صفحات من تاريخ مدينة العين الإماراتية، أو "ذاكرة الطين"

الاثنين 2014/03/31
بوابة "حصن الجاهلي" شاهد على اتقان البناء بالطين منذ عصور قديمة

أبو ظبي- صدر مؤخرا عن الباحث في التاريخ محمد فاتح الزغل، كتاب توثيقي لقلاع وحصون مدينة “العين” التابعة لإمارة أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة. ويحتفي الكاتب في وثيقته بـ”مشاعر الدفء الإنساني” التي كشف عنها تاريخ تلك المنشآت المبنية أساسا من الطين. حتى إذا ما صدر الكتاب، حمل عنوان “ذاكرة الطين، شواهد من التراث المعماري والعسكري في مدينة العين”، ليكون بذلك بحث المؤرخ الزغل، حفظا للتراث وتقديما لتاريخ المنطقة للأجيال الحاليّة والأخرى التي سوف تأتي.

تعد القلاع والحصون في مدينة العين من أهم الآثار التي مازالت شاهدة على المرحلة الزمنية الممتدة من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر ميلاديّا، وقد تنوعت هذه المباني التاريخية بين القلاع الكبيرة أو الحصون التي جاءت على شكل أبراج أو التي ضمت مربعات.

وتعرف هذه المنطقة تاريخيا بأسماء عديدة مثل “توام” و”واحة البريمي” و”العين”، والتي تعني ينبوع الماء. ويعود تاريخ المدينة إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، وهي تعتبر مركز التراث الثقافي للبلاد.

كما تعد العمارة الطينية التي تميز مدينة العين الأكثر انتشاراً عبر التاريخ. فقد ظهرت وتبلورت ملامحها الأولى في حضارات المشرق ضامة بذلك حفريات أثرية وروايات وشاهدات تاريخية، إضافة إلى استقطابها لعلماء التاريخ والحفريات ودارسي علوم الأنتروبولوجيا.

13100 كيلومتر مربع هي مساحة مدينة العين

فمدينة العين التاريخية مثلت في فترة زمنية طويلة مركزا للبحوث حول تاريخ البناءات الطينية وكيفية تعامل الإنسان في القديم مع العمارة. وقد استفادت الأمم المتحدة من هذا التراث لتشير إحصائياتها إلى أن ثلث سكان العالم مازالوا يسكنون منازل مشيدة من الطين، أو يدخل الطين (أوالتراب) كمكوّن رئيسي في مادة البناء التي استعملت في تشييدها.

يقول الباحث فاتح الزغل معلقا على ما توصل إليه في دراسته التاريخية: “للمكان ذاكرة، فرغم تآكل إطاره الفيزيائي والمعنوي إلا أنه مازال يؤثر في الضمير الجمعي للأفراد، ومازالت له ذاكرة حية، وهو يستمد حضوره من قوة الحضور العمراني والمعماري المختلف داخل النسيج العام للبنيان، وهذه الذاكرة تحفظ له استمراره لدى الأجيال وتواصله الدائم مع الحاضر والمستقبل. ومن جهة أخرى، فمدينة العين جزء من ثقافة الوطن وهويته وشخصيته الحضارية، وقد حمل المكان تاريخ الأمم والشعوب وثقافاتها عبر العديد من الآثار التي ضمت الكتابات الأولى لهذه الثقافات”.

وتعد مدينة العين روح إمارة أبو ظبي، وهي تستمد هذه الروح من الجمع بين جبل “حفيت” مع الواحات النخلية والصحراء، وهو الجمع الذي تمكن من التلاؤم طبيعيا لما يربو على 5000 عام من التاريخ، مما أسس لتراكم عادات وتقاليد “ثرية” لدى سكان العين، خاصة تقليد البناء بالطين.

1300 متر هي ارتفاع جبل "حفيت" أبرز جبال المنطقة

وتشير المصادر التاريخية إلى أن مادة الطين، كانت المادة الأولى التي تم استخدامها في مجال البناء إلى جانب مواد مساعدة أخرى كالحجر والخشب والقصب والبردي وجريد النخل. ويبدو أنه ثمة بعد روحي يربط الإنسان بمادة الطين، هذه المادة التي تعد المكون الرئيسي لخلقه، مما ساهم أكثر في تبني هذه المادة كمكوّن رئيس لعمارته. وحيث إن مادة الطين تحقق قدراً كبيراً من التلاؤم والانسجام بين الإنسان ومحيطه الحيوي، فقد ساعد هذا التوافق والانسجام أكثر في استمرار العمارة الطينية عبر مختلف العصور.

