صعود اليمين في الانتخابات الأوروبية يفاجئ الألمان ويحفز الفرنسيين

الثلاثاء 2014/06/03
انتخابات البرلمان الأوروبي تُشعل أُوار الصراع بين اليمين واليسار

أحدث صعود الأحزاب اليمينية الملفت في انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة هزة في السياسة الأوروبية، تواترت إثرها التصريحات والتصريحات المضادة حول سبب هذا الصعود “في غير وقته”، والذي وإن لم يتحصل على الأغلبية الساحقة من مقاعد البرلمان، إلا أن اليمين المحافظ أعاد انتشاره بشكل أوسع من ذي قبل.

وقد اتجهت الأنظار مباشرة إلى محاور الاختلاف بين اليمين الوسط واليسار الذي يحدد السياسات الأوروبية في الوقت الراهن، واليمين الأوروبي الآخذ في الصعود. ولعل أولى نقاط الاختلاف تكمن أساسا في الجدوى من الاتحاد الأوروبي ذاته.

وتصر الأحزاب الحاكمة في الدول الأوروبية الكبرى كألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا على ضرورة دعم الوحدة الأوروبية ومزيد تحفيز التنافس وتسهيل المبادلات. بينما يرى اليمينيون المحافظون أن القوميات الأوروبية المختلفة، يجب أن تبقى في تباين وأن تعود المصالح إلى دولها الأم، إلى جانب قضايا أخرى أكثر عمقا مثل سياسة الهجرة التي يرى المحافظون الصاعدون أنها وجبت إعادة النظر فيها لصالح التخفيض في نسبة المهاجرين والحد من تأثير الثقافات المهاجرة على حساب الطابع الثقافي الأوروبي.

هذه المحاور وأخرى، كانت دافعا لصراع سياسي محتدم بين المنتصرين إليها والمعارضين لها. ولعل أبرز شخصيتين يمكن أن تمثلا هذا التباين هما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل اليمينية الوسطية والأمينة العامة لحزب الجبهة الوطنية الفرنسي (يميني متطرف) مارين لوبان.


صعود اليمين يدعو إلى الدهشة



أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في تصريح لها بُعيد إعلان نتائج انتخابات البرلمان الاتحاد الأوروبي، عن شعورها “بالدهشة” لصعود أحزاب اليمين المتطرف والمجموعات المناضهة لليورو واتفاقية “شانغان” المتمخضة عن اتفاقيات وحدة السوق المشتركة بين دول الاتحاد الأوروبي. وأكدت المستشارة الألمانية في معرض حديثها، أنه “على جميع المواطنين الأوروبيين ألا يفقدوا الثقة في أوروبا الموحدة والمتنوعة".

أنجيلا ميركل: سياسية ألمانية وزعيمة الاتحاد الديمقراطي المسيحي، ولدت سنة 1954 وعاشت معظم شبابها في ألمانيا الشرقية الشيوعية، تتولى منذ 22 نوفمبر 2005 منصب مستشار ألمانيا

وأضافت أن خيار البقاء على حالة التكاتف بين الدول سوف يجنّب الجميع فقدان أوروبا لمكانتها الدولية وقوتها بين باقي التكتلات الإقليمية في العالم. وأكدت أنه على الأحزاب الحاكمة في أوروبا الآن أن تعيد النظر في سياساتها وعلاقاتها بناخبيها، ما يدفع نحو مزيد الثقة المتبادلة وتحقيق معدلات نمو أكبر وخلق فرص عمل للجميع.

وخلال مؤتمر صحفي آخر عقد في اليوم ذاته ببرلين، صعّدت ميركل من لهجة خطابها تجاه المجموعات اليمينية التي تنتمي إلى المجتمع المدني في بعض الدول والأحزاب. وصرحت قائلة، إنه “من المؤسف صعود الأحزاب الشعبوية وأحزاب اليمين المتطرف وحصولها على دعم قوي في الانتخابات”.

وقد أثار هذا التصريح جملة من ردود الأفعال الساخطة والرافضة خاصة من الأحزاب اليمينية المسيحية المتطرفة والقوميين داخل ألمانيا وفي دول أوروبية أخرى أهمها فرنسا.

