صعيد مصر نموذج لحرمان النساء الصارخ من الميراث

الخميس 2013/12/05
الحرمان من الميراث يرتبط ببعض السلوكيات والعادات الخاصة بالزواج

القاهرة – أمام تعالي الأصوات المنادية بمزيد من المساواة بين الرجل والمرأة في كل شيء حتى الميراث الذي يمثل أحد أهم حقوقها، يُسلب العديد من النساء من هذا الحق الذي كفله الشرع.

كشفت دراسة مسحية حديثة قام بها الدكتور عصام الزناتي عميد كلية حقوق جامعة أسيوط في مصر عن حرمان أهل الصعيد المصري للنساء من الميراث، وتوصلت الدراسة إلى أن حرمان النساء في صعيد مصر من ميراثهن يحدث في الأسر المسلمة والمسيحية على حد السواء كما يحدث أيضا بين الفئات المتعلمة تعليما عاليا والمتمسكة بتعاليم الدين في القرى والمدن ويسرد الزناتي في دراسته أسباب حرمان "الصعايدة" للنساء من ميراثهن وتداعيات ذلك الحرمان والحلول المطروحة لتعويض النساء المحرومات عن ميراثهن.

ومن الظواهر اللافتة التي رصدتها الدراسة ميل "الصعايدة" إلى حرمان النساء من ميراثهن في الأراضي الزراعية بالدرجة الأولى يليه حرمانهن من إرثهن في البيوت أو العقارات وذلك في محاولة للحفاظ على الأراضي الزراعية من التفتيت خاصة إذا ما كانت المرأة صاحبة الإرث متزوجة من خارج أبناء العائلة أو القبيلة لأن ملكية الأراضي الزراعية في الصعيد تعد معيارا للثروة والوجاهة والمكانة الاجتماعية للعائلة والتي يحرص "الصعايدة" على المحافظة عليها وحمايتها من التجزئة وتلجأ بعض العائلات في الصعيد إلى تعويض النساء عن ميراثهن من الأراضي والبيوت بقليل من المال والذي لا يساوي في الغالب جزءا يسيرا من ميراثهن حتى لا يبدو في نظر الآخرين أنهم خالفوا الشرع الذي أقر حقوق النساء في الميراث بينما يتجاهل البعض هذا التعويض كليا.

وأشارت الدراسة إلى أن محافظة أسيوط نموذج لحرمان النساء الصارخ من ميراثهن على الرغم من أنها من أولى محافظات الصعيد التي دخلها التعليم مبكرا حيث أنشئت بها جامعة أسيوط عام 1949 وتلاها إنشاء فرع لجامعة الأزهر فضلا عن انتشار الكتاتيب والتعليم الديني في شتى قراها ومدنها والتي منها تخرج شيخ الأزهر الراحل الشيخ حسانين مخلوف.

الحرمان من الميراث لا يؤدي في معظم الاحوال الى توتر العلاقات الاسرية باعتباره عرفا سائدا او مقبولا وانما قد يخلق ضيقا مكتوما

وخلصت حلقة نقاشية عقدها صاحب الدراسة مع 50 طالبا وطالبة من طلبة جامعة أسيوط ومن أبناء المحافظة نفسها إلى أن حرمان المرأة من الميراث لا يشكل إجماعا وإن كان في مجمله يعد ظاهرة ترقى في الغالب إلى مرتبة العرف السائد، وأن قيام بعض الأسر بتوريث المرأة يظل هو الاستثناء على الأصل العام وأن الحرمان يعد أكثر شيوعا في مراكز جنوب أسيوط وتقل حدته في مراكز الشمال وأن هذا الحرمان لا يعكس رغبة في تجاوز النصوص الدينية حيث تتميز هذه المجتمعات بالحرص على مراعاة القواعد الدينية واحترامها لذا يصاحب دائما حرمان المرأة من الميراث تبريرات وسلوكيات للإيحاء بعدم مخالفة الدين ويعكس ذلك حالة من الازدواجية في مسلك العائلات بمحافظة أسيوط، فعلى الرغم من حرصها الشديد على الظهور بمظهر المجتمعات المحافظة والملتصقة بالمعايير والقيم الدينية وتأكيد الممارسة العلنية لأداء العبادات إلا أنها لا تتوقف كثيرا عند النصوص الدينية التي تنظم مسائل الميراث وأن حرمان المرأة من التوريث لا يقتصر على الأسرة المسلمة بل يطبق، وإن كان بصورة متفاوتة، داخل الأسر المسيحية.

