صفحات "الرأي" في الصحف العربية: هل للكتاب "المغمورين" مكان

الخميس 2014/08/21

كتابة مقالات صفحات “الرأي”، تعد علما وفنا، والمقالات المتميزة، ليست مقالات وقتية مستهلكة تقرأ مرة واحدة وتهمل، بل هي أفكار متميزة وجادة تصلح للقراءة والاستفادة منها عدة مرات. والصحف المتميزة لا تدفع كتاب “الرأي” لديها لاختيار وقبول أي فكرة للكتابة عنها، فقد يتوقف الكاتب عن كتابة مقاله لأسبوع أو أكثر من أجل اختيار فكرة وموضوع متميز ومؤثر.

وتكاد لا تخلو أي صحيفة عربية حاليا من صفحات “الرأي”، وكتاب مقالات “الرأي” المتميزون لهم دور مهم في قيادة وتوجيه الرأي العام نحو أهداف معيّنة. ولكن هناك العديد من التساؤلات المهمة المطروحة في هذا الشأن، من بينها وأهمها: هل كل كتاب” الرأي” في الصحيفة مهمّين ومؤثرين؟ أم هم فقط مجرد مكلفين بالكتابة بغض النظر عن نوعية مقالاتهم وتأثيرها في الأفراد والمجتمع؟، وهل هناك لدى الصحف العربية بالفعل وفرة لكتاب مقالات “الرأي” المكلفين؟ ، ولا يوجد بالفعل مكان للكتاب الضيوف من المغمورين، والذين قد تكون مقالاتهم مسايرة لأحداث معينة وعلى درجة كبيرة من الأهمية والتميز والتأثير؟، وهل هناك شروط معينة للكتابة في صفحات” الرأي”، أم أن الأمر متروك لهيئة التحرير لاختيار من تراهم للكتابة في هذه الصفحات، وفق اعتبارات معينة؟

في حدود خبراتي وتجربتي الصحفية المتواضعة، يمكن القول بأن كتاب “الرأي” المتميزون يبحثون دائما على الأفكار الجديدة والجيدة، والاعتماد على أنفسهم في الكتابة عنها بأسلوب جيد يناسب عامة جمهور القراء، كما أن مقالاتهم تجمع بين جماليات الأسلوب وعمق الأفكار ودقة البيانات والمصادر التي يتم الاعتماد عليها والتي تدعم آراءهم، كما أنهم لا يختارون أي فكرة للكتابة عنها لمجرد فقط الاستجابة لضغوط الالتزام والإجبار بكتابة مقال أسبوعي بالصحيفة، هذا بالإضافة إلى مراعاتهم للخطوط الحمراء عند الكتابة حتى تجاز مقالاتهم.

ويبدو أن صحفنا العربية أصبحت تعاني من وفرة في كتاب صفحات “الرأي”، فمجرد إرسال أي كاتب مغمور أي مجهول وغير مشهور، بمقال لنشره بصفحات “الرأي”، قد لا يجد مقاله في الغالب أي إهتمام، رغم أن مقاله قد يكون مؤثرا ومهما في توجيه الرأي العام ومسايرا لحدث مهم قد يغفل عنه كتاب الرأي المكلفين أو قد يكون خطا جديدا في الكتابة يتميز به هؤلاء الكتاب المغمورين، وقد ترد الصحيفة على كاتب هذا المقال بالقول إن المساحة محدودة، ولا توجد مساحة لنشر مقاله، فالمساحات محددة سلفا للكتاب المكلفين بالكتابة لديها، فلكل كاتب زاويته ومكانه المعتاد والمحدد وليس هناك مجال لقبول كتاب آخرين من “الضيوف” المغمورين على صفحة “الرأي”.

هناك العديد من المقالات والموضوعات المتميزة التي قد يطرحها الكتاب الضيوف المغمورين، ولكنها للأسف لا تجد طريقها للنشر، الأمر الذي قد يصيب هؤلاء الكتاب بالإحباط. والسؤال المطروح هنا هو: ما الذي يمنع أن تتبنى الصحيفة وتستكتب كتابا مغمورين، من أصحاب المقالات المتميزة والمرسلة منهم للنشر بصفحات “الرأي”، والتي تكون مرتبطة بأحداث مهمة ومؤثرة، وفي نفس الوقت إعطاء الفرصة لأحد الكتاب المكلفين لالتقاط أنفاسه واختيار أفكاره بعناية، بدلا من دفعه لاختيار أي فكرة بسبب ضغط الالتزام بتسليم مقاله الأسبوعي للنشر بصفحة “الرأي”، خاصة وأنه ليس كل كتاب “الرأي” المكلفين مؤثرين، فقد يكون هناك فقط كاتب أو كاتبان.

صفحات “الرأي” في الدول المتقدمة، تفتح الباب أمام جميع الكتاب والمعيار الوحيد للنشر هو جودة وتميز المقالات المرسلة، بغض النظر عن اسم كاتبها وشهرته، فنتيجة لضغوط العمل، قد يغفل كتاب “الرأي” المكلفين، عن الكتابة عن حدث أو خبر مهم، وقد يلتقطه أحد الكتاب المغمورين ويتناوله بعمق، ويرسله لصحيفة ما، فتتميّز ويتميز كاتب المقالة، وتسهم في النهاية في قيادة وتوجيه الرأي العام.

صفحات “الرأي” في صحفنا العربية بحاجة إلى آليات جديدة وجادة لاختيار واستقطاب واستكتاب كتاب جدد آخرين من المغمورين والمتميزين، خاصة وأن هناك قلة من الكتاب الجيدين والمؤثرين. هل يمكن لإحدى صحفنا الكثيرة أن تتبى فكرة استضافة أسبوعيا أحد كتاب “الرأي” المغمورين، لنشر مقالاتهم المتميزة والمؤثرة، وتسهم في النهاية في إعداد أجيال جديدة من كتاب “الرأي”، وبذلك تلغي حجة “المساحات المحددة للكتاب المكلفين بالكتابة”، والتي تقف حجر عثرة في سبيل نشر العديد من المقالات الجيدة والمؤثرة لهؤلاء الكتاب المغمورين، نأمل أن تنال هذه الفكرة اهتمام إحدى صحفنا العربية.

18