وقالت ميركل إن الخطوة القادمة هي استعادة ثقة الناخبين وتعزيز ثقة المواطنين في الاتحاد الأوروبي، وأن يكون التوظيف والتنافسية والنمو من أهم الموضوعات بعد المحادثات بين حزب الشعب الأوروبي ومجموعة التحالف التقدمي للاشتراكيين والديمقراطيين ذات الميل اليساري وإن نجاح تكتلها في ألمانيا وحزب الشعب الأوروبي في أوروبا، يعتبر “نتيجة قوية” تعبّر حسب رأيها عن تمسك الألمانيين بخيارات التوجه الأوروبي الذي جعل من ألمانيا دولة محورية ليس في السياسة الأوروبية فقط، بل في ملفات دولية عديدة، وأكدت المستشارة في الحين ذاته على أنها لن تتعامل مع الأحزاب اليمينية في أي مجال من المجالات، في خطوة اعتبرها مراقبون تصعيدا خطيرا لم يصدر عن “المرأة الحديدية” من قبل، بل هو ينذر فعلا بتحدي ميركل للداعين إلى فك الارتباط مع الاتحاد الأوروبي، كما ترى أن التعاون مع حزب البديل لألمانيا “غير مرغوب فيه”، حسب تصريحها.

وفي لقاء جمعها بإحدى الصحف المحلية الألمانية، أبدت ميركل دعمها لرئيس وزراء لكسمبورغ السابق وأبرز مرشح لحزب الشعب الأوروبي، جان كلود جونكر لرئاسة الاتحاد الأوروبي ووصفته “بمرشحنا”، وقد عرف عن “جونكر” تمسكه الشديد بالاتحاد الأوروبي.

وأكدت ميركل أن ما حدث في الدول الأوروبية من انتخابات يعد “زلزالا سياسيا” بكل المقاييس، ولم تتوقع أن الناخبين الأوروبيين قد يصوتون لليمين بهذه النسبة. وفي تصريحها للصحيفة الفرنسية “لوفيغارو”، أكدت ميركل على أنها تخاف من أن الانتماء إلى فكرة الاتحاد الأوروبي قد بدأت بالتدهور، “فقد خسر المنتصرون لهذه الفكرة العديد من المقاعد والحظوظ والمواقع داخل أروقة القرار".
حصيلة اليمين من المقاعد في البرلمان، هي زلزال سياسي حقيقي، فالذين صعدوا هم شعوبيون وغير مقدرين للوضع الأروبي

وأكدت عديد الصحف الصادرة خاصة في فرنسا، أن صعود اليمين في أوروبا عموما وفي فرنسا بشكل لافت، أقلق فعلا المستشارة الألمانية التي قالت في الصدد، إن “مسار الرئيس هولند سليم، ولكن لا يجب أن تقف الدعوات الانغلاقية أمام مصلحة الشعوب خاصة الألمانية والفرنسية".

وكتب العديد من النقاد والمراقبين أن هذه المساندة التي تبديها ميركل لفرنسوا هولند، تعتبر من “النوادر التي تقوم بها ميركل تجاه الرئيس الفرنسي”، نظرا للاختلاف بينهما في ما يتعلق بالسياسات الاقتصادية الداخلية.

وتعيد المستشارة الألمانية تأكيدها في كل تصريح عقب إعلان نتائج الانتخابات أن الوضعية القانونية والسياسية، يجب أن تتغير حسب المعطيات الجديدة التي طفت على الساحة، وذلك “للتصدي إلى محاولات عرقلة اليمين للمنجزات التي وصلت إليها جهود أجيال لبناء الاتحاد الأوروبي”.


على الجميع إعادة حساباتهم في سياسات اليسار غير المجدية

لم تكن رجة بالمعنى الذي ذهبت إليه الصحف اليسارية الفرنسية، فقد مهد صعود اليمين الفرنسي (خاصة حزب مارين لوبان في ذاته) العديد من المؤشرات والانتصارات في الانتخابات البلدية السابقة، حيث تمكن حزب الجبهة الوطنية اليميني من الفوز ببلدية إينين ـ بومون شمال فرنسا والتي تعرف بأنها بلدية “يسارية بامتياز".