ويجري العرف في بعض العائلات عند توزيع تركة الأب المتوفى على عدم حرمان الأم من ميراثها وكذلك الفتيات اللاتي لم يتزوجن بعد، في حين يتم حرمان الأخوات المتزوجات ومرد ذلك يرجع إلى استقرار الأم عادة داخل منزل العائلة وتمتعها بالنظر لكبر سنها بهالة من الاحترام والتقدير تمكنها من القدرة على التأثير في صناعة القرار داخل الأسرة، فضلا عن الاعتقاد بأن ما ترثه الأم في هذه الحالة سوف يؤول بعد وفاتها إلى الأبناء، الأمر الذي يدفعهم إلى القبول مؤقتا بحيازتها لهذا الجزء من التركة، أي ميراثها الشرعي، أما الفتيات اللاتي لم يتزوجن بعد فيتم تحديد أنصبتهن على أن يتولى إدارتها الأخوة الذكور بقصد استخدام عائدها في الإنفاق عليهن وتجهيزهن للزواج. وفي كثير من الأحوال يكتفي بما تم إنفاقه على زواجهن من أموال لحرمانهن من الحصول على ميراثهن بعد ذلك.

وأكدت الدراسة أن الحرمان من الميراث يرتبط ببعض السلوكيات والعادات الخاصة بالزواج، ففي بعض الأحيان يتم زواج الفتاة كرها من أحد أفراد العائلة حفاظا على بقاء ميراثها بحوزة نفس العائلة، وقد يتم حرمانها من الزواج خوفا من الحصول على الميراث.

وتوصلت المناقشات إلى أن الحرمان من الميراث لا يؤدي في معظم الأحوال إلى توتر العلاقات الأسرية باعتباره عرفا سائدا أو مقبولا، وإنما قد يخلق ضيقا مكتوما يصعب التعبير عنه، وتعمل المرأة على عدم الإفصاح عن هذا الضيق للأبناء حفاظا على علاقتهم بأخوالهم من ناحية، وخوفا من الخلافات العائلية التي إذا ما بدأت ربما لا تملك هي أو غيرها القدرة على كبحها، خصوصا إذا ما كانت المرأة متزوجة بأحد أبناء عائلة أخرى، بالإضافة إلى أن المطالبة بالحق في الميراث قد يحدث في بعض الأحوال عن طريق المرأة أو زوجها أو أبنائها، وتختلف صور هذه المطالبة وأسبابها حال حدوثها، فقد تطلب ميراثها مدفوعة بالحاجة الاقتصادية أو بتحريض من الزوج، وفي أحوال كثيرة من الأبناء، كما أن الحرمان من الميراث تقل فرصة حدوثه في حالة عدم وجود إخوة من الذكور، حيث ترث البنت الوحيدة أو البنات بصفتهن صاحبات التركة وعدم وجود إخوة من الذكور وأحيانا يتنازل الأقارب الذكور عن نصيبهم في الميراث أو لا يطالبون به إلا بعد سنوات طويلة ولأسباب ذات صلة بمشاحنات عائلية وتصفية حسابات.

كما عقد الباحث حلقة نقاشية مع محامين من أبناء محافظة أسيوط، وخلصت المناقشات إلى أن العائلات التي تمارس مهنا تجارية وحرفية أقل وطأة في ممارسة حرمان المرأة من الميراث من العائلات التي تعتمد على الزراعة، وتتمثل ملكيتها بصفة أساسية في الأراضي الزراعية، وأن ظاهرة عدم التوريث تمتد في بعض العائلات ليس فقط للمرأة، ولكن أيضا لبعض الذكور من أبناء الأسرة، ولا يصل الأمر في هذه الحالة إلى الحرمان الكلي.

21