صغار الحرفيين ينعشون صناعة الفخار بأفكار مبتكرة وتسويق جذاب

شباب صناعة الفخار وصغارها ينقذون مهنة الآباء والأجداد من الانقراض، عبر محاولات تسويق إلكتروني نجحت في إعادة استقطاب محبي المنتجات الطينية إلى المنطقة من جديد.
الخميس 2018/08/30
سرعة تنم عن إتقان ومهارة

القاهرة – تختلط نظرات الكد والبؤس بومضات أمل تتماشى مع وجوه صبية يتطلعون إلى المستقبل بطموحات لا حدود لها، يؤمنون بأنهم قادمون، بل الأقدر في منطقة الفواخير شبه المُهملة على مشارف العاصمة المصرية القاهرة، لأنها محرومة من الاهتمام الحكومي.

نشأ في منطقة الفواخير جيل جديد من المبدعين الصغار، يمتلكون مواهب وأيادي حساسة تُحوِّل الطين إلى حياة.

وما إن أوشكت أحلام الآباء والأجداد على تحقيق المجد الفني والربح المالي المنتظر حتى تدهورت صناعة الفخار في السنوات الأخيرة. وعاد أولاد الصناع الكبار لمساندتهم والترويج كي تصبح منطقتهم مركزا لمحبي الفنون والراغبين في البحث عن الفخار الفريد.

عرفت مصر صناعة الفخار منذ غابر العصور، ولجأ المصريون القدماء إلى الطين لصناعة أواني الطعام، لكن منطقة أو قرية الفواخير تقع تحت سفح جبل المقطم الشاهق، وبالقرب من مجمع الأديان بحي مصر القديمة، ولها رونق خاص، ولم تكن مقصودة ولا مكانا لعمل استثماري ضخم، بل هي رمز لصناعة عريقة تجمع فيها الكثير من الحرفيين لتنتظم نحو مئة ورشة لصناعة الفخاريات بمختلف أشكالها وأحجامها، وتضم العشرات من الأطفال الذين يعملون فيها.

تتحول المنطقة بالتدريج إلى مشروع متكامل لبعث جيل من الصناع الصغار، قادر على تقديم فن لا يعبر عن معاناتهم فقط، إنما يعكس نظرتهم للواقع بقطعة من الطين ومشرط صغير، تتم بهما صناعة أنواع مختلفة من التحف الفنية؛ فوانيس ونوافير وأعمدة وزهريات وأوان للطهي وتماثيل في هيئة طيور وحيوانات برية مختلفة، أشكال هندسية متنوعة، جلها ساهم في صناعتها أطفال وشباب وربما أسر كاملة تمضي ساعات طويلة في التزيين لجذب المارة.

منطقة صناعة الفخار تتحول تدريجيا إلى مشروع متكامل لبعث جيل من الصناع الصغار
منطقة صناعة الفخار تتحول تدريجيا إلى مشروع متكامل لبعث جيل من الصناع الصغار

تتباين مساحات الورش بين مئتي وثلاث مئة متر، تتكون كل واحدة من طابقين، في الطابق العلوي يجلس محترفو الزخرفة خلف كل ورشة حيث يتم تكويم الطين المجلوب من مدينة أسوان جنوبا، ثُم يُطحن في منطقة شق الثعبان بضاحية حلوان المتاخمة للقاهرة، قبل أن يصل إلى أيدي المبدعين البسطاء.

ورغم حالة الانكسار البادية على وجوه المخضرمين من الصناع والحرفيين بسبب سوء الأحوال المادية، وتجاهل الجهات الحكومية لهم، لم تنتقل تلك الحالة إلى الأطفال والصبية الصغار الذين يبدون أكثر نشاطا وانخراطا في العمل من آبائهم.

يظهر محمد بدرالدين ذو السنوات العشر سعيدا وراضيا، وهو منهمك في تخريم فانوس من الطين بهيئة زخرفية يحفظها عن ظهر قلب، مؤكدا لـ”العرب” أنه تعلم المهنة من أبيه في سن السابعة.

التحق بدرالدين بالمدرسة الابتدائية مثل جميع أقرانه من أبناء صناع الفخار رغبة في محو الأمية، غير أنهم يعتبرون التعليم الحقيقي تعلم الحرفة والتفنن فيها.

يحلم الجيل الجديد من الصغار بإنعاش الحرفة القديمة، وإعادة المشتري إليها، كما كان في السابق، ويحمل شباب الحرفيين رؤى مختلفة عن آبائهم في إيجاد حلول جديدة من أجل الترويج للمنتجات الطينية، من ضمن تلك المحاولات التسويق الإلكتروني عبر الإنترنت.

