"صفائح من ذهب" قصيدة سينمائية ترصد سيرة مناضل يساري تونسي

فيلم "صفائح من ذهب" للمخرج السينمائي التونسي نوري بوزيد يتحدث عن تجربة مثقف يساري تونسي يخوض تجربة نضالية تم على إثرها اعتقاله مع مجموعة من رفاقه في بداية سبعينات القرن الماضي.
السبت 2018/11/24
المناضل والفنان وما بينهما التحرر

صُنّف الفيلم الروائي التونسي “صفائح من ذهب” (حدوات من ذهب) لمخرجه السينمائي نوري بوزيد، وأنتج في العام 1988، ضمن قائمة أهم مئة فيلم في السينما العربية منذ تأسيسها وحتى تاريخ وضع القائمة حسب استفتاء لنقاد سينمائيين ومثقفين قام به مهرجان دبي السينمائي الدولي في 2013 في الدورة العاشرة للمهرجان، والتي تم إصدارها ضمن كتاب سينما الشغف.

هذا التصنيف ليس غريبا عن صانع الفيلم الذي احتفت به تظاهرات سينمائية في مهرجانات كثيرة في العالم، فهو يتميز بفرادة قلّ نظيرها على مستوى المضمون الدرامي والمعالجة الفنية، وكذلك خصوصية التجربة التي تتصدى للمحظور السياسي والاجتماعي وتغوص في أعماق الشخصية دون مواربة أو مهادنة.

يتحدث فيلم “صفائح من ذهب” عن تجربة مثقف يساري تونسي في خوض تجربة نضالية تم على إثرها اعتقاله مع مجموعة من رفاقه في بداية سبعينات القرن الماضي، وأودع السجن، حيث عانى شتى أصناف التعذيب النفسي والجسدي، الأمر الذي أحدث لديه جراحا تتعلق بالروح، وصعب مداواتها بعد خروجه من السجن بعد ما يقارب العقد من الزمن.

يخرج البطل المنكسر على ذاته، يوسف سلطان، من السجن ليقف عند حقائق لم يكن يوليها الاهتمام، وهو أن نضاله السياسي لم يرافقه نضال على الصعيد الاجتماعي، وأن الخلل لا يتعلق بالخيارات السياسية وحدها بقدر ما يكمن في بنية مجتمعية بأكملها أفرزت التشدد والتطرف وشكلت سلطة أشد ضراوة من سلطة أجهزة الدولة وآلتها القمعية.

كما أن العنف الذي تجلى في الحجم الهائل من القسوة التي تلقاها في الزنازين ليس وليد السجون وحدها بل صنعته ثقافة بأكملها. يحصي البطل في الفيلم عدد الكدمات الروحية التي تلقاها، ويزداد اغترابه داخل مجتمع لا يعترف بالجميل، بل يكافئ هذه التجربة بالمزيد من الإقصاء والتجاهل، إضافة إلى تنكر رفاق الأمس ونكوصهم نحو المصالح والمآرب الشخصية.

“صفائح من ذهب” عمل سينمائي يتميز بغضبه وشاعريته ورمزيته التي تكشف مهارة ومعرفة فائقتين بالمجتمع، بالإضافة إلى جرأته وتمكنه من أدواته الفنية التي قاربت مضمونه الملحمي وقدرته على سبر أغوار الذات المعذبة والمتأملة وقد أحاطت بها قسوة السلطتين السياسية والاجتماعية.

“دفعتُ عشر سنين من عمري باش أنت تتكلم”.. عبارة أطلقها في وجه أحد مجادليه رجل اسمه يوسف سلطان، وهو بطل فيلم “صفائح من ذهب” للسينمائي التونسي المثير للجدل نوري بوزيد، الذي أطلق مع ثلة من أبناء جيله “ربيع تونس السينمائي” في ثمانينات القرن الماضي فيما يعرف بسينما المؤلف التي تُكتب بالكاميرا ولا تنفصل عن التجربة الذاتية لصاحبها.

نوري بوزيد:

● ولد في صفاقس سنة 1945 ودرس السينما ببلجيكا بين 1968 و1972.

● أخرج أول أفلامه سنة 1986.

● أبرز أعماله: ريح السد، حرب الخليج وبعد، بزناس، بنت فاميليا، عرائس الطين، آخر فيلم، ما نموتش.

لقد دفع يوسف سلطان، الشخصية اليسارية الخارجة لتوها من المعتقل في المرحلة البورقيبية، عشر سنوات من حياته في سبيل تونس الحرة التي يحلم بها ليفاجئ ويُصدم بـ”ظلم ذوي القربى” بعد أن ظلمته السلطة، وأحدثت خدوشا في الجسد والروح بفعل التعذيب والإهانة والحط من الكرامة الإنسانية التي تعرض لها هو ورفاقه داخل زنازين السجن، لا لشيء إلا لأنه قال: لا لمصادرة حرية شعبي والوصاية عليه مهما كانت الذريعة التي تتحجج بها السياسة البورقيبية.

