات لحضور حفلاتٍ لتقطيع الرؤوس والأطراف في مشاهد تعيدُ إلى أذهاننا عوالم القرون الوسطى وسطَ صراعاتٍ برؤوس متعددة، فيما يسودُ شعورٌ كونيٌّ من عدمِ الأمان ومن سوء الفهم الثقافيّ والخوف من الآخر.

في صعودٍ رهيب لهويّاتٍ جامحة يرطُنُ قَتَلَةٌ بلغاتٍ ليست لغاتهم الأمّ ويتوّعدون العالم في مقاطع يبثّونا من أصقاعٍ بعيدة عن مساقط رؤوسهم بوافرِ الخراب، تُسبى نساءٌ وتقام أسواق نخاسةٍ وتُغتَصب أخريات على مرأى من نظر العالم الغائب.

في مشاهد أخرى يتحدّث مرّشحون رئاسيون عن حملاتِ تطهيرٍ ثقافيّ ويبشّرون جمهورا ذاهلا ببلاد نظيفة من الآخرين، وبجدران عازلة يشيّدونها على نفقتهم أيضا.

نرى ذلك وتداهمنا أسئلة حرجة وقديمة حولَ ما يدفع بالبشر إلى هذه الانحرافات وما الذي يستنهِض هذه النزعات التدميرية من سحيقِ النفس البشرية؟

ثمّة ما يدفع لأن نستذكِرُ ما أورَدَه الروائيّ العبقريّ أمين معلوف في كتابه (غير الروائي) “الهويات القاتلة-قراءات في الانتماء والعولمة”، وبالرّغم من أنّ الكتاب الذي صدرت ترجمته العربية سنة 1999 أي منذ سبعة عشر عاما، إلاّ أنّ محتواه وأفكاره يكتسبان بُعدا استشرافيا وقُدرَة تنبّوئيّة بمرور الوقت، لكأّنه نبيذٌ فكريٌ كلّما تعتّق ازدادت قيمته ولذّته وأثرُه، يتساءل معلوف في متنِ كتابه عن الأسباب التي تدفع بالبشر من كافة البلدان ومن كافّة الطبقات والمعتقدات إلى التحوّل بسهولةٍ فائقةٍ إلى قَتَلة؟ وإذا كان المتطرفّون من كلّ المذاهب ينجحون بسهولةٍ بالغة في فرض أنفسهم كمدافعين عن الهوية.. فذلك لأنّ المفهوم القَبَلي للهوية ما يزال سائدا حتى الآن، كما يرى معلوف، ولعلّ هذا ما يفسّر التدهور المريع الذي يشهَده العالم.

في معرِضِ تشريحه للتدميرية البشرية يذهب إيريك فروم إلى الاعتقاد بأنّ نزوع الإنسان نحو التدمير هو طبعٌ تُخلَق له كل الظروف لكي يتطّبعه بنو البشر في عصر “الإنسان الحديث”، وليس بغريزة تحكمنا دون أن نجد مفرا منها، خُلقت معنا لتلازمنا نحو “مصيرٍ محتوم هو الفناء”، غيرَ أنّ المفارقة المحزنة تكمن في أنّ العالم وفي غمرة الصعود المحموم للهويات الجامحة، لا يريد أن يصغي لمقترحات الفكر أو الأدب أو الفن، إذْ يسير العالم بعجلات قوّة عمياء.

أليسَ هذا الجنون المتصاعد الذي يطوّق حياتنا شكلا من أشكال التعبير عن جروح عميقة في الهويّة الفردية والإنسانيّة، تراكمت عبر عقود من الإهمال والتغاضي الذي مارسه العالم المتحضّر تجاه البقاع المأزومة من العالم، تاركا إيّاه يرزح تحت وطأة التخلّف والقمع؟ أليس هذا الإمعان في الحيلولة دون هؤلاء البشر وحقهم في حياة كريمة عبرَ عقود من الاضطهاد والإهدار مدعاة لجنون بشريّ لا يبقي ولا يَذَرْ؟

ثمّة أسئلةٌ لا يجابُ عليها بالطائرات ولا بالقنابل الذكيّة أو الغبيّة، ولا بتحالفات تقذف أطنانا موّلتها جيوب الفقراء وبطونهم الخاوية، مع الوقت تزداد الحاجة إلى تواصل فكريّ وثقافي عالميّ ينَحّي الحمقى جانبا في سبيل إنقاذ البشرية من صعودهم.

كاتب من سوريا مقيم في لندن

12