مارين لوبان: سياسية فرنسية ترأس حزب الجبهة الوطنية منذ سنة 2011 وهي مرشحة الحزب للانتخابات الرئاسية 2012. درست المحاماة وانتخبت عضوا في البرلمان الأوروبي سنة 2004

وبعد الإعلان عن نتائج الانتخابات في العديد من الدول الأوروبية والتي باحت بفوز اليمين واليمين المتطرف بجزء هام من مقاعد البرلمان الأوروبي فاقت النسب السابقة بكثير، صرّحت مارين لوبان اليمينية الفرنسية، بأنه “على فرنسوا هولوند أن يعيد إجراء انتخابات جديدة على المستوى الوطني”. وجاء هذا التصريح بعد النتائج الانتخابية، حيث تساءلت مارين في تصريحات صحفية متحدثة عن الرئيس هولوند، “ماذا يستطيع أن يفعل غير العودة إلى الشعب وإقرار النسبية، لكي يتمكن كل فرنسي من أن يكون ممثلا في الجمعية الوطنية (البرلمان) وطبعا إجراء انتخابات تشريعية جديدة".

ووجهت مارين لوبان في مداخلاتها العديدة التي أعقبت إعلان النتائج، رسائل عديدة إلى الجهات الأوروبية والدولية بشكل عام وخاصة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي وصفت صعود اليمين بـ”صعود الشعوبية” قائلة، إن “اليمينيين صعدوا في أوروبا لأن الشعوب تراجعت ذاتها الآن تجاه المنجزات التي تحققت، وأي مكاسب جنتها من الاتحاد الأوروبي وكثرة المهاجرين".

وأشادت مارين لوبان بالانعكاسات التي ستترتب عن الفوز “التاريخي وغير المسبوق” لليمين في فرنسا، وذلك بإشارتها إلى الأزمة التي حلت بالحزب الاشتراكي، حيث خرج حوالي 40 عضوا عن صمتهم عندما انتقدوا علنا وفي العديد من البرامج التلفزية، سياسات هولند في الاتحاد الأوروبي وجملة القوانين المنتظر طرحها بداية من هذه الصائفة على الجمعية الوطنية والمتعلقة بالميزانية، وقد عرف هذا التحرك من قبل أعضاء الاشتراكي بـ”نداء المئة".

وتعليقا على ذهاب هولوند إلى اجتماع أوروبي مشترك في العاصمة البلجيكية بروكسل، قالت لوبان إن “هولوند سوف يصاب بإحراج كبير عندما يلتقي شركاءه خاصة وأن فرنسا قد أرسلت نسبة أكبر من اليمينيين إلى البرلمان الأوروبي".

وأكدت لوبان في تعليقها عن الوضعية السياسية الأوروبية في ظل صعود اليمين، أن “ألمانيا لها هامش كبير للمناورة لأنها في موضع قوة، وهي تتمسك بالحلول الإصلاحية ومواصلة مخططاتها للوضع الراهن والمستقبل المنظور، عكس دول أخرى لها وضعية صعبة، ولا يمكنها أن تدخل في دوامة التقشف وهذا ما ورطنا فيه فرنسوا هولوند".

وفي سياق الحديث عن استراتيجيتها السياسية بعد هذا الفوز، أكدت لوبان أنها متجهة إلى بروكسل لتناقش “تحالفات متينة” مع أحزاب يمينية أوروبية أخرى للضغط على التوازنات داخل البرلمان الأوروبي، خاصة مع اليمين الهولندي الذي نجح نسبيا واليمين الإيطالي الذي شهد صعودا لافتا على حساب التشكيلات اليسارية الموجودة. وأشارت رئيسة الحزب اليميني إلى أن أعضاء حزبها والمؤيدين له “ليس لهم أي شك في أن تتواصل موجة صعود اليمين على المستوى الأوروبي العام، وأن مستقبل فرنسا سوف يعود للفرنسيين".
اليمينيون صعدوا في الانتخابات لأن الشعوب تراجع ذاتها وأية مصلحة لهم في هذا الوضع المتردي الناتج عن حسابات خاطئة

ووصفت مارين لوبان فوز حزبها بـ”الكاسح والتاريخي” والذي بلغ نسبة 25 بالمئة من نسبة الأصوات لصالح مرشحيها فقط، وتمكن حزب الجبهة الوطنية بذلك من مضاعفة نتائجه 4 مرات مقارنة بانتخابات 2009. وتواصل لوبان توصيفها لما وصل إليه اليمين بالقول، إن كل الأحزاب اليمينية قد مثلت “وحدة رائعة وقدمت أداء مميزا في إقناع الناخبين بصحة وجهة نظرنا، وذلك رغم معارضة النظام والصحافة والقوى المتحالفة معهم لنا، إذ لم يتركوا الجبهة الوطنية تعمل بشكل جيد في فرنسا، ولكن رغم ذلك تمكننا من أن نقول للفرنسيين ولمن هم في السلطة في ألمانيا وكل أوروبا، بأننا قادرون على التغيير نحو الأفضل”.


