صفاء ذياب: النشر الإلكتروني ليس بديلا عن النشر الورقي

الناشر لا يدير ظهره للشعر إكراما للرواية بل للقارئ، والقصة القصيرة لم تفقد بريقها.
الجمعة 2019/06/28
مبيعات الرواية وصلت إلى أدنى مستوياتها وأرقام الطبعات تحايل

ظهرت مؤخرا العديد من دور النشر العراقية متيحة للأدب العراقي مساحة أكبر من الحرية ونوافذ أكثر للانتشار، وهو ما تؤكده الأرقام في ما يتعلق بالأدب العراقي المطبوع في كتب، أدب راح ينسج له صورا جديدة بعيدا عن الصور النمطية المستهلكة له. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الناشر العراقي صفاء ذياب حول واقع النشر ومصاعبه.

صفاء ذياب ناشر عراقي، يملك مكتبة ودار شهريار للنشر في مدينة البصرة، يعتبر قرصنة الكتب سرقة علنية تفشل مشروع النشر على المدى القريب.

وبحسب ذياب، صناعة الكتاب لا يمكن أن تكون من المشاريع الاستثمارية إلا بوجود داعمين رسميين، وهذا غير متوفر لدور النشر التي تموّل الكتاب من مالها الخاص، وحتى يتمكن الناشر من عمل خزين مادي له يمكنه من إصدار الكتب التي يريدها هو ويعتقد بأهميتها، فإن هذا يحتاج سنوات طويلة وصراعا مع المكتبات والمعارض والموزعين.

سوق الكتب

يقول الناشر صفاء ذياب إن المتغيرات التي مر بها الكتاب العراقي كثيرة جدا، فقبل العام 2003 لم تكن هناك أي دار نشر سوى الدور الرسمية التي أرادت أن تقدم خطاب السلطة الحاكمة لا أكثر، غير أن العام 2003 شكل انعطافة جديدة في صناعة الكتاب، فقد ظهرت خلال هذه السنوات القليلة المئات من دور النشر، بعضها له خططه وتوجهاته المعرفية والفنية والجمالية، وبعضها ليس له هدف إلا جمع المال، لافتا إلى أنه لا يمكن الحديث عن النشر العراقي إلا بعد سنوات، لنرى من سيبقى في الساحة الثقافية ومن سينتهي مشروعه، وهذا متعلق بالظروف الاقتصادية والثقافية والمعرفية أيضا.

ويشير ذياب إلى أنه من الصعب فصل ذائقة الناشر وثقافته عن الكتب التي يصدرها، فالمعايير التي تعتمدها أي دار لا تنفصل تماما عن توجهات القائمين عليها، ومن ثم توجهات جمهورها. هناك معايير كثيرة تعتمدها كل دار في اختيار الكتب، وهذا يرجع إلى ما تريده الدار من مجمل إصداراتها والجمهور الذي توجه له هذه الإصدارات. ومن هذه المعايير المستوى الفني ولغة الكتاب ومضمونه، وفي ما بعد أهميته نسبة إلى السياق الذي يُنتج فيه.

صناعة الكتاب لا يمكنها أن تكون من المشاريع الاستثمارية إلا بوجود داعمين رسميين، وهذا غير متوفر حاليا

 وهنا نسأله عن الكتب التي تحقق نسبة مبيعات أكبر للدار، فيقول “بالنسبة إلى دار شهريار، منذ سنتين، وهي عمر الدار، مازالت الكتب الفكرية والنقدية هي صاحبة المبيعات الأعلى، خصوصا إذا كانت كتبا جديدة يحتاجها القارئ، وهذا ينطبق على كتب الأميركي إيهاب حسن، أو باتريشيا ووه، أو الناقدة الفلسطينية أماني أبورحمة، وغير هؤلاء الكتّاب الكثير الذين يحرثون في أرض جديدة وغير مأهولة سابقا”.

ويؤكد الناشر أن القصة القصيرة لم تفقد بريقها للناشر، دار شهريار منذ انطلاقتها حاولت وضع القصة القصيرة في الصدارة، وأصدرت حتى الآن أكثر من عشرين مجموعة قصصية خلال سنتين فقط، منها ما هو عربي أو عراقي أو مترجم، وقد تمكنا خلال هذه المدة القصيرة من إعادة البريق للقصة القصيرة، وكونا قراء جددا لها.

يرى ذياب أن “عالم النشر الحديث ينظر إلى الغلاف على أنه نص مواز للمتن وليس عاكسا له. فإذا عدنا إلى أغلفة الكتب في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، كان الكتاب يحال إلى رسام لقراءته، أو أن يجلس المؤلف مع الرسام ليشرح له فحوى الكتاب، ومن ثم يقوم هذا الرسام بنقل الفكرة بحرفيتها كلوحة توضع على غلاف الكتاب، وهذا ما نراه في الأغلفة المصرية واللبنانية القديمة على سبيل المثال. في حين أن الغلاف الحديث ليس بالضرورة نقلا عما يدور بين دفتيه، بل يشكل عتبة مغايرة لقراءة الكتاب.