محنة "آفاق" مع بورقيبة

الحقيقة أن شعارات التحديث والتنوير التي كانت ترفعها سياسة الزعيم الحبيب بورقيبة منذ بداية مشروع الدولة الوطنية لم تكن تتعارض كثيرا مع البرنامج الذي كان يلتف حوله أبناء حركة “آفاق” اليسارية التونسية في ستينات وسبعينات القرن الماضي، والتي ضمت نخبا ثقافية تأثرت بالمد اليساري والحركة الطلابية التي صنعت أحداث مايو 1968 في فرنسا وأجبرت الزعيم الوطني شارل ديغول على الاستقالة والاعتذار من الشعب، ولكن هل تجبر حركة “آفاق” التونسية زعيما عنيدا ونرجسيا مثل الحبيب بورقيبة على الاستقالة والاعتذار من الشعب؟

الجواب: بالتأكيد لا. وهنا وقعت الكارثة التي حلت باليسار التونسي الذي كان ينتمي إليه مخرج “صفائح من ذهب” عبر جملة من الاعتقالات التعسفية شملت رفاق نوري بوزيد، رغم انخراطهم في المشروع الحداثي الذي أطلقه بورقيبة ومساندتهم له في محاربة الفكر التقليدي، لكنها شهوة السلطة وشراستها في التشبث بكرسي الحكم، الأمر الذي جعل نقادا ودارسين لتلك المرحلة يشبهون جماعة “آفاق” اليسارية بالبرامكة ومحنتهم الشهيرة مع هارون الرشيد في العصر العباسي، رغم أن الأخير كان قد دعّم أركان حكمه عن طريق البرامكة الذين تنكر لهم في ظروف غامضة اعتبرها المؤرخون حلقة مفقودة في تاريخ الدولة العباسية.

فيلم “صفائح من ذهب” يزخر بالرمزية ويغري النقاد بالتأويل والقراءات المزدوجة إلى حد أنها تجعل منه شريطا يختلط فيه الروائي التخييلي مع التوثيقي التسجيلي، لكن البوصلة لا تضيع ولا تُضيع أبدا، فنحن أمام عمل يمسك مخرجه بخيوط الصناعة السينمائية في مهارة قلّ نظيرها.

اجتراحات الدلالة والتأويل

اسم البطل، المناضل اليساري يوسف سلطان والذي تكرر في أكثر من عمل وضع فيه نوري بوزيد بصماته عليه في معالجة السيناريو، وإن كان يرجح وجوده على أرض الواقع، منحوت من دلالتين عميقتين ومفتوحتين للتأويل، وهما ‘يوسف’ النبي البهي الذي عرف زنزانة السجن، يكيد له إخوته، “يكرهونه ويرمونه بالحصى والكلام” على قول محمود درويش في قصيدته الشهيرة. أما الجزء الثاني فهو ‘سلطان’ بكل ما تعنيه هذه الكلمة من “شهوة الحكم” وإغراءات السلطة المسيّجة بالمحرّم كلعنة تصيب كل من تسول له نفسه الاقتراب منها. وهكذا يمسي يوسف سلطان فراشة وقعت ضحية مناشدتها للضوء، وبروميثيوس آخر نهشت كبده الغربان على قمة الأولمب لأنه أراد أن يهدي شعبه شعلة النار.

البطل في فيلم “صفائح من ذهب” تراجيدي ملحمي بامتياز، فهو الذي تلقي عليه السلطات القبض شابا مليئا بالحماسة الثورية ليلة المولد، لتفرج عنه بعد عشر سنوات، وفي ليلة عاشوراء، كهلا متهالك الجسد وملبد الروح.

يجلس يوسف سلطان القرفصاء يتدفأ على الجمر الخافت وفي الخلفية طفل يرتدي القناع وهو يغادر.. إنها مرثية الذات وتمثل آخر لقصيدة مالك بن الريب الشهيرة التي تتغنى بمرارة الاختيارات الخاسرة في قوله “ألم ترني بعت الضلالة بالهدى وأصبحت في جيش بن عفان غازيا”.

فيلم “صفائح من ذهب” ليس مجرد سيرة ذاتية لشخصية تجلد نفسها بعد رهانات خاسرة، وإنما هو إيغال نحو قراءات متشابكة للفرد والمجتمع والدولة من خلال مفهوم العنف بمختلف ألوانه وتجلياته: التعذيب، الاغتصاب، الإقصاء، الإخصاء المادي والمعنوي، الحرمان والتربية البطريركية الظالمة ضد الأنثى، أما وابنة وأختا وزوجة وحبيبة ورفيقة في النضال والتحرر.

