"صفر الجيش ستين" حتى عند دي ميستورا

الأحد 2017/12/17

يُروى أن أسوأ عسكري في الجيش السوري، مجندا كان أو عاملا، تكون علامته ستين من مئة في الامتحان، أي ناجح. ولم يسمع أحد أن عسكريا رسب في صفه، أو تم فصله لأنه غبي، أو كسول. والعلامة المذكورة ليست بسبب بساطة المعلومات التي يفهمها ويحفظها العسكريون، بل لأن الامتحانات شكلية، ولا وجود لحالة الرسوب. لكن هذا لا يمنع من الشك في أن الأول على صفه أيضا سيأخذ علامة غير حقيقية في مثل هكذا منطق للامتحانات.

الجيش السوري، أو العربي السوري، العامل، لم يعد موجودا منذ بدأ انتقاء العاملين فيه على أساس طائفي بعد استيلاء حافظ الأسد على السلطة عام 1970. وإذا كان موجودا شكليا سابقا، فهو لم يعد موجودا في حالة التشظي التي يعيشها مجتمع الجيش كجزء من المجتمع السوري في السنوات السبع الماضية.

لا نعيد هنا سيرة الميليشيات الداعمة للجيش، حتى لا نصادف من يُذكر بالمقاتلين الأجانب في الفصائل المعارضة لنظام الأسد الابن، وخاصة داعش والنصرة، وفصائل إسلاموية أخرى. كما لا نعيد سيرة الحرب التي بدأت مقدمات نتائجها تتوضح، إن لم يكن لدى الأميركان مفاجأة ما تنقض استنتاجاتنا، وتنقض التفرد الروسي في محاولة حل المسألة السورية، حتى لو كان هدف أميركا استمرار الفوضى واستقرارها لأطول فترة ممكنة.

في لقاء جنيف 8 الذي لم يصل بعدُ إلى مستوى المفاوضات، وبعد أن رفع مبعوث الأمم المتحدة لحل النزاع السوري، ستيفان دي ميستورا، الصحف والأقلام، كانت العلامة صفرية في منطق السياسة، لكنها عند ممثل النظام بلغت الصفر الستيني، بعد أن تواطأ جميع الحاضرين على اللقاء في سوتشي، بشروط أو من دون شروط. وسيكون مبرر حضور الهيئة في سوتشي إظهار حسن النية بالالتزام بمبدأ التوصل إلى حل سياسي، كما حدث في مسلسل جنيف الطويل، وتجنيب المزيد من السوريين القتل، كما حدث في مسلسل أستانة.

صفر جنيف الأخيرة سيجيره الروس إلى سوتشي، بعجز فاضح من الأمم المتحدة، بل الولايات المتحدة، على الرغم من زلات لسان ساستها وعسكرييها المؤكدة على أن الحل السوري سيكون أمميا، في تلميح إلى عدم موافقتها على تفرد روسيا بالحل.

التجاذب الوحيد في الفترة الأخيرة بين القوتين الكبيرتين المتدخلتين في سوريا دار حول اتهام بوتين لأميركا بـ”حماية” داعش. وفي الحقيقة، كلتا القوتين أظهرتا من التغاضي عن داعش، وعدم بذل الجهد لمنع حركته خارج المدن التي كان يحتلها، ما يُفسر أنه حماية، تماما كما فعل النظام الأسدي، وإيران، على الأقل بيد حزب الله الذي يَسَّر لمقاتلي داعش الخروج الآمن من عرسال قبل شهور، وكما فعلت قوات سوريا الديمقراطية مع حوالي خمسة دواعش من الرقة.

نحو استبدال سوتشي بجنيف

أميركا لا تستطيع فرض حل في مجلس الأمن بعد أن استخدم الروس الفيتو 12 مرة حماية للنظام الأسدي، لكن روسيا نفسها لا تستطيع فرض حل على المعارضة السورية على الرغم مما يقال عن ضعف بيان الرياض2، وعند ضعف أعضاء هيئة التفاوض إذا استمرت الضغوط الإقليمية والدولية عليهم.

أكثر من ذلك، لا تستطيع روسيا فرض حل على النظام الأسدي، بالتنازل عن حكم سوريا، والمرور إلى فترة انتقالية تفضي إلى تنحي بشار الأسد عن حكم سوريا.

وصفر المعارضة المطلق بدأ قبل عام، أي في 15 ديسمبر من العام الماضي، يوم سقطت حلب رسميا في يد النظام وميليشياته وحليفيه الإيراني والروسي، في الوقت الذي بدأ فيه الحديث عن إمكانية البدء في سلسلة “أستانة”، التي راكمت فكرة مناطق “تخفيف التوتر” التي لعبتها روسيا لمصلحة النظام الأسدي، ما مكنه من مضاعفة الأراضي التي يسيطر عليها خلال العام الجاري.

