صعود اليمين وانتحار أوروبا: الحرب على الإرهاب تغير وجه العالم

تشهد أوروبا أزمات متتالية في السنوات الأخيرة ربما تفوق توقعات صناع القرار؛ إذ فقد الاتحاد الأوروبي العضو البريطاني المهم في غمرة تصاعد وتيرة الأعمال الإرهابية منذ أكثر من سنة بشكل مركز، حتى أن البعض من المراقبين أكدوا حتمية صعود اليمين المتطرف مرة أخرى في إحدى الدول المركزية للاتحاد، الأمر الذي يعيد إلى الذاكرة مسارا طويلا من الحروب قد ينتهي إلى إنتاج شكل جديد للعالم.
الأربعاء 2016/07/20
الإرهاب يغير شكل الخرائط أيضا

تونس - أعلن تنظيم الدولة الإسلامية الثلاثاء مسؤوليته عن الاعتداء الذي نفذه طالب لجوء أفغاني يبلغ من العمر 17 عاما، بفأس وسكين على متن قطار في ألمانيا، وهو أول هجوم يتبناه داعش على الأراضي الألمانية. وقبل يوم واحد من هذه العملية الإرهابية، أعلن المدعي العام الفرنسي فرانسوا مولان أن منفذ هجوم نيس الإرهابي محمد لحويج بوهلال زار مواقع إلكترونية متعلقة بعنف المتطرفين في الأسابيع التي سبقت الهجوم. وقال مولان إن لحويج بوهلال كان لديه اهتمام معين في الفترة الأخيرة بالحركات الجهادية.

لم تهدأ الساحة الإعلامية قطّ طيلة أسبوع، خاصة وأن محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا زادت من الضغط الإخباري العالي، لتخرج أخبار أخرى الثلاثاء عن عملية إطلاق نار في مدينة سبالدينغ شرق بريطانيا أودت بحياة عدد من الأشخاص من بينهم مطلق النار. وعلى بعد المئات من الكلمترات جنوب غرب سبالنديغ، لا يزال حزب العمال البريطاني يشهد صدمات متتالية بعد اغتيال النائبة في البرلمان البريطاني جو كوكس في يونيو الماضي، التي اغتيلت برصاص أحد القوميين المتطرفين في بلدية بريستال عندما كانت تقوم بحملة حزبها لتشجيع الناخبين على التصويت لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي.

التاريخ يعيد نفسه

الخلاصة من هذه الأخبار السريعة أن نسبة العنف والإرهاب بتعريفه الواسع شهدت تطورا عالي التركيز في مدة وجيزة وفي أنحاء مختلفة من أوروبا، وهذا لا يعكس سوى حقيقة ملموسة هي أن العالم يعيش تغيرات حادة وجذرية في بنيته وسياساته وتحالفاته ومواقف شعوبه من بعضها البعض، تماما كما حدثت تلك التغيرات على مدى قرن من الزمن؛ الحرب العالمية الأولى، فالأزمة الاقتصادية، فصعود الفاشية والنازية، فحرب عالمية ثانية، فتقسيم جديد للقوة في العالم مع الحرب الباردة، ثم استفراد الغرب بالهيمنة الأحادية واستئناف رحلة البحث عن عدو جديد يكون مبررا للنشاط العسكري الأميركي.

موجة العنف العالية التي يشهدها العالم اليوم وفي أماكن مختلفة تذكر بحقبة بداية القرن العشرين التي كانت مقدمة لمسار طويل من التغيرات الجيوسياسية في العالم حتى وصلنا إلى اللحظة الراهنة. فقد أدى اغتيال ولي عهد امبراطورية النمسا والمجر فرانس فرديناند على يد الطالب الصربي غافريلو برينسيب سنة 1914 إلى نشوب الحرب العالمية الأولى التي أودت بحياة 9 ملايين شخص.

التغيرات التي يشهدها العالم اليوم تأتي أحيانا نتيجة عمليات "ذئاب منفردة" إرهابية تقوم بالضرب هنا وهناك لتحريك نعرة التعصب لدى الطرف المقابل فتنمو النزعة الانفصالية

وقد انتهت تلك الحرب بتوقيع اتفاقية فرساي التي ألجمت القوة الألمانية وحاصرت نفوذها وقوتها العسكرية، وبقي حلم الهيمنة الألمانية راسخا في عقول القوميين إلى أن تضافرت عوامل الأزمة الاقتصادية في بداية الثلاثينات من القرن الماضي مع صعود التيار النازي الذي تأثر بالفاشية الإيطالية، فأصبحت أوروبا مهددة باندفاع شخصيتين قوميتين متعصبتين يمكن أن تحولا العالم إلى مجزرة كبرى، بينيتو موسوليني وأدولف هتلر، وهو ما وقع بالفعل مع الحرب العالمية الثانية التي أودت بحياة 85 مليون شخص.

انتهت الحرب الكبرى الثانية وبدأت معها حرب من نوع آخر تتمثل في الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي الشرقي والرأسمالي الغربي، انتصر فيها المعسكر الغربي بمجرد انهيار جدار برلين وإعلان غورباتشوف نهاية الاتحاد السوفييتي، لتستولي الولايات المتحدة الأميركية بمفردها على العالم، وتبدأ معها رحلة البحث عن عدو جديد لتبرير نفسها وإيجاد نشاط يومي تقوم به ليحافظ رأس المال العولمي على وجوده، وهذا العدو الذي تبحث عنه وأوجدته ليس سوى الإرهاب الإسلامي المتطرف.