“صفائح من ذهب” نقد لاذع وقاس إلى حد الوجع إزاء تجربة نضالية اهتمت بالجانب السياسي وأهملت الشق الاجتماعي الذي فرّخ التطرف والتشدد الديني كحصيلة فجائعية “كافأ” اليسار بها نفسه حين انغلق على نخبويته ولم يلتفت إلى ما يدور حوله ويحاك ضد طموحاته ونضالاته التي ينقصها الكثير من احترام الواقع وتقييمه التقييم الصحيح.

يخرج البطل المنكسر يوسف سلطان من سجن السلطة ليجد نفسه في سجن ليس أقل بشاعة وقتامة من الأول. إنه سجن المجتمع الذي استفحلت فيه الأمراض أكثر من ذي قبل، فها هو شقيقه العامل في مسلخ الخيول يصبح إسلاميا متطرفا ذا عقلية قمعية تسلطية إقصائية داخل الأسرة باسم الدين. ويدور نقاش حاد يتضمن مواجهة بين الشقيقين اللدودين داخل المسلخ، ينتهي إلى عراك وسط برك الدم في واحد من المشاهد العنيفة الغاضبة والمليئة بالرموز والدلالات، مما يذكّر بمسرح القسوة لدى الفرنسي أنطون أرتو، الذي يرى في مثل هذا النزوع نحو العنف بعدا تطهيريا وخبايا تسكن الذات البشرية، عليها أن تخرج دون مواربة أو تزيين لتكشف النوازع البشرية وتصور عنف الفكرة وصداميتها عن طريق الجسد كمدونة مرئية للجروح والكدمات الداخلية.

منظر الخيول التي سلخت عنها جلودها واقتلعت منها حدواتها في رمزيتها الفاقعة ككائنات عاشقة للحرية، وظفها نوري بوزيد في أصواتها وإيقاعاتها لتعكس ذلك الوجع الذي يصيب الروح بعد هتك كرامة الجسد. هذا التوليد الإيقاعي يشير إلى الانسحاب التدريجي للعالم ومحتوياته، والرضوخ والخضوع أمام جبروت وهيمنة حقل السلطة المتمثلة في التعذيب، حجبت جسد الآخر وسرقته عن طريق الإهانة والتعذيب كما يؤكد الناقد والباحث إدغار موران “سُرقت منهم أجسادهم وأصواتهم”.

وهنا تقول الباحثة التونسية سناء ساسي، في دراسة لها حملت عنوان “خطاب الجسد في السينما التونسية.. فيلم صفائح من ذهب نموذجا” “استطاع نوري بوزيد استعمال الجسد كخطاب دلالي ورمزي يمثل قضية تجمع بين الانغلاق والانفتاح، خطاب مباشر سعى إلى توظيفه كمادة فنية تحاكي الواقع من خلال تسليط الضوء على بؤر الألم ليتماهى مع المشاهد في محاكاة الاعتقال والتعذيب من أجل موقف سياسي، وليس لارتكاب جرم أو ما شابه من قبل السلطة”.

عمل يجمع النقاد على اعتباره تحفة سينمائية تؤرخ لتجربة نضالية فريدة في العالم العربي، كان شخوصها من مختلف مكونات المجتمع بمن في ذلك أبناء الطائفة اليهودية الذين كان من أبرزهم المناضل جيلبير النقاش
عمل يجمع النقاد على اعتباره تحفة سينمائية تؤرخ لتجربة نضالية فريدة في العالم العربي، كان شخوصها من مختلف مكونات المجتمع بمن في ذلك أبناء الطائفة اليهودية الذين كان من أبرزهم المناضل جيلبير النقاش

يا حصان يا غول

فيلم “صفائح من ذهب” مرثية حركة “آفاق” اليسارية عند أفولها عبر واحد من مناضليها المنكسرين، ونقد لاذع لمغامرة وُصفت بـ”الملحمية” من قبل مجموعة من المثقفين اعتبرهم البعض مغامرين وحالمين أو حتى انتحاريين، لكنهم آمنوا بمجموعة قيم ثورية يرون بأنها تليق بمجتمع دولة الاستقلال الفتي رغم تعدد مشاربهم (ماركسيون ستالينيون وتروتسكيون وماويون، قوميون بعثيون وناصريون)، لكنها تنضوي تحت مظلة اليسار الذي غالبا ما يُنتقد بأنه “يرفع المظلة في تونس أو عدن إذا أمطرت السماء في موسكو أو بكين”، لكن جماعة “آفاق” التونسية التي كان ينتمي إليها صانع فيلم “صفائح من ذهب” حاولت الاقتراب من الناس، ولو في السجون، كما هو الحال في تجربة فن “الزندالي” الذي يُغنّى في الأحياء الشعبية في ما يعرف بأدب السجون (نسبة لأحد السجون الواقعة في ضاحية تونسية حمل الاسم نفسه) وقد تحدث نوري بوزيد في شريط وثائقي كما لم يتحدث من قبل عن ممارسته لـ“الزندلة” إبان سجنه، وكتابته للعديد من الأغاني السجنية.