انتخابات البرلمان الأوروبي بين انتشاء اليمين وإحباط اليسار


أظهرت النتائج، تصدر حزب الجبهة الوطنية (اليمين الفرنسي المتطرف) للانتخابات الأوروبية بفرنسا بـ25 بالمئة من الأصوات أمام حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية (اليمين الجمهوري) الذي فاز بـ20 بالمئة من الأصوات، فيما جاء الحزب الاشتراكي الحاكم في المرتبة الثالثة بـ14 بالمئة من الأصوات.

وبهذه النتائج يكون اليمين المتطرف الفرنسي قد حقق فوزا غير متوقع، بعد ذلك الذي حققه في الانتخابات البلدية التي جرت في شهر مارس الماضي عندما فاز بـ10 بلديات.

ووصف رئيس الحكومة الفرنسية، مانويل فالس، فوز حزب مارين لوبان “بالزلزال السياسي”. وصرّح بأن فرنسا وأوروبا “تعيشان لحظة صعبة وصعبة جدا. تقدم اليمين المتطرف وارتفاع نسبة المقاطعة يعبّران عن قلق وتعب الفرنسيين من السياسات المتبعة في أوروبا وفرنسا منذ سنين وقد ظهر جليّا أننا نعيش أزمة ثقة كبيرة".

فوز اليمين في الانتخابات الأوروبية أجبر اليسار على اعادة حساباته بعمق

وواصل رئيس الحكومة الفرنسية تصريحاته وقد لاح الحرج على تقسيمات وجهه أن فوز اليمين أزعج الحكومة بشدة، وإن نتائج الانتخابات “تجاوزت مستوى الإنذار وهي بمثابة رسالة موجهة لجميع المسؤولين السياسيين، فعليهم أن يتحركوا بسرعة”.

وأضاف فالس مخاطبا الفرنسيين، أنه “على الجميع أن يتأكد من مساعي الحكومة الحثيثة إلى تحسين الأوضاع، وأنه لا مناص من تحمل المسؤولية بشكل جماعي".

وبذلك يؤكد رئيس الحكومة أن السلطة فعلا عاجزة عن تخفيض حدة غضب الفرنسيين الذي عبروا عنه في مناسبتين انتخابيتين، هما الانتخابات البلدية التي جرت قبل 8 أسابيع والتي صعد فيها اليمين والانتخابات الأوروبية التي أدت إلى النتائج نفسها.

وأكد فالس، أن “الفرنسيين يريدون العيش في أوروبا قوية تكون أكثر تضامنا مع شعوبها وأكثر عدالة، داعيا إلى مواصلة الإصلاحات التي كشف عنها في خطاباته أمام الجمعية الوطنية والإسراع في تنفيذها بكل شجاعة”. من جهتها، عبّرت زعيمة حزب اليمين المتطرف مارين لوبان عن سعادتها وفرحتها بالنتائج التي حصل عليها حزبها. وقالت في تصريح أمام الصحفيين، “أشكر كل الفرنسيين الذين صوتوا لصالح حزبنا.

لقد أرادوا بهذا التصويت توصيل رسالة مفادها أنهم يريدون إدارة شؤون بلادهم بأنفسهم وأن يتحكموا في مستقبلهم”. وواصلت، “الفرنسيون يرفضون القرارات التي تأتي من خارج فرنسا أو أن يدير شؤونهم موظفون لم يواجهوا صناديق الاقتراع".

وأشارت إلى أن حزب الجبهة الوطنية أصبح اليوم الحزب الأول في فرنسا، داعية في الوقت نفسه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بشكل غير مباشر إلى الأخذ بعين الاعتبار نتائج الانتخابات الأوروبية وتغيير تركيبة الجمعية الوطنية لتكون أكثر تجانسا مع القوى السياسية المتواجدة على الأرض.

وواصلت لوبان تصريحاتها متوجهة إلى الفرنسيين قائلة إن “النضال من أجل فرنسا كبيرة وقوية، يجب أن يكون قاسمنا المشترك وعلينا أن نتوحد، إذ لا يمكن بناء اتحاد أوروبي ضدنا وضد الشعوب التي تعيش فيه.

علينا أن نبني أوروبا الشعوب، وإذا كانت ألمانيا القلب الاقتصادي النابض، ففرنسا تظل القلب السياسي النابض أيضا”.

12