صعود دونالد ترامب: أزمة ما بعد الحداثة أم لعنة الإسلام السياسي

الاثنين 2016/11/14

لن نجانب الصواب إذا قلنا، لقد أصبح الإسلام، وتحديدا الإسلام السياسي، حاضرا بقوة في النقاش الثقافي والسجال السياسي داخل مجتمعات أوروبا الغربية وأميركا الشمالية، بل لعل الموقف منه يوشك أن يصبح حاسما في تحديد نتائج الانتخابات واتجاهات التصويت، ولربما يقود إلى إعادة رسم الخارطة السياسية داخل جل المجتمعات المتقدمة. فسواء تعلق الأمر بالرئاسيات الأخيرة في أميركا والتي أفضت إلى صعود دونالد ترامب، أم بالاستفتاء الأخير في بريطانيا والذي أفضى إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أو تعلق الأمر بمجمل الأجواء السياسية داخل مختلف البلدان الغربية، يمكننا أن نسجل دون أدنى تحفظ أن الموقف من الإسلام عموما، ومن الإسلام السياسي على وجه الخصوص، أصبح حاضرا بقوة، بل حاسما في الكثير من الأحيان. وبالجملة، لقد انتقل الإسلام من مجرّد “مسألة شرقية” إلى “مشكلة غربية”.

في الواقع ثمة أزمة عالمية في مواجهة الإرهاب الإسلاموي المعولم. على أننا لا يجب أن ننسى أيضا أن صعود اليمين واليمين المتطرف في أكثر من بلد يحيلنا إلى أزمة اليسار العالمي، الذي وإن كان مقنعا في مواجهة الفاشيات الغربية، وعلى رأسها النازية والستالينية، إلا أنه لم يعد مقنعا في مواجهة الفاشية الإسلاموية.

وطالما أن صعود اليمين مرتبط بقضايا تتعلق بتأويلات معيّنة لما يعنيه الإسلام في نظر من يحملون لواءه عنوة وانتحالا (الإرهاب، الجهاد، الذبح، التفجير، التهجير، السبي، الحجاب، إلخ)، فإن الوجه الآخر للمسألة يحيلنا إلى أزمة اليسار العالمي في التعاطي مع تلك التأويلات، والتي يبدو أنها تأبى أن تكون مجرّد ظواهر عابرة.

ولكي لا نضيق الرؤية فقد كان اليسار بمثابة الرحم الذي أنجب معظم الاتجاهات الثقافية المعاصرة (اليسار الماركسي، اليسار النيتشوي، يسار الأقليات، الحركة النسائية، الحراك البيئي، ما بعد الحداثة، الفلسفة النقدية، ما بعد الكولونيالية، النسبية الثقافية، إلخ)، ما يعني في الأخير أن أزمة اليسار لن تكون في أحد أهم أوجهها سوى أزمة ثقافية داخل روح الحضارة المعاصرة.

لكن، وحتى لا يغمرنا الإحباط الذي نحن إليه ميّالون، لا يجب أن ننسى دينامية الديمقراطية الأميركية، والتي تعد أضخم وأسرع آلة انتخابية في العالم، بحيث تشهد انتخابات كل يوم، وطنيا، جهويا، محليا، وفي مستوى كافة المجالس والهيئات التمثيلية والمدراء والمسيرين والحكام على امتداد التراب الأميركي، بل تجري الانتخابات حتى في مستوى المؤسسات العمومية، فضلا عن دينامية إنتاج الأفكار والنظريات والتشريعات في كل لحظة وحين، كل ذلك يحمي الديمقراطية الأميركية من هيمنة أي منظومة شمولية شعبوية كما هو الحال في بعض الدول الغربية الأخرى.

وبالفعل، فقد سبق للمحافظين الجدد أن سيطروا إبان حكم بوش الابن على أجهزة الدولة، غير أن دينامية الآلة الانتخابية نفسها والقدرة على تجديد الأفكار سرعان ما عجلتا برحيلهم.