وقد قرأ بصوته ولأوّل مرة تقريبا قصائد سجنيّة منها “زاير قديم” و“الحصان العربي” التي وظفها في ما بعد في شريطنا “صفائح من ذهب”، ولحنها وعزفها وغناها الموسيقار التونسي أنور إبراهم، وظهرت في الشارة الأخيرة من الفيلم في مشهد يحبس الأنفاس، حين تتزاوج وتتناوب مقاطع لمشاهد البطل وهو يهم بالانتحار عاجزا عن مجابهة الواقع، أو الحصان الأصيل وهو ينفلت من المسلخ ليركض دون حدوات عند شاطئ البحر، وذلك للذهاب بثنائية اليأس والأمل التي بدأها نوري نحو أقصاها، ولإضفاء الطابع الملحمي على هذا العمل الذي يُجمع النقاد على اعتباره تحفة سينمائية تؤرخ لتجربة نضالية فريدة في العالم العربي، كان شخوصها من مختلف مكونات المجتمع التونسي بمن في ذلك أبناء الطائفة اليهودية الذين كان من أبرز أسمائهم داخل حركة “آفاق” المناضل التونسي جيلبير النقاش.

وتقول كلمات الأغنية التي كتبها نوري بوزيد في السجن ثم تضمنها فيلم “صفائح من ذهب “، وهي تغازل الحصان كرمز لوحدة المجتمع التونسي، تنوعه وتوقه نحو الحرية والانعتاق:

“اركض يا حصان يا غول.. مولود عالتراب الحامي وكبرت مع الجبال

بوك من حجر همامي، أمك أحن موال

لين روضوك.. لين مرضوك

لين نزعوك الهبال.. لين عينوك حمال

وربحت حروب لغيرك.. وشقوا بيك الجبال

أركض أركض برطع عالبحور.. يا حصان يا غول

خايف الأيام تفوتكْ.. لو كان زرعت صوتكْ

لو كان جاء ضفرك منجلْ.. لو كان جاء عندك فرن

تحط البلد ع ڨرنك.. وتقلها اررْ ترحل

لو كان جاء عندك يدْ.. ما قصّهاش جدك

تحط السماء في يدك.. تنفخ عليها رعد”.

فيلم “صفائح من ذهب” جاء بمثابة الحلقة الرابطة من منجز بوزيد السينمائي الذي يحاول فيه التطهر من ذلك الظلم الذي لحق به ورفاقه طيلة سنوات السجن، والتي جعلته هو وسينمائيين مناضلين من أمثال الكردي التركي ألماز غونيه بمثابة “مانديلا السينما” وتعلم منه الجيل الذي جاء بعده بمن فيه ابنته التي أنجزت عملا سينمائيا متميزا منذ قرابة العامين.

نوري بوزيد، واحد من تلك “السلالة الملعونة” التي غذت ورفدت المشهد السينمائي في تونس والعالم العربي، وهو يتماهى إلى حد بعيد مع شخصيات أفلامه التي تشبهه في العناد والتحدي والإصرار على الحلم رغم النزعة التراجيدية التي تصبغ أعماله. كما أن نوري بوزيد شخصية صدامية تتميز بصراحتها إلى حد الاستفزاز، ولا تتوانى عن نقد تجربة اليسار التونسي دون مكابرة أو الأخذ بمقولة “كم بقي من العمر للتراجع″.

شريط موجع إلى حد الفجيعة، صريح إلى درجة التعري وشفاف إلى أن يعانق الشعرية. لا غرابة في ذلك وصانعه شاعر يكتب بالعامية التونسية في رشاقة قلّ نظيرها، وفي نوع من النرجسية التي كثيرا ما ينتقد عليها مثل إصراره على كتابة سيناريوهات أفلامه بنفسه مديرا ظهره إلى المدونة الروائية التونسية، واتهمه النقاد بالتعالي، إلا أن بوزيد يصر على صوته المنفرد وتغريده خارج السرب، تماما مثل بطله يوسف سلطان في “صفائح من ذهب” وكحصانه الذي يرفض الحدوات وإن كانت من ذهب.

16