صفات الآباء تورّث الفقر والغنى للأبناء

الثلاثاء 2014/09/02
النزعة التفاؤلية يكتسبها الطفل من والديه

يطمح جميع الآباء إلى رؤية أبنائهم ناجحين في حياتهم، ويعتقد الكثير منهم أن الذكاء الذهني الذي يتمتع به صغارهم هو الكفيل للارتقاء بهم إلى أعلى المراتب، لكنهم يغفلون عن أن صفات النجاح يكتسبها الطفل من البيئة التي يتربى فيها ويترعرع ومن سلوكات الآباء وطريقة تعاملهم مع المواقف التي يتعرضون إليها. وأكد الخبراء أن العلاقة بين الآباء والأبناء ومجمل الأحداث اليومية التي يتعرض لها الطفل تتحكم في تفوقه أو فشله بنسبة 70 بالمئة.

وقالت الباحثة الأميركية المختصة في علم النفس شيلي تايلر إن هناك جينا معينا يرتبط بشكل مباشر بين الشعور بالتفاؤل والنجاح ويزيد من قدرة الإنسان على الحصول على مهارات اجتماعية إيجابية كقدرته على التعاطف مع الآخرين والاستمتاع برفقتهم، ولكنها أشارت أيضا إلى أن الجينات الإنسانية التفاؤلية ليست المصدر الوحيد للشعور بالتفاؤل والسعادة، فعلى سبيل المثال تساهم التربية الأسرية الداعمة لثقة الطفل في نفسه والعلاقات العائلية الإيجابية والصداقة الجيدة في ضخ مزيد من الشعور بالتفاؤل والرغبة في النجاح والتفوق.

ويمكن للطفل حسب ما توصلت إليه الأبحاث النفسية أن يصبح أكثر تفاؤلا وثقة بنفسه في حال كانت نظرة أبويه للحياة إيجابية والعكس صحيح، وأيضا عندما يتيحان له الفرصة للقيام بشؤونه الخاصة دون مساعدتهما، حتى وإن تطلب الأمر المزيد من الوقت والكثير من الجهد، فإذا تذوق الطفل طعم النجاح الذي حققه بنفسه، فإنه سيصبح أكثر ثقة بنفسه.

مؤسس علم النفس الإيجابي مارتن سليجمان يدعو الأسر إلى النظر إلى كل ما يفعله الطفل على أنه من الأمور العظيمة وتشجيعه بدلا من توبيخه

وحذرت دراسة أميركية من توبيخ الأطفال وتعنيفهم بقسوة، مشيرة إلى أن التأنيب قد يدفع بهم إلى الاستجابة بسرعة إلا أنه يخفف من نسبة الذكاء لديهم. وقالت الباحثة ماري ستراووس من جامعة نيو هامبشاير: “كل الأهل يريدون أولادهم ظرفاء حيث أن تفادي التأنيب هو الذي يساعد على جعلهم كذلك”.

وأضافت: “إنني على ثقة بأن التأنيب يخفف من نمو القدرات العقلية لدى الأطفال”. وأشارت إلى أنه من المعروف جدا أن الضرب قد يجعل الأطفال يتصرفون باضطراب في الأوضاع الصعبة وبالتالي لا يتصرفون بالطريقة الملائمة.

ولفتت إلى أنه باستخدام الضرب بدل الكلام كوسيلة للتربية من قبل الأهل من شأنه أن يحرم الأطفال من فرص التعلم إذ أنهم بذلك يقطعون الطريق أمام أبنائهم للتفكير باستقلالية.

أما مؤسس علم النفس الإيجابي مارتن سليجمان فيدعو الأسر إلى النظر إلى كل ما يفعله الطفل على أنه من الأمور العظيمة، وتشجيعه بدلا من توبيخه أو تعنيفه.

وأوضح سليجمان في كتابه الذي يحمل عنوان “الطفل المتفائل” أن التفاؤل ليس مجرد صورة ذاتية جذابة، وإنما هو نوع من الحصانة النفسية ضد مشاكل الحياة، والأهم من هذا كله أن الطفل إذا ولد من دون نزعة تفاؤلية بإمكانه أن يكتسبها من محيطه العائلي.

العلاقة بين الآباء والأبناء والأحداث اليومية التي يتعرض لها الأطفال في حياتهم تتحكم في تفوقهم أو فشلهم

وقال إن الدراسات التي أجريت على حوالي نصف مليون طفل وشاب تبين أن المتفائلين من الناس أقل عرضة للكآبة، وأكثر ميلا للنجاح في دراستهم وأعمالهم، بل وأفضل صحة بكثير عما هو الحال عليه بالنسبة للمتشائمين.

وأكد أن التشاؤم ليس مجرد أسلوب سلبي للتفكير، وإنما أحد أكثر التهديدات جسامة لصحة الأطفال في عصرنا الحاضر، وقال إنه بمقارنة الناس الذين ولدوا في الثلث الأول من هذا العصر، أثبتت الأبحاث أن طفل اليوم أصبح أكثر عرضة للاكتئاب بواقع عشر مرات ما كان عليه الحال في الماضي.

وبين انطلاقا من نتائج مسح -تم إجراؤه على ثلاثة آلاف طفل تتراوح أعمارهم ما بين التاسعة والرابعة عشرة- أن 9 في المئة من الأطفال ابتلوا بداء الاكتئاب. وأشارت الباحثة الأميركية بوليا بويم إلى أن الصحة الجيدة لا تقتصر فقط على غياب الأمراض، بل أيضا على الطريقة التي ننظر بها إلى الحياة ومتغيراتها.

وبينت دراسة نشرت في دورية مايو كلينيك الطبية أن الأشخاص المتفائلين يتمتعون بعمر أطول من أولئك الذين ينظرون إلى المستقبل بسلبية، ووجد الباحثون أن من كانوا متفائلين في شبابهم من بين حوالي 7 آلاف شخص خضعوا لمتابعة منذ كانوا يدرسون في الجامعات خلال الستينات من القرن الماضي، قلت احتمالات وفاتهم في الأربعين سنة التالية مقارنة مع أقرانهم الأكثر تشاؤما.

21