صفحات من يوميات رحلة مار أثناسيوس أغناطيوس نوري عبر البصرة

أهالي البصرة يصطادون الظبي والحبارى والخنزير وليس بينهم فقراء، ويشتهرون بالسخاء والكرم والبذخ وإعزاز الغرباء.
الأحد 2018/09/09
البصرة في بداية القرن العشرين

في الصباح الرابع من أكتوبر ألقت الباخرة مرساتها في بندر البصرة حين شروق الشمس. فكان منظر شط العرب مبهجا للغاية، يزهو بريفه ونخيله وأشجاره الغناء. وكانت يومئذ راسية فيه بواخر بحرية تجارية أتت من أميركا وأوروبا، ولا سيما من إنكلترا والهند، لتشحن تمرا إليها. وكل باخرة تحمل بين الخمسة والعشرة آلاف طن. وعدا هذه البواخر كانت راسية فيه سفن هوائية كثيرة قد أتت من جزيرة العرب وزنجبار والبحرين وملابار وغيرها لتبتاع التمر.

فبعد أن ألقت الباخرة (مجيدية) مرساتها ذهبتُ إلى قصر الخواجا جبرائيل أصفر ونزلتُ عليه ضيفا. وأصل أسرة أصفر في بغداد والبصرة وكلكتا من مدينة حلب، وهاجرت في الربع الأخير من القرن السابع عشر إلى بغداد والبصرة وكلكتا وكانت هذه الأسرة من الطائفة الملكية الكاثوليكية.

وإذ لم يكن لهم قسيس من طائفتهم انضموا إلى الطائفة اللاتينية، استنادا إلى الأوامر الصادرة من الكرسي الرسولي الروماني وقتئذ، بأن أبناء الطوائف الشرقية إذا وُجدوا في بلدة ليس فيها كاهن من طائفتهم وجب عليهم أن يتبعوا الطقس اللاتيني إذا كان فيها مرسلون. وقد اشتهر جبرائيل أصفر بعطفه على البائسين والفقراء، وهو مخصص لهم عشرة آلاف فرنك سنويا لسدّ عوزهم وتلقينهم التعليم المسيحي. ومثل هذا المبلغ ليس بزهيد في العراق. والمبلغ المذكور يوزعه رئيس الرهبان الكرمليين في بغداد على الفقراء على مدار السنة.

البصرة

اختطها عمر بن الخطاب سنة 14 للهجرة لتكون محطة لراحة العرب الفاتحين. وفي هذه المدينة كانت تحل رحال قوافل العراق والعجم وما بين النهرين وسوريا، وأمامها كانت ترسو سفن الهند وخليج فارس، وفيها كان جامع عليّ المشهور ومربدهُ. قيل إنه كان يجتمع إليه كل جمعة زهاء أربعين ألف فارس لأداء الصلاة فيه وأني أرى في الخبر مغالاة.

تملك العثمانيون البصرة سنة 1638م في أيام السلطان مراد الرابع. ثم أخذها العرب سنة 1695 وسلموها إلى العجم، ثم فتحها العثمانيون. ثم تغلب عليها العجم سنة 1773. واسترجعها العثمانيون سنة 1779. ثم استولى عليها الوهابيون سنة 1815. فأخذها منهم إبراهيم باشا المصري وبقيت بيد خديوي مصر من سنة 1832 إلى سنة 1840، واحتلها الإنكليز سنة 1914.

وكانت البصرة تدعى قبة الإسلام. وبعدما استوطن العرب البصرة والكوفة اختلف أهلهما على أصل الاشتقاق في اللغة العربية. فقال الكوفيون إن الفعل هو مبدأ الاشتقاق، فخالفهم البصريون قائلين إن المصدر هو الأصل، فكان رأيهم الأرجح بل الأصوب. وأما اليوم فلا نحوي فيها ولا شاعر ولا ولا. وبالقرب منها كانت واقعة الجمل الشهيرة.

