صعود اليمين الشعبوي يهدد صورة هولندا المتسامحة

تعد هولندا من أكثر دول أوروبا نجاحا في مجال اندماج المهاجرين، وخصوصا أولئك المنحدرون من دول إسلامية، إلا أن الانتخابات البرلمانية القادمة تنذر بتغيير هذه الصورة في حال صعد اليمين المتشدد المعادي للمهاجرين، حيث يشارك النائب خيرت فيلدرز في هذه الانتخابات التي ستشكل اختبارا حقيقيا للاتجاهات السياسية في أوروبا بالتوازي مع الانتخابات في فرنسا وألمانيا.
الأربعاء 2017/03/01
نظرة تنضح عداء

أمستردام – عاش خيرت فيلدرز في بيوت مؤمنة تحت الحراسة على مدار 24 ساعة لحمايته من المتطرفين الإسلاميين الذين هددوا بقتله، وذلك منذ أن وصل رجال الشرطة فجأة إلى بيته مساء يوم في عام 2004 لحمايته هو وزوجته بعد الغضب الذي تسبب فيه فيلم قام بإنتاجه، حمل عنوان “فتنة” مسيء للمسلمين.

وفي وقت سابق من ذلك اليوم، أطلق متطرف النار على المخرج السينمائي ثيو فان جوخ وطعنه وكاد يفصل رأسه عن جسده، واعتبرت السلطات أن فيلدرز مرشح ليكون الهدف التالي لكثرة انتقاده للإسلام. ويتصدر اسمه قوائم أهداف طالبان وتنظيم القاعدة.

لكن، لم تزده قرابة 13 عاما تحت قيد الحراسة المتواصلة إلا اقتناعا بأفكاره، التي يرى أن الوقت حان لتطبيقها مع صعود موجة الشعبوية واليمين المتطرف في العالم الغربي.

والآن يريد فيلدرز (53 عاما) وقف هجرة المسلمين إلى هولندا وإغلاق كل المساجد وحظر القرآن الذي يشبهه بكتاب أدولف هتلر “كفاحي”.

وأصبح السياسي الهولندي، الذي يحب الأضواء ويمشط شعره بطريقة مميزة، قاب قوسين أو أدنى من قيادة أكبر الأحزاب في البرلمان الهولندي بعد الانتخابات التي ستجرى الشهر المقبل، الأمر الذي ستكون له تداعيات خطيرة على المهاجرين في هولندا وعلى أوروبا التقليدية القلقة من صعود فيلدرز وأنصاره من ممثلي اليمين المتشدد.

واستبعدت أحزاب أخرى إبرام ائتلاف معه، الأمر الذي سيبعده على الأرجح عن الحكومة خاصة منذ إدانته في ديسمبر بالتحريض على التمييز وذلك لقيادته حشدا جماهيريا ينادي بتقليل عدد المغاربة. وقبل أسبوعين أعاد ترديد هذا المطلب، مستهدفا إحدى أهم الجاليات في هولندا.

ويقول رئيس الوزراء مارك روته، المنتمي إلى يمين الوسط، الذي سبق أن قاد حكومة أقلية استبعد منها فيلدرز لكنه اعتمد على تأييده، إنه لن يعمل قط معه لأنه “معاد لحريات مجتمعنا وقيمه”، غير أن احتمال أن يعزز فيلدرز مكانته حتى وهو خارج السلطة يزعج مسلمي هولندا الذين يشكلون خمسة في المئة من السكان.

وقالت دنيا جاري، الناشطة الهولندية من أصل مغربي، التي تساعد الشباب المسلمين المثليين من الجنسين والمتحولين جنسيا، على التكيف مع أوضاعهم “الأمر لا يتعلق بحرقه المصاحف أو إغلاق المساجد فعليا لأننا نعرف أن هذا مستبعد جدا، لكن مع نشره الكراهية لن يصبح هو هدفا بل يمكن أن أصبح أنا هدفا في الشوارع لشخص يشاركه أفكاره”.

