صعود اليمين والخطاب الفاشي أهم مظاهر فشل التحديث الأوروبي

العلمنة الفاشلة يمكن أن تقود إلى نقيضها بنسبة كبيرة، فالأمر في ظاهره لا يتجاوز وضع أسس قانونية ومؤسساتية لفصل الخطاب الديني عن السياسي وإرساء مبدأ المواطنة بعيدا عن الطائفية والدينية. لكن هذه القيم إذا لم يؤسس لها بتهيئة ثقافية وشعبية واسعة وصحيحة تتقبل الفكر الحداثي وتطوره لصالح الإنسان فإن عملية التحديث والعلمنة تلك تتحول إلى طاقة من السخط على الدولة والنقمة على النظام والقانون والمؤسسات، ويصبح مسار التحديث والعلمنة مسارا لملاحقة الإرهاب وعلاج التطرف ومحاربة الطائفية، وهذا ما أكده الباحث الهندي بانكاج ميشرا.
الثلاثاء 2015/11/03
تظهر الشعارات العنصرية الأوروبية في شكل عنف رمزي يستهدف المسلمين

برلين- ذكر المؤلف والمحلل الهندي بانكاج ميشرا، أن الإسلام يتم تحميله مسؤولية إشكاليات أكثر تعلقا بالتحديث الأوروبي الفاشل، وقد أكد أن مسار التحديث الأوروبي يأخذ دائما شكل ثنائية “تحقيق التناغم الداخلي للوصول إلى قوة خارجية”، وفسر ذلك بالقول إن “العلمانية الأوروبية لا تهدف إلى أفق إنساني بقدر ما تهدف إلى تحقيق استقرار مجتمعي للتفرغ إلى باقي العالم والهيمنة عليه”.

وحول مدى تأثير مواقف المواطنين العلمانية على العلاقة بين أوروبا وجاليتها المسلمة، أكد ميشرا أنه بفقدان أوروبا لتجربة التدين من خلال تفكيك ارتباطها الحاسم بالمسيحية وتجرد المواطنين من الصبغة الدينية وفقدانهم الإيمان الديني بالمسيحية، أصبح من الصعب عليهم أن يفهموا أن الأخلاق بالنسبة إلى الكثير من الناس في الزمن الحالي – وليس للمسلمين فقط – شكل من أشكال الوجود في العالم، الذي لا يمكن أن ينبع فعليا إلا من الدين والمعتقدات الدينية لدى بعض الشعوب والتصورات، وهذا ما خلق جدرانا بين الدولة ومواطنيها من ذوي الديانة الإسلامية وهذا الجدار تلاحقه الآن الأجهزة الأمنية للقضاء على الجماعات المتطرفة عوض أن تؤسس الدولة الأوروبية الآن منهجا آخر في التعاطي مع الشأن الديني والتدين.

وأضاف الباحث ميشرا قائلا “أعتقد أن هذا يثير مشكلة كبيرة في الفهم في أجزاء واسعة من أوروبا، بما أن أوروبا فقدت هذه التجربة، وعدد قليل جدا من الناس ظل متدينا كما في الماضي، وهنا تقف العلمنة حائلا دون فهم الناس بعضهم لبعض”.

وحلل المفكر الهندي في هذا السياق كيف أن العديد من الآراء والبحوث الاجتماعية تؤكد أن ظاهرة الدين في المجتمع تعد عنصرا رئيسيا لتحقيق شرط الانتماء و”المشترك” وهو الشرط الأول والرئيسي لتكوين المجموعة وبالتالي المادة الأولى للدولة والمواطنين، وقال إن “العلمانية الأوروبية في صيغتها الحالية تمكن، إلى مدى بعيد، من حقوق المواطنة والحريات وسيادة القانون لكنها على المدى البعيد سوف تشكل عقبات أمام إدماج أتباع أديان أخرى مثل المسلمين”.

بانكاج ميشرا: فشلت أوروبا في تنمية الدين كونه "المشترك" لتكوين مجتمع متماسك

وأشار ميشرا إلى أن مسألة التعايش والتسامح بين الأديان المكونة للمجتمع الواحد نلاحظ تراجعها اليوم خاصة في أوروبا الغربية، وبشكل سلبي في كامل المسار. وحلل ذلك بالقول إن المجتمع الأوروبي قام بثورة تحديثية عمرها قرون الآن منذ ثورة الأنوار إلى الآن، لكنها انقلبت في جزء أول إلى عنصر قوة داخلية أدت إلى الاستعمار، أما الآن في هذه الحقبة فهي مرتدة إلى “نزعة عنصرية يغذيها اليمين الفاشي في مناطق عديدة في أوروبا لعل أبرزها حركات معاداة الهجرة في كل من ألمانيا وهولندا والأحزاب اليمينية ذات الخطاب المتطرف في فرنسا وأسبانيا وإيطاليا وغيرها”.

وفي سؤال حول سبب تركيز كثير من الساسة والشخصيات المؤثرة على الاختلاف بين “أوروبا والإسلام” علما بأن التاريخ يثبت أن أوروبا تأثرت كثيرا بالديانتين الإسلامية واليهودية، قال ميشرا “أعتقد أن ذلك يظهر بالفعل أعراض فشل فكري في المقام الأول، وتقصيرا في فهم ماضي أوروبا، أي إدراك كيفية تعامل أوروبا مع ظهور الحداثة العلمانية والتحول الكبير للصناعة، وكانت هذه أحداث هائلة، اقتلعت ملايين البشر وعرضتهم لظروف جائرة ولأزمات اقتصادية متتالية”.

وذكر بانكاج ميشرا الظروف التي تأسست فيها الفاشية والنازية والنظام الفرنكوني (نسبة إلى الجنرال فرنكو) في أسبانيا، وهي ظروف شبيهة بالواقع الحالي والتي اتسمت باستفحال الأزمة الاقتصادية في العالم الغربي بعد أزمة الثلاثينات وردود الأفعال المتطرفة والتي ظهرت في شكل أنظمة سياسية أدت إلى نشوب الحرب العالمية الثانية التي دمرت جزءا كبيرا من الإنجاز البشري.

هذه “السلبية المزدوجة” حسب ميشرا والمتمثلة في ردود الأفعال المتطرفة على الواقع الاقتصادي الصعق والتي تستهدف المسألة الدينية في علاقتها بالمجتمع والمواطنة، وتحميل الإسلام أو الدين بشكل عام مسؤولية إشكاليات تتعلق أكثر بالتحديث الفاشل جعلت من العلمانية الأوروبية الحالية محل تشكيك، وذلك انطلاقا من شعورها بالتفوق وتحميلها غير المعلن لمسؤولية التخلف والدونية لدين واحد دون غيره ولمليار ونصف المليار من البشر.

وختم الباحث الهندي بانكاج ميشرا حديثه الذي وجهه إلى إحدى الصحف الألمانية قائلا “إن مطالبة المسلمين بإصلاح أنفسهم، وضرورة خوض عملية إصلاح للإسلام هي مطالبة مبنية على خرافة، كأن المطالبة تنفي التغير المؤلم والدموي بشكل كبير، الذي سببه الإصلاح في أوروبا” وأضاف أنه “ينبغي علينا ألا نتمنى هذا المسار لأي شعب آخر، ومع ذلك يتم إطلاق هذه المطالبة مرارا وتكرارا، بحجة أن الإصلاح قد جعل الغرب شعبا أفضل، لذا يذكر أن على المسلمين الخضوع للإصلاح والتخلي في نهاية المطاف عن دينهم، لكن لن يترك أحد دينه فقط لأن الأوروبي ينتظر ذلك”.

13