ولما تعددت الحروب بين دول المماليك والعرب والفرس توالت عليها الأوبئة ففتكت بأهلها فتكا ذريعا. ومن ثم أخذت في التقهقر والانحطاط شيئا فشيئا، وكادت تندرس لولا اختراق ترعة السويس. فقبل فتح الترعة لم يكن فيها من السكان سوى عشرة آلاف نسمة. وأما اليوم ففيها أكثر من ثلاثين ألفا، ولا تزال في نجاح وتقدم مستمرين.

 إني يوم جئت البصرة من مسقط رأسي ماردين في 2 مارس سنة 1888، لم يكن فيها من المسيحيين سوى ستين أسرة مسيحية وخمسين يهودية: وجميع هؤلاء وأولئك من بغداد والموصل. وأما اليوم ففيها مئة وثلاث وثلاثون أسرة مسيحية وثلاث مئة يهودية. والطوائف هي الكلدانية (80 أسرة) والسريانية (25) والأرمنية (10) واللاتينية (3) والأرمنية غير الكاثوليكية (15). وفي سنة 1887 ابتاعت الطائفة الكلدانية دارا اتخذتها معبدا لها وبعدئذ شيدت كنيسة جميلة.

مكثت في البصرة خوريا من سنة 1888 إلى سنة 1893، إذ أقامني المثلث الرحمة البطريرك بهنام بني نائبا بطريركيا في بغداد على السريان وكانت الأبرشية مترملة بوفاة مطرانها اثناسيوس روفائيل جرخي الطيب الذكر والحميد الأثر. فلهذا ما أكتبه عن البصرة إنما هو عن معرفة واطلاع تامين.

بناياتها

بنايات البصرة من الآجر المشوي. وبيوتهم لا تتجاوز الطبقتين. فالطبقة العليا يسكنون فيها شتاء، والسفلى في الصيف. ولا سراديب فيها كما في بغداد لأنك إذا حفرت الأرض مترا واحدا نبع الماء. ولما كنت أدخل البيوت القديمة كنت أستنشق رائحة عفونة وأحس في نفسي بانقباض. وفي بعضها كنت أشتم رائحة مسك. فلما سألت عن هذه الرائحة قالوا: إن بعض البيوت فيها جرذان (جُ جرَذ) ممسكة، وهي ضرب من الفأر.

الحالة الجوّية وتأثيرها في الصحة

يشتد الحر في البصرة من أوائل مايو، ويبلغ أحيانا 45 درجة بميزان سنتغراد حتى تزهق فيه الأرواح. وأحيانا يهبّ من 10 يونيو فصاعدا نسيم بارد يسمونه البارح يدوم زهاء أربعين يوما، وإن لم يهب البارح فهناك الطامة الكبرى. وإني أتذكر أنه في سنة 1888 اشتد الحر إلى الغاية حتى أنه في 22 يونيو مات خمسة وعشرون شخصا بين الظهر والعصر، وذلك من لفح الشمس وشدة الحر، إذ ينقطع الهواء إلى درجة قصوى حتى في الليل أيضا فيعسر التنفس.

 ولسوء الحظ لا ثلج صناعيا فيها. وإنما هناك معمل صغير لا يسد حاجة البلدة، وكل ما يصنعه يأخذه كبار القوم وموظفو الحكومة. وأغنياء القوم والإنكليز يعلقون مروحة (مهفة) في سقف حجرة من الطبقة السفلى ويربط في وسط المروحة حبل، ويسحبها الخادم، فيهب الهواء على الساكنين في الحجرة. وتسمّى هذه المروحة بانكه (كلمة هندية).

 

بنايات البصرة من الآجر المشوي. وبيوتهم لا تتجاوز الطبقتين. فالطبقة العليا يسكنون فيها شتاء، والسفلى في الصيف. ولا سراديب فيها كما في بغداد لأنك إذا حفرت الأرض مترا واحدا نبع الماء

وفي الشتاء أيضا يشتد القرّ فيها حتى يجمد الماء أحيانا في الأوعية. والمشهور عنها أن حرها شديد وبردها قارس.

