مارس 02, 2018

صفة الكاتب

لا يكفي أن تكون لدينا المهارة والمعرفة للكتابة الإبداعية، حتى إذا كنا نكتب بشكل منتظم، وندعي أننا كتاب، وبالنسبة لهؤلاء الذين يكتبون كتابهم الأول فإن النشر في حالتهم يشبه الوقوع في الحب الأول.
الكتّاب المبتدئين لم يتعلموا كل شيء بعد عن حرفة الكتابة

في المفهوم الغربي للمصطلح لا يمكن إطلاق صفة كاتب محترف على منتج الأدب إلّا في حال كان يعتاش من مبيعات كتبه بالكامل، ونظرا لتراجع مبيعات الكتاب وسوء التوزيع في العالم العربي، لا يمكن تحقيق هذا الهدف مهما بلغ الكاتب العربي من مكانة للأسف، وحسب الكثيرين يتوجب على أيّ كاتب التكيف مع العالم المتغير والظروف المحيطة به.

وإذا لم يفعل ذلك، فإنه عرضة للتبدّد والنسيان. التكيف مع التغيير هو من أهم المهارات الأساسية التي يمكن تطويرها. لا يمكننا الركون للأمل والتمني بإيجاد وسيلة لتجعلنا صالحين للعيش ككتّاب، إذا لم نغير طريقة تعاملنا مع فعل الكتابة، فالعالم يتغير من حولنا باستمرار، والتغيرات المتسارعة في صناعة النشر متواصلة وكثيرة جدا إلى الحد الذي يجعلنا نتساءل عما إذا كان نموذج النشر التقليدي سيبقى على ما هو عليه في السنوات القليلة المقبلة. بالتأكيد لا يمكن لأحد أن يتنبأ بما يحمله المستقبل لصناعة النشر، لكن يمكننا التأكيد مع اليقين التام أن العديد من التغيرات مقبلة، ذلك لأن العالم الذي نعيش فيه يتغير باستمرار وتتغير الاتّجاهات والأفكار والقواعد، وعالم النشر ليس استثناء في هذه الحال، فهو يتّبع تلك القواعد نفسها التي تتحكم بالحياة الاقتصادية، وعلينا جميعا ككتّاب أن نتعلم كيفية التعامل مع هذه المتغيرات الحتمية.

إن قدرتنا وانفتاحنا على ذلك التغيير هما اللذان سيسمحان لنا بالتطور والتكيف لجذب المزيد من الداعمين والقرّاء المخلصين والناشرين.

لا يكفي أن تكون لدينا المهارة والمعرفة للكتابة الإبداعية، حتى إذا كنا نكتب بشكل منتظم، وندعي أننا كتاب، وبالنسبة لهؤلاء الذين يكتبون كتابهم الأول فإن النشر في حالتهم يشبه الوقوع في الحب الأول، إنها عملية مثيرة وجديدة ولا تخلو من الحماقة أو الندم في الواقع، ويمكنهم متابعة شغفهم بالكتابة من دون النظر إلى الجوانب، السخيفة، مثل الإملاء الصحيح والنحو المتقن والمتانة اللغوية. ذلك لأن مهنة الكتابة تأتي مع عدد لا يحصى من القواعد، والكثير منها يمكن تعلمه من الكتّاب الآخرين، أو بواسطة القدر الكبير من الممارسة. إن الغالبية العظمى من الكتّاب الذين يرغبون في رؤية كتبهم منشورة هم من الكتّاب المبتدئين الذين لم يتعلموا كل شيء بعد عن حرفة الكتابة.

يعتقد داروين أن الذي يمتلك القدرة على البقاء ليس الأقوى دائما ولا الأكثر ذكاء، بل الأكثر قابلية على التغير والتأقلم، هذه القاعدة يؤكدها بطريقة أو بأخرى يورغن ماس، أحد كبار الناشرين الهولنديين، الذي يقول إنّ مفهوم البقاء للأصلح لا يعني الأفضل أو الألمع، بل الذي يتناسب أسلوبه مع استراتيجيات السوق الحالية ومتطلباتها، وإذا كانت تلك الاستراتيجيات قديمة وغير صالحة للقرّاء المعاصرين ستهمل نصوصه بالتأكيد مهما كانت مكانة كاتبها.

وبقدر تعلق الأمر بعالمنا العربي، فإنّ الكثير من تلك القواعد والعلاقات والمفاهيم لا تزال ملتبسة وغير مقنعة، إما بسبب اختلال السوق وعدم مهنية الناشرين، وإما بسبب الوهم الساحق الذي يكتنف طريقة تفكير الغالبية العظمى من الكتّاب الشباب، هؤلاء الذين يلقون باللائمة دوما على الناشرين ويتهمونهم بالتقصير والجشع والسعي لتحقيق الأرباح، من دون أدنى اهتمام لمستوى الكتابة، لهذا نراهم يستعجلون النشر بأيّ طريقة كانت، بدل أن يركزوا على النمو وتوسيع معارفهم ومهاراتهم ومحاولة العمل والاستفادة من الكتّاب المحترفين، بما في ذلك المحررون والمدققون اللغويون ومصممو الأغلفة والناشرون ومصممو مواقع الإنترنت والموزعون وغيرهم ممن يمكن أن يضيفوا قيمة لعمل الكاتب ويجعلوا حلمه بنشر كتابه قابلا للتحقق وواقعيا.

14