رغم تشبيه فيلدرز في الكثير من الأحيان بآخرين من خارج المشهد السياسي الرئيسي من أمثال اليمينية الفرنسية مارين لوبان والبريطاني نايجل فيراج المناهض للاتحاد الأوروبي أو للرئيس الأميركي دونالد ترامب، فقد خرج هو من قلب المشهد السياسي في هولندا.

فيلدرز قاب قوسين أو أدنى من قيادة أكبر الأحزاب في البرلمان الهولندي بعد الانتخابات التي ستجرى الشهر المقبل

من قلب المشهد السياسي

عندما قتل فان جوخ عام 2004، كان فيلدرز انسحب من حزب يمين الوسط الرئيسي بسبب معارضته لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

وفي فبراير 2006، أسس حزب الحرية الذي يتزعّمه وجمع بين الوعود التحررية لزيادة حدود السرعة في القيادة وبين الخطاب المتشدد المناهض للمسلمين.

وعرفت أمستردام لفترة طويلة بكونها نموذجا ناجحا لمدينة أوروبية تتعايش فيها الثقافات المختلفة بتناغم.

ويرى أغلب الهولنديين أن الانفتاح والتسامح الديني من الخصال الأساسية لدى الشعب في بلد يعيش على التواصل مع العالم ويجوب البحار.

وقد كانت هولندا ملاذا أوروبيا للاجئين منذ القرن السادس عشر، عندما انفصل الهولنديون وغالبيتهم من البروتستانت عن إسبانيا الكاثوليكية وكرسوا دولتهم الجديدة للحرية الدينية ووفروا الحماية للأقليات بمن فيهم يهود إسبانيا، إلا أن موجة الخوف من الإسلام وصعود اليمين المتشدد تهدد بتغيير ملامح هذه الصورة.

ويزعم فيلدرز أن “العقيدة الشمولية” في الإسلام هي التي تهدد هذا التسامح ذاته. ويشعر بحماس شديد تجاه الشرق الأوسط منذ قضى فترة في مزرعة تعاونية إسرائيلية (كيبوتز) في فترة المراهقة، ويقول إن معارضته للإسلام تنبع من مقارنة انفتاح إسرائيل بجيرانها.

وبمرور الوقت ازدادت معارضة حزبه للإسلام حتى أن ثلث برنامج الحزب المكون من صفحة واحدة أصبح مخصصا لهذا الأمر.

عندما دخل خيرت فيلدرز الحياة السياسية عام 1990 دون أن يكون حاصلا على شهادة جامعية بعد أن أمضى فترة في العمل في مجال التأمين الصحي، حدث ذلك بصفته متخصصا في السياسات الاجتماعية كان يقدم المشورة لأصحاب التيار الليبرالي حول سبل خفض إعانات البطالة التي كانت في غاية السخاء في هولندا حينذاك.

ويتذكر زملاؤه أنه كان يتصرف كخبير يتمتع بتمكن سياسي محنك من تخصصه الفني وليس لديه الوقت للمناسبات الاجتماعية. وبدأ حزبه بداية مماثلة في مسار تكنوقراطي مؤيد لقطاع الأعمال.

وعلى مدار سنوات العزلة ازدادت المساحة الخاصة بمناهضة الإسلام في هذا البرنامج. وبموجب نظام حمايته يجلس أعضاء حزبه بالكامل في منطقة خاصة مؤمنة في البرلمان معزولة عن بقية النواب كما يحظر عليهم زيارة حانة البرلمان.

ويجلس أمام باب مكتبه حارسان مسلحان. حتى وهو يزور أسرة زوجته في بودابست يتم تجهيز بيوت مؤمنة لاستخدامها في حالات الطوارئ.

وتتحول عزلته إلى استعداد لخوض مسار منفرد في الحياة السياسية. فقد كان سببا في انهيار حكومة الأقلية برئاسة روته عام 2012، وذلك برفضه تأييد تخفيضات الإنفاق الاجتماعي الضرورية لتلبية قيود الإنفاق في الاتحاد الأوروبي فاستعدى بذلك طبقة سياسية تثمن الإيجابية قبل أي شيء آخر.