تكثر الحمّيات البردا (الملاريا) في البصرة، ولا يكاد ينجو منها في مدار السنة عشرة أو خمسة عشر من المئة. والأسباب جمة، أخصها ماؤها الزعاق (أي المالح) الغير الصافي، ثم هواؤها الفاسد الممتلئ عفونة لكثرة المياه الراكدة في المستنقعات التي حول البلدة، وكذلك تقلب الأهوية بغتة مرات عديدة في يوم واحد. فطورا يرى الجو رائقا والنسيم رقيقا إذا هبّ من المغرب والشمال، فينتعش الإنسان باستنشاقه أي انتعاش. وتارة يهبّ من الشرق مترطبا ثقيلا جالبا معه الغيوم، فيشعر الإنسان إذ ذاك في نفسه

 أنه بليد كسلان مرتخي الأعصاب مصاب بالصداع مهزول فاقد شهوة الأكل محب للرقاد. وإن رقد استغرق في النوم مدة طويلة. وقد قال الشاعر ابن لنكك منذ زمن مديد هذه الأبيات:

نحن في البصرة في أون من العيش الظريف

نحنُ ما هبَّ شمالٌ بين جنات وريف

وإذا هبَّ جنوبٌ فكأنا في كنيف

وقد سمعتُ من نزلاء هذه البلدة مدحا وثناء على حالتها الحاضرة وذما وقدحا في حالتها الغابرة. فقد كانت الأوساخ والأقذار كوما في أزقتها، وكانت الحميات تفتك بسكانها فتكا ذريعا وهم لا يعرفون لها دواء. وكانت سمعتها لدى البلاد المجاورة لها والبعيدة عنها غير حسنة، حتى قيل إن الذي كان يقصدها قبل ثلاثين سنة من الموصل وبغداد كان يكتب وصيته الأخيرة ويودّع أهله الوداع الأخير. وقد أخبرني بعضهم أن حكام مدينتي الموصل وبغداد كانوا، إذا قصدوا أبعاد المجرمين وإعدامهم الحياة سريعا يرسلونهم إلى البصرة لعلمهم أنهم إذا وصلوها لا يحيون فيها إلا مدة قصيرة. وكان ذلك قبل أن تضع الدولة العثمانية القانون الأساسي “النظامات الجديدة”.

واستوطن البصرة كثيرون من التبعة الإيرانية، لقرب بلادهم منها. وكذلك من العرب نجد عددا وافرا.

البصريون كرماء

اشتهر أهل البصرة بالسخاء والكرم والبذخ وإعزاز الغرباء. أخبرني ثقات أن الحكومة العثمانية، أثناء حربها ضد روسيا سنة 1876م أصدرت الأوامر بجمع إعانة حربية من رعاياها في سائر الولايات، فاستدعى متصرف البصرة أعيان المدينة، وكان بينهم بضعة أشخاص من المسيحيين، وكلهم تجار غرباء. ولما جاء دور النصارى لجمع تبرعاتهم تقدّم عين أعيان البصرة قاسم باشا الزهير الشهم الكبير وقال: أرى عارا علينا أن نثقل بشيء على هؤلاء التجار الغرباء الآتين بلدتنا مسترزقين فالإعانة التي تريدونها منهم أنا أدفعها. ومن ثم دفع عنهم مئتي ليرة عثمانية، فشكر له المسيحيون وأثنوا على أريحيته الثناء الطيب.

ولما كثر فيها الإفرنج والغرباء، وصارت ولاية بعد أن كانت متصرفية ملحقة بولاية بغداد، أتاها الأطباء والصيادلة، وعرف السواد الأعظم من الناس أن سلفات الكينا هو الدواء النافع لقطع دابر الحميات التي لا يخلو بيت منها اليوم. وبدّل ساكنوها طراز بيوتهم وأخذوا يهندسونها هندسة جديدة موافقة للصحة، فجعلوا فيها نوافذ كثيرة وكشفوا صحنها، بخلاف القديمة التي كانت لها مغطاة قليلة النوافذ لا تدخلها أشعة الشمس.

