"صعود جوبيتر" أوبرا فضائية لا تخلو من معارك

ليس جديدا ذلك الولع المتأصل بالعوالم الأخرى غير المرئية، ذلك الفضول الفطري الذي يدفع الفرد إلى التحليق في فضاءات ذلك الكون الفسيح واستجلاء أسرار أكوان ومجرات ظلت طويلا سرا مجهولا، من هنا عالجت سينما الخيال العلمي هذه الثيمة في أكثر من فيلم هوليوودي، “صعود جوبيتر” واحد من هذه الأفلام الحديثة التي تناولت العوالم غير المرئية.
الاثنين 2015/05/11
الكوكب الأرضي رهينة تحرره فتاة اسمها "جوبيتر"

في فيلم “صعود جوبيتر” أو “صعود زحل” للمخرجين لانا واندي لاتوفسكي (صدر في فبراير 2015)، تظهر السماء مطرزة بالنجوم، ولكنها تبعد مليارات السنوات الضوئية، ويبدو باحث مولع بالفلك والنجوم يراقب حركتها مذهولا من خلال تلسكوبه، وهو يكاد يتجمد وسط برد سان بطرسبيرغ، ليعلن أنه سحر وجمال كوني بلا حدود، ويقرر أن يسمي طفلته القادمة باسم أجمل الكواكب وأضخمها “جوبيتر”، وفيما هو يستعد لولادة طفلته الأولى تداهم منزله إحدى عصابات السرقة وترديه قتيلا.

“لقد ولدت من دون أب ومن دون وطن”، هذه هي الكلمات التي تعبر عنها الطفلة ثم الشابة اليافعة الجميلة “جوبيتر” (الممثلة ميلا كونيس)، وتشاء الأقدر أن ينتقل إليها ذلك الولع بالكواكب والمجرات إلى امتلاكها خواص فضائية لم تكن تتبيّنها، فهي منذ طفولتها تتطلع إلى الكواكب والنجوم، ولا أحد سيشعر بذلك إلاّ أقوام من كوكب زحل نفسه، الذين سيحاولون اختطافها بأية طريقة، فهي الهدف المقبل لهم.

جوبيتر التي تعيش في كنف عمتها وتعمل في تنظيف أحد بيوت الأثرياء وتغسل الحمامات وتشعر بالقرف والازدراء من كل شيء، تقرر يوما ما أن تبيع بعض بويضاتها مقابل المال، وخلال ذلك يحضر جنود فضائيون لغرض اختطافها.

هنا سنكون أمام كاين (الممثل تشاننغ تاتوم) وهو إنسان كوني فريد، فهو نصف بشر ونصف إنسان آلي، يسعى إلى إنقاذ الفتاة جوبيتر من رغبة الإنسان الأسطوري باليم (الممثل إيدي ريدماين)، ذلك الذي يسيطر على مجرة نائية تشمل زحل، ويرغب في التخلص من الفتاة باختطافها وقتلها، لأنها بسبب مميّزاتها الفضائية قادرة على تهديد النظام الكوني برمته والسيطرة حتى على الأرض، وهو ما لا يريده باليم.

الفيلم يقدم دراما مشوقة من خلال المزج بين الحياة على الأرض والحياة على الكوكب الافتراضي النائي

يستمر الصراع سجالا بين كاين وجوبيتر من جهة، وباليم من جهة أخرى ويصل إلى ذروته من خلال اختطافهما، ولكن سينجح كاين في تحرير نفسه من قبضة باليم ومن ثم تخليص جوبيتر كذلك.

خلال ذلك يقدم الفيلم دراما مشوقة من خلال المزج بين الحياة على الأرض والحياة على الكوكب الافتراضي النائي، وفي محور كل ذلك ملاحقة الفتاة جوبيتر وترقب اللحظة المناسبة للإجهاز عليها، يتم تصوير هجوم حراس باليم وجنوده مثلا من قبل كاترين صديقة جوبيتر، ولكن لدى فشل الهجوم يمارسون قدراتهم لمحو أي أثر للصور، لكي لا يتم التعرف عليهم.

ولا يتوقف نزاع باليم مع جوبيتر، إلى درجة أنه يقدم على اختطاف أسرتها رهينة، لغرض استدراجها أو مساومتها، وذلك لدى محاولتها العودة إلى بيتها الأرضي، وخلال ذلك يقع نوع من التناغم والانسجام ما بين جوبيتر وكاين.

وهو ما يعكس تنويعا في الشخصيات الغرائبية التي تختلط حواسها وأفعالها بين الوجود الإنساني وكائنات الكواكب الآلية، ويجري الاشتغال على ذلك النوع من التهجين في تقديم العديد من الشخصيات الفيلمية في كونها مزيجا بين البشر وبين الكائنات غير البشرية، أو المختلطة وهو ما يراد الاستفادة منه بتوظيف قدرات جوبيتر غير العادية.

الصراع المتصاعد يدفع باليم إلى المطالبة بكوكب الأرض برمته والسيطرة عليه، معتمدا على قدرته وقدرات أتباعه في الإجهاز على خصومهم، ولهذا ستكون المساومة بين جوبيتر وأسرتها من جهة وبين الكوكب الأرضي من جهة أخرى.

ما يلفت النظر فضلا عن العناصر الفنية المميزة التي تم زجها لغرض إقناعنا بحقيقة ذلك الصراع المرير بين جوبيتر وخصمها

ليس هنالك متسع كبير للقراءة الواقعية للأحداث هنا، فما هي إلاّ سيرة من سير الخيال العلمي التي تجعلك مأخوذا بمتعة الاكتشاف، لا سيما وسط نجاح ملفت في بناء المكان وفي العناصر الجمالية للبيئات المختلفة، وملامح كوكب زحل الغرائبية، وكأنها متعة سياحية تتنقل بنا إلى تلك العوالم المجهولة.

وفي الوقت نفسه ثمة اشتغال على أحاسيس الشخصيات وردود أفعالها وتعبيراتها التي تتباين بتباين حقيقتها البيولوجية، مع أننا سنشهد في بدايات الفيلم اللقاء العائلي بين باليم وشقيقه، وكأنهما في مملكة من الممالك المترفة، كائنات بشرية اعتيادية تعيش في مكان غير معتاد ولا مألوف، أما حواراتهما فلا تذهب أيضا إلى ما هو خارج المعتاد، حتى نصل إلى تلك الانتقالات الحادة الممثلة في الصراع مع جوبيتر، والسعي بكل الطرق إلى الوصول إليها.

ولعل ما يلفت النظر فضلا عن العناصر الفنية المميزة التي تم زجها لغرض إقناعنا بحقيقة ذلك الصراع المرير بين جوبيتر وخصمها، هو التحول في الشخصيات نحو بدائل ملفتة للنظر، كمثل إنبات جناحين لكاين قصد التخلص من كيانه الجسدي، وهكذا تجري الأحداث سجالا لتعود جوبيتر إلى طبيعتها الأولى ومكانها الأثير سيدة الأرض ولتتغلب على باليم.

الفيلم ينتمي إلى ما يطلق عليه “أوبرا فضائية” من إنتاج أسترالي أميركي، وهو لا يخرج عن إطار أفلام صراعات ومغامرات المجرات والكواكب، ولكن بمقاربة مختلفة حفلت بتحولات ومغامرات في الشخصيات والأماكن مما وفر للفيلم نجاحا في صالات العرض.

16