أنشأ شباب القرية العشرات من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، واستغلوا التقدم التكنولوجي، ليقوموا بعرض التصميمات الجديدة والأفكار المبتكرة في التصنيع والزخرفة عبر الإنترنت لجذب الجمهور إلى القرية ومشاهدة آخر الأعمال الفنية البديعة.

ويؤكد أصحاب الورش أن ما صنعه الصغار مؤخرا كان بادرة خير بعد أن أدى نشر صور الأعمال الفخارية إلكترونيا إلى قدوم متخصصين أجانب في الفن للإطلاع على غرائب وعجائب الفخار، خاصة الذي يبدعه الصغار.

مواهب وأياد حساسة تُحوِّل الطين إلى حياة
مواهب وأياد حساسة تُحوِّل الطين إلى حياة

وقال ناصر أبوالهدى -أحد الحرفيين- لـ”العرب” إن باحثا متخصصا في فن الفخار جاء بصحبة زوجته من ألمانيا، وطلبت زوجته مشاهدة عملية تصنيع نافورات المياه الكبيرة التي توضع في صالات الاستقبال في بعض القصور والمنازل الأوروبية، جلست السيدة الألمانية أمام كهل يصب الطين في قالب مستدير وابنه الصغير يقوم بتدوير القالب بشكل سريع، لتجد أمامها خلال دقائق نافورة ضخمة جاهزة للنقش والحرق.

ما يدور على صفحات التواصل الاجتماعي محل اهتمام من شباب المنطقة وصِبْيتها الذين يصرون على إمكانية تعريف العالم بمهاراتهم وفنونهم بصورة أوسع اعتمادا على التكنولوجيا الحديثة.

وذكر إسماعيل محمود -أحد الصناع الشبان- لـ”العرب” “لقد جاء إلينا زبائن كثيرون عن طريق الإنترنت، شاهدوا صور منتجات المنطقة المعروضة وأعجبوا بها كثيرا، وأقبلوا على شرائها”، مضيفا “كنا نعتمد في البداية على الأفواج السياحية وكانت تمر علينا خلال عودتها من زيارة مجمع الأديان أو كنائس مصر القديمة القريبة من المنطقة، غير أنها اختفت بعد ثورة 25 يناير عام 2011، والآن لا يأتي الأجانب إلا عن طريق ما يشاهدونه على المواقع الإلكترونية”.لم يتوقف ما صنعه الصغار من دعاية على الإنترنت عند زيادة عدد الزائرين، إنما صار تصدير منتجات الفخار إلى أسواق ألمانيا وهولندا والولايات المتحدة تخصصا لعدد من مكاتب التصدير التي تحرص على زيارة القرية بشكل دوري لطلب تصميمات بعينها.

كذلك ساهمت عملية الترويج في زيادة الطلب المحلي على منتجات الفخار خاصة بين الشركات العاملة في مجال التشطيبات والديكورات، والتي تطلب نماذج محددة.

عوّض ذلك التراجعَ السابق في الطلب الذي تعرضت له الصناعة قبل عشرين عاما بسبب الإحجام عن شراء القِلال والأواني المستخدمة لتبريد المياه نتيجة ظهور مبردات المياه المعروفة في مصر الكهربائية. كما استبدلت الكثير من ربات البيوت الطواجن الفخارية بأوان حديثة مصنوعة من السيراميك والغرانيت، فضلا عن ذلك أضحى لجوء الأجيال الجديدة من صناع الفخار إلى التكنولوجيا الحديثة من العناصر الأساسية لإبلاغ المسؤولين بمشكلات الصناع، فأصحاب الصناعة يعانون من ارتفاع تكاليف التشغيل، وارتفاع تكاليف النقل، بالإضافة إلى عدم تقنين أوضاع الكثير منهم، ما دفعهم إلى إقامة دعاوى قضائية ضد محافظة القاهرة التي يرون أنها تغالي في تحديد رسوم حق الانتفاع بأماكن يقولون إنهم ولدوا فيها وتوارثوها دون سند ملكية.

تصورات عديدة طرحها باحثون متخصصون في فن الخزف والفخار في الآونة الأخيرة حول اقتراب انقراض مهنة صناعة الفخار في مصر، غير أن تلك التصورات أغفلت دور الصبية الصغار والجيل الجديد في إعادة إحياء الصناعة والوصول بها إلى عواصم الدول الكبرى.

إنقاذ مهنة الآباء والأجداد من الانقراض
إنقاذ مهنة الآباء والأجداد من الانقراض

 

20