وأهل البصرة يرقدون مدة الصيف على السطوح ولا ينامون دون الكلتة (ناموسية)، توقيا للندى الساطع ليلا. والمرء إذا خرج صباحا من داره يشاهد الشوارع كأنها مرشوشة بالماء، وما هو إلا الندى. وكثيرون يذهبون صيفا إلى بغداد ترويحا للنفس وهربا من الحر، مع أن درجة الحرارة في بغداد ترتفع إلى 45 و50 في الظل لأن هواء بغداد ناشف والماء يبرد فيها ولا سيما ليلا، وهو أنقى من ماء البصرة.

ولا شك أنها إذا قُطعت عنها المستنقعات وجُلب لها ماء نقي مطهر، كما يُفعل في البلاد الراقية، يتحسن مناخها وتقلُّ الحميات فيها.

المأكل والمشرب

يكثر أهل البصرة من أكل الأسماك والأرز. فلا تخلو موائدهم من الأرز صباح مساء. وهكذا في بغداد أيضا يكثرون من أكله يوميا. ولذا ترى أكثر نساء بغداد سمينات لأكلهن هذا الغذاء النشوي ولقلة حركتهن.

وأن أكثر سكان البصرة، لعلمهم برداءة مياه الشرب المستقاة من نهر العشار، يحتاطون لأنفسهم فيقتنون فناطيس كبيرة (جمع فنطاس وهو قلة فخار) يسع الواحد منها ثلاث أو أربع قرب ماء. فيملأها السقاة ماء في هلال القمر أو بدره، أي حين ارتفاع المدة، ولا يشربون منه إلا بعد مرور خمسة عشر يوما أو ثلاثين أو أكثر. وكلما تعتق هذا الماء كان أحسن. وبعض الأغنياء القاطنين داخل البصرة يأتون بماء شربهم بالقرب من شط العرب. فهؤلاء أيضا يخزنونه في الفناطيس ويعتقونه ليأمنوا شرّهُ.

 

بيوت التجار أكثرها واقع على ضفة شط العرب اليمنى، وكذلك بيوت كبار القوم. ولهذا يكون التنقل والجولان من محل إلى آخر في قوارب صغيرة يسمونها أبلاما (جمع بلم) تدفع بالُمرادي. ولا بد لكل بلم من شخصين أحدهما في مقدمه والآخر في مؤخره

ويظهر أحيانا في جهات البصرة جراد بكثرة عظيمة. فأهل الزبير، وهي قرية تبعد عن البصرة 10 كيلومترات، يجمعون منه كوَما ويأتون به إلى أسواق البصرة أحمالا أحمالا ويبيعونه في أسواقها. والناس يشترونه ويأكلونه كأنه (نقل) إنما لا يأكلون منه الرأس ولا الفخذين. وقيل لي إن طعمه كطعم المح (صفار البيض) المسلوق. والله أعلم. وتباع كل 6 كيلوات منه بشلن. فيسلقونه بتغطيسه برهة في الماء الساخن ثم يخرجونه ويملحونه ويقددونه وبعدئذ يأكلونه.

ويأكلون السمك أيضا وهو ليس بقليل في شط العرب وفروعه. وفي أيام الربيع يأتي منه بكثرة عظيمة من البحر نوع يسمى السبور. ويعرف هذا السمك في شطوط لبنان بالغمبار. والفلاحون وغيرهم يقددونه ويحفظونه مؤونة لهم طول السنة. ولا يصلح أكل هذا السمك إلا مشويا لكثرة دهنه ودسمه. وثمنه زهيد للغاية حتى تباع المئة سبورة منهُ بشلنين، وكل سمكة تزن غالبا كيلو.

ويندر وجوده في غير أيام الربيع. ولا عناء بصيده. وطريقة ذلك أنها إذا أتت المدة وعلت المياه في الأنهر (أي الترع) يلقي الصياد شبكته على عرض الترعة. وعندما يجزر الماء يبقى السمك دون ماء فيلتقط الصياد السمك بسهولة.