ولئن كانت الحروب الكلاسيكية التي ذكرت، الحرب العالمية الأولى والثانية والحرب الباردة، قد انتهت كلها إلى تغيير في بنية العالم وشكله وعلاقاته الجيوسياسية، فإن “الحرب الكونية الثالثة” التي نعيشها اليوم حسب تعبير وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر سوف تنتهي إلى تغيرات عميقة في العلاقات بين الدول وطبيعة تحالفاتها وتكيفها مع التطور السريع وغير المسبوق لسباق التاريخ نحو المجهول.

تغيرات جديدة

انفصلت بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي وقد ظهر الأمر بوضوح بعد تولي تيريزا ماي رئيسة الوزراء الجديدة قيادة الحكومة البريطانية مكان ديفيد كاميرون. أوروبا في هذه الحالة تخسر مجالا جغرافيا وسياسيا وتاريخيا هاما على مستوى الشمال وتبحث بشكل جدي الآن عن التوسع في مكان آخر لتعويض غياب بريطانيا العظمى. وحسب بعض القراءات الجيوستراتيجية فإن البديل الجديد عن بريطانيا سيكون منطقة شمال أفريقيا، بعد أن توسع الاتحاد شرقا ليضم أغلب الدول التي كانت تحت لواء الاتحاد السوفييتي سابقا.

لقد أدت طبيعة الحرب الجديدة التي يعيشها العالم بعد انهيار المعسكر الشرقي إلى وقوع خسائر كما في باقي الحروب وتغيرات جغرافية بدّلت أوجه مناطق عديدة في العالم لعل أهمها منطقة الشرق الأوسط بعد احتلال العراق سنة 2003. ومن الطبيعي وفق المقاربة التاريخية السياسية أن تحدث ارتجاجات كثيرة في الوقت الحالي نتيجة الحرب العالمية على الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية. وفي هذا السياق يأتي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ليعلن بدء ظاهرة التغير الجغراسياسي التي ترافق كل حرب عالمية (مثلما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية).

هنري كيسنجر: الحرب الكونية التي نعيشها اليوم ستنتهي إلى تغيرات أكثر عمقا من سابقاتها

يتجانس هذا التحليل مع طبيعة الحرب ذاتها، فهي حسب صناع القرار العالمي حرب موجهة ضد الإرهاب، أي أن كل الهجمات الإرهابية التي تحدث سواء في المناطق العربية أو الأوروبية أو الأميركية تعتبر هجمات محتملة ومتوقعة باعتبار أن مضمون الخطاب الحربي الغربي يركز على ظاهرة التطرف والإرهاب الديني.

هذه البديهة تؤكد أن التغيرات التي يشهدها العالم اليوم بهذا الحجم الضخم من التأثير في حياة الشعوب والسياسات والحكومات وموازين القوى العسكرية تأتي أحيانا نتيجة عمليات “ذئاب منفردة” إرهابية تقوم بالضرب هنا وهناك لتحريك نعرة التعصب لدى الطرف المقابل فتنمو النزعة الانفصالية.

وبذلك تشهد التكتلات الكبرى في العالم نوعا من التفكك نتيجة التخوف من اختلال التوازن الأمني بفعل الانفتاح الإقليمي، وهو ما حدث في ذهن الرأي العام البريطاني، الأمر الذي أدى إلى التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. أوروبا بعد خروج بريطانيا مجبرة الآن على إيجاد من يملأ الفراغ، إما إحدى القوى الكبرى التي لها نفس الوزن البريطاني فتدخل في الاتحاد ويعود التوازن إلى سابق عهده، وهذا احتمال مستحيل نظرا لعدم وجود هذه القوة البديلة في الفضاء الجغرافي الأوروبي، و إما أن يكون التوسع جنوبا في اتجاه دول جنوب البحر المتوسط التي ستكون مكانا لإعادة تجميع اللاجئين العرب وإعادة العمال العرب والمسلمين إلى دولهم وخاصة شمال أفريقيا، وأيضا ربما تكون تونس والجزائر والمغرب دولا قابلة لترويج عملة اليورو فيها فيتوسع نفوذ العملة في مساحات جغرافية أكبر.

ثم إن اللاتوازن السكاني الناجم عن اختلال فرص العمل والازدهار في دول الاتحاد الأوروبي سوف ينعكس على حياة الدول؛ إذ تشهد إيطاليا مثلا هجرة مكثفة نحو ألمانيا والدول الاسكندنافية. كذلك تشهد بعض المدن الألمانية تركيزا لجنسيات من أوروبا الشرقية تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي ولا تملك رأس مال معرفيّا أو مختصّا للعمل فتكثر البطالة وبالتالي تظهر تجمعات سكنية عشوائية وباقي الظواهر الاجتماعية المرتبطة بذلك.

لعل العالم يقترب من نهاية فترة الحرب الثالثة ولا أحد يعرف طبيعة الحرب العالمية القادمة، فربما تكون الحرب الأخيرة في تاريخ الإنسان.

صحافي تونسي

7