يقول باشلار، تاريخ العلم هو تاريخ أزمات العلم. بلا شك فإن تاريخ الحداثة السياسية هو أيضا تاريخ أزمات الحداثة السياسية.

إن مواجهة الأزمات بذكاء مفتوح بدل إنكارها هي التي تحقق التقدم نحو الأفضل. هذا بالضبط ما يجعل من أميركا المكان المؤهل لتقويم مسارات الثقافة الغربية والحضارة المعاصرة، وذلك باعتراف حتى كبار فلاسفة فرنسا، والذين على العموم لا يبدون مشاعر الحب إزاء بلاد العم سام.

لا شك أن الأزمات عامل إحباط داخل المجتمعات المغلقة لكنها عامل تقدم داخل المجتمعات المفتوحة. يقول لوك فيري: في كل يوم هناك أشياء تموت وأشياء تولد. تلك هي دينامية الحياة.

غير أن المتشائم يركز نظره على الأشياء التي تموت، ويركز المتفائل نظره على الأشياء التي تولد. مشكلتنا الفيزيولوجية كبشر أننا لا نستطيع أن نركز نظرنا في اللحظة الواحدة سوى على نقطة واحدة. لذلك، نحتاج إلى النظر من عدة زوايا متنوعة.

في كل الأحوال، نعرف أن أميركا تساهلت، بل تواطأت، زمنا طويلا مع الإسلام السياسي بمختلف ألوانه وأطيافه، سواء تعلق الأمر بصقور التشدّد المهيمنين على الكهنوت الوهابي في الخليج، أو غلاة التيار القطبي المهيمنين على تنظيم الإخوان المسلمين، أو رواد التعليم الديني المؤدلج في الشرق الأوسط والمراكز الدينية بالضواحي الغربية؛ بل تغاضت أيضا عن خطوط إمداد شبكات النصرة في سوريا، وداعش في العراق، وبوكو حرام في نيجيريا، وعن القنوات الدولية لصرف أموال الزكاة، والمخيمات العلنية لتفريخ الجهاديين التكفيريين في أكثر من مكان، وكل ذلك إما بدعوى “الحرية الدينية” (من وجهة نظر حقوقية)، أو بدعوى العمل على احتواء وترويض وإعادة تدوير تيارات الجهاد التكفيري (من وجهة نظر سياسية)، أو بدعوى الحد من نفوذ روسيا عن طريق الشيشان، ونفوذ الهند عن طريق باكستان (من وجهة نظر جيوستراتيجية)، أو بدعوى شل فعالية مقاومة دول الجنوب للعولمة الرأسمالية (من وجهة نظر أيديولوجية)، أو بدعوى حصر مخاطر الإرهاب التكفيري في مناطق محدودة (من وجهة نظر أمنية)، أو بدعوى عدم فرض نفس المعايير الحقوقية والأخلاقية على كل الثقافات (من وجهة نظر فلسفية)، ما انتهى في الحساب الأخير إلى تراخي الحضارة المعاصرة أمام تغول الجهاد التفجيري، ومن ثمة استفحال مظاهر الرعب المعولم الذي استوطن قلوبا لم تسعفها التطمينات السياسوية.

يتعلق الأمر برعب معولم يستدعي مساءلة الجميع: الإسلام السياسي بكافة جذوره الثقافية الإسلامية، والنسبية الثقافية بكافة مرتكزاتها ما بعد الحداثية.

