صفحات المهرجانات فارغة

صاحب هذا المقال، الذي خبر المهرجانين وكواليسهما ومدرجاتهما وحاور وجادل فنانيهما لزمن فاق العقدين، فمُصابه أعظم من مصاب كل من تقدّم ذكره، فيكفيني أن أعلنها صراحة أنه لا “بوكلاج” هذا العام.
السبت 2020/06/06
عشاق السمر الصيفي بلا مهرجان قرطاج

لأول مرة في تاريخ تونس، ومنذ إنشاء المهرجانين، التوأم، قرطاج والحمامات الدوليين، إثر تأسيسهما في صيف عام 1964، يقع تأجيل، أو بعبارة أدق إلغاء الدورة السادسة والخمسين لكل منهما وترحيلها إلى السنة القادمة. والسبب واضح وجليّ، وهو تداعيات جائحة كورونا!

وقع الخبر كان شديدا على مريدي المهرجانين من عشاق السمر الصيفي المستباح على مدرجات المسرح الأثري بقرطاج، وأيضا على مدرجات المسرح المحاري بالحمامات بعد أكثر من شهرين من الحجر المنزلي الإلزامي العام.

فمعنى هذا الغياب، عند كل من ألف أجواء المهرجانين، الحرمان من المواكبة المباشرة والحية لنجومه المفضلين سواء العرب والأجانب، خاصة في المجال الغنائي، ولو أن لبعض عشاق نجوم الغناء المحليين بديلا في بقيّة المهرجانات الصيفية الجهوية المتناثرة على كامل محافظات الجمهورية الأربع والعشرين، وما أكثرها، والتي بلغ عددها في آخر إحصاء تتفاخر به وزارة الإشراف، 350 مهرجانا صيفيا بالتمام، ودون كمال، طبعا، وسط طفرة كمية لم تُضاهها النوعية بأي شكل من الأشكال.

تداعيات هذا الغياب ستكون وخيمة وشديدة على متعهّدي الحفلات ومدراء أعمال و”أفعال” الفنانين الأجانب منهم خاصة، والذين تدفع لهم المهرجانات الدولية الكبرى بالعملة الصعبة – وما أشقانا مع العملة الصعبة في بلد يرزح اقتصاده منذ قيام ثورة 14 يناير 2011، تحت خط الحاجة – فيغنّي الجمهور عوضا عنهم، ليقبضوا هم ومدراء أعمالهم مئات الآلاف من الدولارات، ويُغادرون البلد بأرصدة باذخة الثراء، فيما يظلّ الجمهور التونسيّ يردّد رجع صدى أغنية الفنان المغربي المعتزل عبدالهادي بلخياط: يا بنت الناس أنا فقير ودراهم يومي معدودة!

غياب المهرجانين العريقين، يعني الكثير، للقطاعات السياحية والثقافية الموازية، فلا “عربون” للعازفين وبعض الراقصين المُرافقين لصوت هذا الفنان أو ذاك. ولا مواصلات و”تاكسيات” وحافلات ولا حجوزات للإقامة في بعض النزل. ولا دورة اقتصادية وافرة الأرباح لباعة المشروبات والمأكولات والمثلجات سواء بمدرجات المهرجانين، أو بالمحلات المجاورة. والأدهى والأمرّ لا احتكار ولا سوق سوداء لتذاكر بعض السهرات الكبرى التي تدرّ المال، غير الحلال، على بعض التجّار الموسميين الموسومين بالجشع حدّ المرض.

أما صاحب هذا المقال، الذي خبر المهرجانين وكواليسهما ومدرجاتهما وحاور وجادل فنانيهما لزمن فاق العقدين، فمُصابه أعظم من مصاب كل من تقدّم ذكره، فيكفيني أن أعلنها صراحة أنه لا “بوكلاج” هذا العام.

ولـ”البوكلاج” -أي إقفال الصفحات- قصة يعرفها الخلّص من أصدقائي الزملاء في القطاع الصحافي، أولها مزح وآخرها جهد وعمل ميداني يومي، والأصحّ، ليلي، وأساسها خدعة بسيطة مني للمشرفين على نقلنا بالحافلات إلى المهرجانين، كي أستحثّ انتظارهم لي حين أتأخّر عن موعد لحاقي بهم في المكان ذاته والزمان عينه إياه.

فأهاتفهم لأبلغهم أني في الطريق إليهم، قائلا بلكنة ثملة: تعلمون، عندي اليوم “بوكلاج” فانتظروني، رجاء!؟ وينتظرونني.

24