صفحات الأدباء الفيسبوكية

ثمة صفحات لأدباء تثير القرف ببوستاتها الخفيفة جدا وصورها الإباحية وموضوعاتها العاجلة وشتائمها في مناسبات معينة أو حتى من دون مناسبات، تجد فيها الغيرة والحسد والتشويه.
الخميس 2018/05/24
اسمع بالمُعيدي خيرٌ من أن تراه

واحدة من الانتباهات التي كتبها قارئ عابر في ما يخص صفحات الفيسبوك للأدباء والمثقفين وممن هم محسوبون على هذه الشرائح المتقدمة إبداعياً في المجتمع، من أن مثل هذه الصفحات لا تشبه شخصيات مبدعيها في الرواية والقصة والقصيدة والمسرح والدراسات البحثية والنقدية والأكاديمية، بل هي خليط متنافر من كل شيء وكأنها محل عطارة، لا توطّد صلتها بالقارئ المجهول، بل تجعل بينه وبينها سدّا عاليا وتحجب الكثير مما يجب أن يكونَهُ الأديب والمثقف، وقيل إن تلك الصفحات تكشف الكثير مما وراء شخصية الأديب وهو كشف متأخر لبعض الأدباء الذين دلّت صفحاتهم عليهم.

بطبيعة الحال إننا نجهل كل قارئ ولا نعرف اهتماماته ولا كيفية النظر إلى الآخرين في قراءاته العابرة أو العميقة ولا تاريخيته الثقافية والمعرفية، وهي قراءات شخصية تتفاعل وتنتج معايير معينة أو تلقي في بعض الأحيان الكثير من الأضواء يجهلها هذا الأديب وذلك المثقف الذي يعمل في حقل الإبداع، وما دام هذا القارئ/ الناقد ينظر إلى المبدع بشكل كامل، شخصية وإبداعا، فعلينا أن لا نلقي اللوم عليه، فهو ينظر إلى تجربة أدبية وثقافية أولا ومن ثم يفكك هذه التجربة إلى وحدات صغيرة، وصولا إلى شخصنة المبدع من الناحية الاجتماعية في الأحوال كلها، وهذا سلوك مخفي يلجأ إليه القارئ المجهول بمختلف مستويات وعيه قد لا يراه المبدع بشكل دقيق، وبالتالي فإن مراقبة صفحات الأدباء وما فيها من منشورات تخضع كليا إلى سلطة القارئ، فهو المراقِب والناقد والمكتشف لسلوكيات الآخرين من المبدعين.. فهل كان ذلك القارئ محقا وهو ينتقد بعض صفحات الأدباء التي لا يرى فيها سوى خلطات عجيبة وغريبة تبدأ من الدوري الإسباني ولا تنتهي حتى عند “لينا وعدنان”؟

في هذه الملاحظات وجهة نظر مقبولة إلى حد كبير، فالصفحة الفيسبوكية قد تكون بيتا شخصيا مفتوحا يراه الجميع وواجهة مباشرة. وعلى نحوٍ آخر هي مرآة تنعكس فيها الكثير من السلوكيات الشخصية، بمعنى أنها ليست صفحات مغلقة يتم تداولها بين الأدباء أو بين أفراد الأسرة، إنما هي مرايا واسعة يطلّ الآخرون من خلالها إلى بيت هذا الأديب أو ذاك، أي انتقال المعنى الشخصي إلى العام وتحوّل الهامش إلى متن عند الآخر، وبتجربتنا الشخصية اليومية وجدنا الكثير من العُقَد الشخصية عند بعض الأدباء وأولها عقدة الطائفية التي انتشرت عراقيا حتى لتعجب كيف أن هذا الأديب يكتب في الجماليات وهذا الهاجس الضيق يسيطر على مجمل سلوكه الفيسبوكي.

ثمة صفحات لأدباء تثير القرف ببوستاتها الخفيفة جدا وصورها الإباحية وموضوعاتها العاجلة وشتائمها في مناسبات معينة أو حتى من دون مناسبات، تجد فيها الغيرة والحسد والتشويه وحرْف الأنظار عن حقائق سياسية أو أدبية أو إصدارات روائية وشعرية بعينها، تشفُّ كثيرا عن تحامل كاتبها على الآخرين من دون مسوغات أخلاقية أو أدبية، وتضمر في مفاهيمها عدوانية غير معقولة إلى فرد أو أكثر أو ظاهرة إبداعية أفرزها النقد أو استحوذت على اهتمام القرّاء.

وهذه سلوكية معروفة يُفترض أن لا تفاجِئ أحدا، غير أن الكثير من القراء والمتابعين لا يفصلون مثل هذه الصفحات عن السلوك الشخصي لكتّابها ويعدّونها بمنزلة الوجه الآخر له والمخفي مما يضمره تجاه غيره من الأدباء، وبالتالي يبدأ الحساب من هنا، من دون الرجوع إلى الكتابة الإبداعية التي هي المحك الأساسي للمبدع، على فرضية أن السلوك الشخصي لا ينفصل عن سلوك الكتابة، وهذا أمر ربما يرى البعض فيه تجنيا على الأدباء، فالسلوك الفردي أمر شخصي جدا، بينما يراه العديد من القرّاء صورة متناقضة عن الكتابة تكشف العلاقة غير الصحية بين الكاتب وما يكتبه.

قديما قالت العرب “تسمع بالمُعيدي خيرٌ من أن تراه” لكن الفيسبوك أحبط المقولة وتجاوزها إلى حد بعيد.

14