احتمال أن يعزز فيلدرز مكانته حتى وهو خارج السلطة يزعج مسلمي هولندا الذين يشكلون خمسة في المئة من السكان

ورغم حصول حزبه على نحو 17 في المئة أي ما يكفي لكي يخرج الحزب من الانتخابات كأكبر الأحزاب فقد قال فريتس بولكستاين، الذي كان يقود الليبراليين عندما كان فيلدرز يعمل في ما يخص السياسات في الحزب، إن عقليّته ليست العقلية المناسبة لدخول الحكومة.

وأضاف أنه “ليس مستعدا لإجراء التغييرات الضرورية للحكم بسبب تكوينه العقلي. إذا كنا نريد أن نحصره في حجمه الطبيعي فلنكلفه بمسؤولية. فإذا أدار وزارة كبيرة فسيفشل على الأرجح”. ولجأ شقيقه بول إلى التغريد على تويتر كما أجرى أحاديث مع وسائل إعلامية لكي ينأى بنفسه عن سياساته. وقال بول فيلدرز، لقناة آر.تي.إل نيوز، “الاستغلال السياسي للاضطرابات الاجتماعية شيء خطر. فمن يعرضون أفضل الفاكهة تألقا في السوق يبيعون في الغالب أكثر البرتقال سموما”.

وأشار بول فيلدرز إلى أنه على الرغم من معارضته الشديدة لأخيه، فإنه يشعر بالتعاطف معه؛ لأنه ليس سعيدا ولا يعيش حياة صحية، فرغم كل شيء تبقى رابطة الأخوة قائمة، ولذلك يشعر بول بالشفقة تجاه شقيقه الأصغر خيرت.

عاشق لعبة النرد

كبر فيلدرز في أسرة كان هو أصغر أطفالها في ليمبورج التي يغلب عليها الكاثوليك في جنوب شرق هولندا، حيث تمتد الأراضي الهولندية بين بلجيكا وألمانيا وهي منطقة تعتبر من التقاطعات الرئيسية في الأزمنة الغابرة.

وكان والده مديرا في شركة أوسي لمعدات الطباعة التي اشترتها شركة كانون اليابانية في ما بعد. أما والدته فكانت ابنة جندي ولدت في إندونيسيا عندما كانت إندونيسيا ذات الغالبية المسلمة مستعمرة هولندية. وهو يقول إن والديها كانا هولنديين أما هو فكان له أبناء عمومة من الإندونيسيين مزدوجي العرق وإن تلك الخلفية الدولية أثرت في تنشئته.

وأدمن فيلدرز السفر بعد رحلته الأولى إلى الشرق الأوسط فجاب شرق أوروبا وزار إيران مرارا أثناء عمله لحساب الليبراليين. ويتذكر لازلو ماراش، الأكاديمي المجري من أصل هولندي، الذي ساعده خيرت فيلدرز في كتابة تقرير في التسعينات عن حقوق الأقليات المجرية في شرق أوروبا، أن السياسي الهولندي كان يحب أن يلعب ألعاب النرد ذات التحديات الشديدة من أجل الاسترخاء.

والصورة التي يقدمها غيرت فيلدرز للناخب من خلال حملته الانتخابية تركز على شخصيته المتواضعة القريبة إلى المواطن، وتصوره كهولندي أصيل واثق بنفسه.

ومن خلال هذه الحملة يستغل فيلدرز تعاظم موجة معاداة الإسلام في هولندا، بحسب أندريه كروفيل، أستاذ العلوم السياسية في جامعة أمستردام الحرة، إذ يرسم فيلدرز صورة قاتمة لحرب عالمية بين الإسلام والمسيحية.

ويضيف كروفيل “إنه يتهم المهاجرين بالتسبب في الأزمة الحالية، وبأنهم يدمرون قيمنا المسيحية”. وتجذب هذه الاتهامات بعض الناخبين الهولنديين، وخصوصا في ظل تصاعد موجة الإرهاب وارتفاع نسبة البطالة والوضع الاقتصادي المترنح في مختلف بلدان أوروبا، وهولندا ليست بمعزل عنها.

6