ومن جانب آخر، غالبا ما يصمم الغلاف بمعزل عن مؤلف الكتاب، وما يقرأ الآن من عتبات، أولها الغلاف، كقراءة نقدية، فإنها قراءة تخرج عن قصدية المؤلف، وكل ما يقال عن هذه العلاقة وما أراده المؤلف من الغلاف كعتبة لكتابة، ليس أكثر من ثرثرة نقدية. فرأي الدار ورأي مصمم الدار هما اللذان يجب أن يدرسا وليس ما أراده الكاتب من الغلاف”.

وعن مدى تشكيك البعض في مصداقية أرقام الطبعات على أغلفة الكتب يوضح الناشر ذياب “هذا السؤال يأخذ أكثر من جانب، منها ما هو حقيقي ومنها ما هو تلفيق. هناك كتب سطحية لا يملك مؤلفها أي مقوم من مقومات كتابة جملة صحيحة، ينتشر كتابه فيصبح ذائع الصيت من خلال الإنستغرام والفيسبوك، حتى ينفد بطبعات كثيرة خلال زمن قياسي. وهذا ما رأيناه في كتاب مثل ‘حمة حكي‘ و‘مميز بالأصفر‘ وغيرهما من الكتب التي لا تعمل إلا على تسطيح ذهن القارئ البسيط وإبعاده عن الأدب والفكر الحقيقيين”.

ويضيف “من جانب آخر، فإن هناك كتبا مهمة تنفد طبعاتها فعلا، لكن ليس بالصورة التي يعلن عنها. في إحدى الروايات الحاصلة على جائزة البوكر العربية كتب على غلافها أنها الطبعة (11)، في حين أن رقم الطبعة داخل متن الرواية (2)، وهذا التلاعب يقوم به الكثير من الناشرين، الذين يطبعون ألف نسخة من المتن، في حين يطبعون كل 250 غلافا على أنه طبعة جديدة. وهذا من دون شك تحايل على القارئ”.

الشعر والسرقة

وعما يتردد عن أن دور النشر تدير ظهرها للشعر لصالح الرواية يقول “لا يمكن أن نقول إن دور النشر تدير ظهرها للشعر إكراما للرواية، بل هذا ما يريده القارئ، فالشعر لا سوق له، حتى وإن كان لكتّاب معروفين، وأي مجموعة شعرية تشتهر أو تباع بكميات جيدة فهذا من باب الحظ أو الصدفة لا أكثر. أما الرواية فأنا أرى أن بريقها بدأ بالخفوت بسبب ما يصدر من كتب لا علاقة لها بالفن السردي ويكتب على غلافها (رواية)، والدليل على خفوت
الرواية خلال السنتين السابقتين مبيعاتها التي وصلت إلى أدنى مستوياتها في المعارض الأخيرة التي أقيمت عربيا”.

القرصنة بحد ذاتها سرقة علنية، إن كانت بتحويل الكتاب إلى بي دي أف، أو تصويره وبيعه بسعر بخس في السوق أو عرضه بالوسائل المختلفة

يقول ذياب “بعيدا عن كون القرصنة تعديا على حقوق المؤلف والناشر، وإذا كان القارئ يعدها عملا نبيلا أم لا، فإن القرصنة بحد ذاتها سرقة علنية، إن كانت بتحويل الكتاب إلى بي دي أف، أو تصويره وبيعه بسعر بخس في السوق أو عرضه بالوسائل المختلفة. فهذا ما سيسبب مشكلات جمة للقراء أنفسهم. فإذا كان الناشر يتعامل بشكل مباشر مع المؤلفين، بجمالياتهم ومشكلاتهم وتعب الكثير منهم، وإذا كان يقوم بقراءة الكتاب وتحريره وتصحيحه، وإذا كان يقوم بتصميمه والتعب على إخراجه على أجمل وجه، وإذا كان هو من يصمم الغلاف ويجتهد بجماليات العتبة الأولى، وإذا كان يدفع حقوق الكتّاب، ويوزع الكتاب بالمعارض العربية والمكتبات، وإذا كان يدفع حقوق الطبعة الأجنبية وحقوق المترجم.. فإن من يقرصن الكتاب أو يسرقه ويصوره لا يقوم بكل هذا، وما يخسره لا يتجاوز إلا الورق. ومن ثم فإن ما يقوم به هذا السارق سيقتل الكتاب والناشر معا”.

يرفض ذياب مسألة أن يكون النشر الإلكتروني بديلا عن النشر الورقي، فمازالت رائحة الورق وملمسه وطرائق قراءة الكتاب الورقي وجماليات الغلاف والطباعة والعلاقة التي يقيمها القارئ مع الكتاب، تبعد شبح أن يحل الكتاب الإلكتروني محل الكتاب الورقي. وإذا مازلنا نحن العرب لم ندخل بشكل فعلي إلى عالم التكنولوجيا، فإن الشعوب التي تعيش التكنولوجيا بكامل تفاصيلها، متمسكة بالكتاب الورقي.

وبحسب صفاء ذياب إذا كان الناشر في العقود التي سبقت وسائل التواصل الاجتماعي يقوم بتوزيع الكتاب على الصحف والمجلاّت والنقّاد في سبيل الإعلان عن كتبه، فإنه منذ العام 2005، وحتى هذا اليوم، اختصر الزمن والوقت وضمن وصول خبر الكتاب للملايين من القرّاء خلال إعلان بسيط لا يأخذ من وقته أكثر من دقيقة، وهذا بالضبط ما فعلته وسائل التواصل الاجتماعي.

15