ويرى “باشلار”، الفيلسوف الذي كان حاضرا في كتاب الزغل أن “البيت هو المأوى الطبيعي لوظيفة السكنى. إننا لا نعود إليه فقط، بل نحلم بالعودة إليه. لذلك يبقى البيت القديم في حال الارتحال يحتل جزءاً غالياً من ذاكرة الإنسان”. وهو ما احتواه الكتاب الذي يوثق من خلال زيارات ميدانية قام بها المؤلف لكل القلاع والبيوت التي تحيط بمدينة العين. وقد ذكر الكاتب أبرزها وهي: متحف قصر العين – حصن الجاهلي – حصن المويجعي – قلعة المريجب – قلعة الشيخ سلطان بن زايد بن خليفة – قلعة المربعة – قلعة الرميلة – قلعة مزيد – قلعة العانكة – قلعة سجيا… وكلها قلاع وحصون استعملها بناتها لحماية الحدود والرصد والغزوات والحفاظ على السلم والتعايش بين القبائل.

292 مترا هي ارتفاع مدينة العين عن سطح البحر

ويتناول الكتاب كل أثر من هذه الآثار، بدءا من أسباب التسمية مرورا بما قيل فيه من شعر أو نثر أو كلمات خالدة ثم وصف المكان والحقبة التاريخية التي بني فيها وصولا عند قيمته المعمارية. كما ركز على عمليات ترميم معالم المدينة عبر السنوات المختلفة، مدعوما بصور بعضها قديم وبعضها الآخر تم التقاطه حديثا.

ولم يُغفل الزغل رصد المراجع التاريخية والإشارات والإحالات في نهاية كل مقالة أو بحث عن الأثر. من ذلك مثلا “قلعة الجاهلي” في مدينة العين، وهي واحدة من أهمّ المباني التاريخية في الإمارات العربية المتحدة، بنيت في العام 1891 للدفاع عن المدينة وحماية مزارع النخيل الثمينة. اتّخذتها كشافة ساحل عمان مقرّاً سابقاً لمهماتها التي قضت بحماية الممرّات الجبليّة والمحافظة على السلم بين القبائل. كما كانت أيضاً مقراً للحاكم المحلّي.

وتندرج هذه القراءة لقلاع وحصون “العين” التي قدمها فاتح الزغل في كتابه، في سياق التذكير بضرورة الاهتمام بتراث العمارة الطينية وما تتضمنه من موروث فني أصيل بكل ما تحتوي وتختزن من تنوع وجمال وألفة. وقد اهتمت دولة الإمارات العربية المتحدة بهذا التراث المعماري، وأقامت ورشات ترميم عديدة ومتنوّعة أعادت إلى هذه القلاع الحياة.

وسيلاحظ القارئ المدقق في الصور التي وردت في البحث، كيف تجلت هذه القلاع بعد ترميمها أو تلك التي ما تزال قيد الترميم. وتبرز أهمية هذه الأعمال في الحفاظ على هذه الذاكرة، وكذلك ضعف مقاومة البناء الطيني للعوامل والمؤثرات المناخية التي تهدده بالانحسار والزوال.

الجدير بالذّكر أن محمد فاتح الزغل هو كاتب وباحث في مركز زايد للبحوث والدراسات في أبو ظبي، وله عدد من المؤلفات نذكر منها : “منتخبات من نوادر المخطوطات العربية – تحقيق مخطوطة حلية الشجعان وشعار الشجعان مع د. عبدالاله نبهان – “الخطاب الأدبي في البث التليفزيوني العربي، الإمارات نموذجا” – تحقيق مخطوطة “تحفة الأنفس وشعار سكان الأندلس بين الاقتراب والاغتراب” – “قراءة في سيرة لسان الدين بن الخطيب وتجربته السياسية”. وكتاب “ذاكرة الطين” صدر مؤخرا ضمن منشورات مجلة “تراث” التي يصدرها مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام في أبو ظبي.

ويختم الكاتب دراسته بالإشارة إلى أن الإمارات كانت مزدحمة بالقلاع والحصون والمربعات والأبراج، لكن ما تبقى منها هو القليل، نظراً لما تعرضت له هذه العمائر من تدمير وحرق على أيدي المستعمرين البريطانيين أثناء بسط نفوذهم على المنطقة.

12