لقد راهن أوباما بوضوح على أن أصدقاءه في الشرق الأوسط من القوى السنية الرئيسية في المنطقة سيقدمون كل الدعم الممكن للقضاء التام على الإرهاب الإسلاموي قبل موعد الانتخابات الأميركية، أو هكذا كان الرهان على العالم السني بالذات حتى لا تصبح الحرب على الإرهاب حربا طائفية، ويكون الأمر بمثابة هدية مجانية للمتطرفين الكامنين والظاهرين.. لكن، في مقابل هذا الرهان المعقول والمقبول، ماذا فعلنا نحن داخل العالم السني؟ أخذنا الكرة وجرينا بها إلى خارج الملعب: العرب السنة وجّهوا جهدهم بالكامل نحو قتال الحوثيين في اليمن، ثم لم ينجحوا في منع التكفيريين من قطف بعض ثمار الحرب في الحساب الأخير، أما الأتراك السنة فقد انصرفوا بالكامل إلى قتال الأكراد داخل سوريا والعراق لفائدة التكفيريين في الحساب الأخير، ومناهج التعليم الديني لا تزال هي هي، وخطب الجمعة لا تزال هي هي، والفضائيات الفتنوية لا تزال هي هي، والأدهى أن داعش أصبح يرسل مقاتليه إلى داخل العواصم الغربية، حيث يجد على الأرجح ما يشبه البيئة الحاضنة، وهي رسالة سيئة للرأي العام الغربي. وبعد كل هذا وجهنا اللوم إلى أوباما لأنه لم يكن حازما من أجلنا كما ينبغي! ثم أعدنا توجيه اللوم إلى الناخب الأميركي بعد التصويت على ترامب الذي ربّما سيكون حازما معنا أكثر مما ينبغي! وأخيرا بدأنا نعطي الدروس الخصوصية للأميركيين!

بكل تأكيد، ستكون معركة التنويريين الغربيين عموما، والأميركيين على وجه الخصوص، هي معركة تقويض خطاب العنصرية الكامن في الثقافة الغربية والذي ينتج أمثال ترامب في أميركا، ولوبين (الأب والبنت) في فرنسا، وغيرهما، لكن ليست هذه هي مهمتهم الوحيدة، إنما سيكون عليهم أيضا وبالأساس تقويض خطاب النسبية الثقافية الذي انتهى إلى نوع من التراخي أمام المتطرفين والمتخلفين بدعوى حقوق الأقليات، أو عدم وجود معايير كونية للحق وللواجب، أو بدعوى أن القيم الأميركية (ما بعد الكولونيالية) لا تسمح بالتدخل إلا في حدود دنيا (نهج باراك أوباما)، لا ننسى أن زوج هيلاري كلينتون قد لُقّب في إحدى المرات بأنه أول رئيس ما بعد حداثي في التاريخ. عموما، فإن التراخي “ما بعد الحداثي” أمام الفاشية الإسلاموية يكاد ينتهي إلى نوع من الانحطاط الحضاري، والذي يشبه ذلك الانحطاط الذي سبق أن حذر منه نيتشه.

صدقا نقول، إن تفكيك الخطاب الإمبريالي قد ساهم إلى حد بعيد في تحرير الحضارة المعاصرة من “سلطة الحقيقة”، لكنه يوشك أن ينتهي في الأخير إلى اختلال للتوازن من نوع آخر، حيث بدأ يمنح نوعا من الحصانة لثقافات تضطهد الأفراد أو النساء أو الأطفال بدعوى نسبية الحقيقة، واختلاف المعايير، واحترام الخصوصية، وحقوق الأقليات، إلخ. والأدهى أن الأصوات الإصلاحية داخل تلك الثقافات نفسها تصبح هامشية وغير مسموعة.

في المقابل، ستكون معركة التنويريين المسلمين هي معركة تقويض خطاب الكراهية الكامن في الثقافة الإسلامية والذي يوشك أن يشعل فتن التفجير والتهجير في كل مكان، ويهدد الأمن والسلام إقليميا وعالميا.

ذلك أنّ القدرة على العيش المشترك تستدعي مساءلة جميع الأطراف، وتستدعي أساسا أن يسائل كل واحد نفسه أوّلا.. فلننظر في المرآة إذا.. لننظر جيدا إلى وجوهنا في المرآة. هذا هو المطلوب.

كاتب مغربي

9