ويصاد بطريقة أخرى. وهي أن الصياد يركب قاربا صغيرا ليلا (البلم أو المشحوف) والمشحوف ساق شجرة ثخين ينقر حتى يمسى كقارب صغير، طوله مترا ونصف المتر أو أكثر، وعرضه مترا، فيركب فيه شخص واحد ويقذف به حيث يشاء. ويوقد سعف النخل أو يضع قنديلا في القارب. ويسير في الترعة. فيطفر السمك إلى داخل القرب وبمدة وجيزة يشحن القارب.

ويكثر في شط العرب نوع آخر من السمك يسمى إربيان، والعامة تقول روبيان، وفي بغداد يسمى ‘مكمك’، وفي سوريا براغيث البحر أو قريدس، وفي مصر كمبري. وهو سمك صغير أبيض طوله نحو إصبع، إذا سُلق احمر، ويقددونه.

بعض نواحي الحياة الاجتماعية

بيوت التجار أكثرها واقع على ضفة شط العرب اليمنى، وكذلك بيوت كبار القوم. ولهذا يكون التنقل والجولان من محل إلى آخر في قوارب صغيرة يسمونها أبلاما (جمع بلم) تدفع بالُمرادي. ولا بد لكل بلم من شخصين أحدهما في مقدمة والآخر في مؤخره. والراكب فيه يأكل ويشرب ويقرأ دون أدنى انزعاج. ولكل بلم مظلة وشجوف تقي من الشمس أو المطر.

وفي السنوات الست التي قضيتها في البصرة لم أر فقيرا (يكدي) (يستعطي)، لأن من أراد السكنى فيها لا بدّ له أن يأكل جيدا ويلبس لباسا نظيفا ويشرب ماء نقيا ويسكن محلا صحيا، وهذه كلها غير ميسورة لمن يجول مستعطيا.

ومن عوائدهم هناك الصيد بحرا وبرا. وهو ميسور جدا وهم يُقبلون عليه بلذة. فإذا أراد المرء الصيد في شط العرب أو في الأهوار (أي المستنقعات)، نال مرغوبه بعناء قليل وزمن قصير، فيرجع فرحا مسرورا حاملا سمكا أو خنزيرا أو بطا أو طيور الماء بكثرة. والأغنياء غواة القنص، يخرجون أياما الربيع بخيلهم وجمالهم وكلابهم وبيزانهم وعبيدهم وحشمهم، وينتشرون في الفيافي. فيصطادون الظبي الحبارى والخنزير الدارج، ويرسلون منهما هدايا لأصحابهم في البصرة حينا بعد آخر. ويقيمون في هذه النزهة أكثر من شهر. أما الوحوش الضارية، كالأسد والنمر، فلا وجود لها في نواحي البصرة.

وكان الأسد كثيرا قبل سير البواخر بين البصرة وبغداد، لوجود الغابات الكثيفة وقتئذ بين المدينتين، ولعدم محافظة الحكومة على تلك الغابات. وقد قطعت كلها، فانقطع نسل الأسد من تلك الأرض. فالأسف على تلك الغابات ولا أسف على زوال الأسد منها.

إلاّ أنهم إذا كانوا قد تخلصوا من الأسود لم ينجوا من الأرضة. فإن من آفات البصرة الأرضة (وجمعها أرض)، وتعرف عندهم بالريماس. وهي دودة تنقر الأخشاب نقرا وتتلفها.

وتفعل في الكتب والأوراق (الكاغد) فعلها في الأخشاب. وكثيرا ما تنقر الكتاب من الدفة إلى الدفة. وقد عبثت بكتبي غير مرة فكدرتني أي كدر ولم أجد وسيلة لاتّقاء شرها.