الآن، تقترب نسبة الأراضي التي يسيطر عليها النظام من 60 في المئة، مع حوالي 30 في المئة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وما تبقى يتقاسمه تنظيم داعش وجبهة النصرة والجيش الحر في الشمال والجنوب. تصادف الحديث عن نسبة الستين في المئة قبل سقوط حلب أيضا، حيث ظل النظام وحلفاؤه من الميليشيات يتنازعان على نسبة 10 في المئة لأكثر من عامين قبل نهاية عام 2016، بمعدل وسطي يتقاسمان فيه مساحة مدينة حلب بين شرقية وغربية، فيتفوق النظام أحيانا وتصل حصته إلى 60 في المئة، أو تتفوق الفصائل المعارضة أحيانا فتتحصل على هذه الستين.

وللإشارة فقط، كان يمكن لداعش أن يسيطر على سوريا كلها انطلاقا من سيطرته على ما يوازي تلك النسبة من مساحة سوريا البالغة (185.180 ألف كيلومتر مربع)، لكن تعقيدات الخارطة العسكرية للمتقاتلين في سوريا، وعليها، لم تتح له ذلك، كما يمكن توقع أن سيطرة النظام على تلك النسبة، الآن، لن تفضي إلى استعادة السيطرة على كامل الأرض السورية، لاستمرار وجود التعقيدات ذاتها.

تضاف إلى ذلك ألغاز العلاقة بين النظام والأكراد، والثبات النسبي لما تبقى من الأراضي التي يسيطر عليها الجيش السوري الحر، وخاصة في شمال حلب وإدلب، بوجود الدعم التركي للفصائل المعارضة هناك.

وانطلاقا من وضع الثبات النسبي للوضع العسكري الحالي، قبل “جنيف 8″، وبعدها، وصولا إلى احتمال انعقاد مؤتمر سوتشي في فبراير المقبل، واجه النظام هيئة التفاوض بصفره الستيني، في مقابل نسبة منخفضة من سيطرة الفصائل المعارضة المشاركة في الهيئة على الأرض تقترب من الصفر المطلق.

ومن هنا يمكن تفسير تشدد وفد النظام في جولات جنيف، بما فيها الأخيرة، إضافة إلى العامل النفسي لوحدة النظام مدعوما بحلفائه، وبمصالحهم، وإدراكه أن أقل تنازل منه سيؤدي إلى دومينو سقوط قد لا يتوقف إلا بوضعه أمام عدالة السوريين، وانتقامهم، قبل عدالة القانون الدولي.

ولأن النظام يمتلك عناصر القوة الظاهرة في الفترة القصيرة، يسير على حافة الهاوية مرة جديدة، مسترشدا بالمقولة المجربة “وما النصر إلا صبر ساعة”، حتى لو كان على يقين أن النصر العسكري الحاسم مستحيل، ليجرب أن يجر المعارضات إلى الاستسلام، واثقا من ثبات حلفائه على دعمه، وواثقا من تخلي داعمي المعارضات عن دورهم الذي أفسد المعارضات أكثر مما دعمها خلال السنوات الست الأولى من الثورة السورية.

حتى دي ميستورا يعتد بصفر الجيش هذا، فعندما أعيته الحجة والحيلة في إقناع هيئة التفاوض بقبول ما يقبله النظام، ذكَّرهم أن لا أحد يدعمهم الآن، إقليميا ودوليا، عارفا أن الأمم المتحدة ستكون منزوعة الأسنان من دون الولايات المتحدة، وعارفا أن واشنطن تلعب في سوريا في منطقة لا علاقة لها بتحقيق العدالة الدولية، هذا إن كانت الولايات المتحدة قد لعبت مثل هذا الدور في تاريخها.

وعطفا على صفر الجيش، كان المتطوعون من ضباط الجيش يستخدمون كلمة “أستاذ” لمخاطبة الضباط المجندين من حملة الشهادات الجامعية، بمزيج من الشعور بالدونية والتكبر معا، تجاه هؤلاء الضباط. والسوريون جميعا، ربما، يعرفون المقصود من هذه الكلمة.

هذا المضمون هو تماما ما تكلم به بشار الجعفري مخاطبا به هيئة التفاوض، والمجتمع الدولي. وهو ما أقنع به “الأستاذ” دي ميستورا، متسلحا بصفر الجيش.

كاتب وصحافي سوري

5