الزنوج في البصرة

قبل أن تمنع الدول المتمدنة النخاسة كانت التجارة بالرقيق رائجة في خليج فارس رواجا عظيما. فاقتنى منهم أغنياء البصرة ذكورا وإناثا بالعشرات. فنموا وكثروا جدا. ويشاهد منهم في البيوت عدد وافر حتى اليوم. وقد جاء بهم النخاسون من زنجبار وبمباس وسواحل أفريقيا. أما في هذه الأيام فالتجارة بالبشر نادرة والإنكليز شديدو المراقبة في منع هذه التجارة البربرية.

 

يكثر أهل البصرة من أكل الأسماك والأرز. فلا تخلو موائدهم من الأرز صباح مساء. وهكذا في بغداد أيضا يكثرون من أكله يوميا. ولذا ترى أكثر نساء بغداد سمينات لأكلهن هذا الغذاء النشوي ولقلة حركتهن

ومراكبهم الحربية لا تزال جائلة في البحر الأحمر وخليج فارس تفتش السفن الهوائية. فإذا وجدت فيها أرقاء قبضت عليهم واعتقتهم وعاقبت النخاسين أشد العقوبات. والعبد المملوك إذا نفر أو (حرد) من سيده التجأ إلى القنصل الإنكليزي. فيدفع لهُ القنصل فورا ورقة العتق فيصبح حرا لا يستطيع مولاه أن يحدثه بكلمة. وبعض المسلمين يعتقون أرقاءهم لوجه الله. وأما المسيحيون الذين اشتروا العبيد فغالبا ينصرونهم أي يعمدونهم ومتى تعمدوا أصبحوا أحرارا. وقد عمدت مرة وصيفة لأحد أبناء طائفتنا السريانية في البصرة والزنوج كلهم يسكنون الخيام. ولا يزالون همجا، وهم ميّالون إلى القصف واللهو والمسكر.

التجارة بالتمور

شجرة النخل سبب ثروة البلاد، وتمرها غذاء السواد الأعظم من أهاليها. فتستعمل أخشابها للوقود وليفها للمرس أي الحبال. والنواة تنقع وتطعم للبقر فتدر لبنا دسما. ويقال إن عدد النخل في البصرة وضواحيها أي من الفاو إلى العزير نحو ثلاثين مليون نخلة.

وقد قدر البعض ما يصدر من التمر من البصرة وضواحيها بخمسة وعشرين مليون آقة كل سنة إلى أوروبا وأميركا، وبمثلها إلى بلاد العرب والهند. وينفق في البصرة وحولها مثل ما يرسل إلى أوروبا. وهذه التمور مورد ثروة لأصحابها حتى إنهُ يبلغ إيراد البعض سنويا زهاء مئتي ألف فرنك فما دون.

إن النخل من 25 يوليو فصاعدا يأخذ في النضوج، وفي أواخر أغسطس وأوائل سبتمبر ينضج تماما. والتجار قبل هذه الأيام يهيئون الجارديغ (جمع جرداغ والكلمة تركية) لكبس التمر بالصناديق. وربما استغل بجرداغ واحد 400 عامل. وقد سألت مرة أحد أرباب الأملاك عن عدد أنواع التمر، فأجابني أنه يبلغ زهاء أربعين نوعا. والنخل ينمو بسرعة في البصرة لشدة الحر وكثرة المياه. وغرسة النخل أي (التالة) تعطي غلة بين السنة الخامسة والثامنة من غرسها. أما في بغداد فلا تعطي غلة قبل السنة الخامسة عشرة.

وقد أثرى أهل البصرة بعد خرق ترعة السويس، لأنه قبل ذلك العهد كان يباع جريب النخل بعشر ليرات، واليوم يباع مثل ذلك الجريب بمئتي ليرة إذ قد راجت تجارة التمر أي رواج. والفضل في ذلك لفرنسا وللرجل الشهير فردينند دلسبس خصوصا. أي نعم إن بلادا كثيرة استفادت من فتح الترعة المذكورة، كما لقيت منها بلاد أخرى أضرارا، إلا أن البصرة كان لها النصيب الأوفر من الفائدة.

13